اليمين المتطرف ضمن تشكيل حكومته
واصلت الصحف الاسرائيلية، اليوم، تتبع نتائج الانتخابات الإسرائيلية وتنولها في الخبر والتحليل، للانتصار الساحق الذي حققه معسكر اليمين القومي المتطرف، بقيادة نتنياهو، والذي ضمن بذلك تشكل حكومة رابعة بقيادة الليكود، دون أي حاجة هذه المرة لضم قوى محسوبة على الوسط السياسي.
واشارت الصحف الى انه بات من المتوقع ان يكلف رئيس الدولة رؤوبين ريفلين، نتنياهو، بمهمة تشكيل الحكومة الجديدة، بعد فوزه في الانتخابات دون أن يواجه اي تردد. فالاحزاب المحسوبة على معسكر اليمين القومي، باضافة حزب كحلون، يمكنها ان تشكل حكومة تضم اكثر من 65 نائبا. وكما يبدو فان نتنياهو ينوي بدء المفاوضات الائتلافية يوم الاربعاء القادم، الموعد المتوقع لنشر النتائج بشكل رسمي، ولهذا الغرض سارع فور ظهور النتائج الى اجراء اتصالات مع قادة الاحزاب اليمينية ودعوتهم للانضمام الى حكومة برئاسته.
ويعتقد الليكود ان تكليف نتنياهو بمهمة تشكيل الحكومة بات حقيقة واقعة. وقال احد المسؤولين الكبار: "ليس من الواضح ما اذا كان نتنياهو سيحصل على عدد اكبر من التوصيات امام ريفلين، ولكن صورة الوضع واضحة: يمكن لنتنياهو فقط تشكيل الحكومة القادمة، وهذا ما فهمه هرتسوغ ايضا". واضاف: "يصعب معرفة ما اذا كان ريفلين يملك ارنبا في القبعة او انه سيلقي بثقله من اجل تشكيل حكومة وحدة كما المح سابقا، رغم معارضة كافة الاطراف".
ليس هذا فحسب، بل سارع الليكود، امس، الى تحديد هؤلاء الشركاء الجدد في الحكومة القادمة: "كلنا" و"اسرائيل بيتنا" و"البيت اليهودي" والاحزاب الدينية. وحسب التقديرات فان الليكود سيعمل على تغيير القانون الذي يحدد عدد الوزراء في الحكومة، كي يسمح لبقية ممثلي الكتل بنيل حقائب ومكاتب وزارية.
وبات يسود في حزب الليكود التقدير بشأن البرامج التي سيعمل الائتلاف الجديد على دفعها. وقال النائب ياريف ليفين، الذي يعتبر احد الشخصيات المرشحة لتسلم حقيبة وزارية انه سيعمل على سن قانون لتغيير وجه المحكمة العليا. وقال: "سنفرض سيطرتنا بدون خوف، يمكن تحقيق تغييرات كبيرة في الجهاز القضائي وفي وسائل الاعلام او تغييرات تتعلق بالقيادة المنتخبة والموظفين الحكوميين". واضاف ليفين ان لديه الكثير من البرامج، "منها الغاء مؤسسة تعيين رئيس المحكمة العليا وتغيير تركيبة لجنة تعيين القضاة، وتقسيم صلاحيات المستشار القضائي للحكومة وتغيير طريقة انتخابه".
هرتسوغ يقرر: المعارضة
في هذا الصدد، وضع رئيس حزب المعسكر الصهيوني، يتسحاق هرتسوغ، امس، حدا للتقييمات التي تحدثت عن امكانية انضمامه الى حكومة وحدة قومية، برئاسة نتنياهو، وقال: "التوجه الى المعارضة هو الخيار الواقعي الوحيد الذي يقف امامنا". وحسب اقواله خلال اجتماع عقده للمرشحين الثلاثين الاوائل في القائمة، فان المعسكر الصهيوني "سيكون بديلا مناسبا، حقيقيا، في كل المجالات وفي كل القضايا، لحكومة اليمين المتطرف ذات الفترة الزمنية المحدودة".
كما اعلنت شريكته تسيبي ليفني انها لن تكون شريكة في ائتلاف نتنياهو، وقالت: "استيقظت صباح اليوم بمشاعر ثقيلة. هذه طريقهم وليست طريقنا". وحسب رأيها فان المعركة لم تنته بعد، اذ "توجد هنا طريقان من القيم المختلفة، طريق نتنياهو وشركائه، وطريقنا مع شركائنا الطبيعيين. يتحتم علينا طرح طريق مغايرة امام الطريق التي لا ترى المواطنين."
وفي "يوجد مستقبل" لا يزالون يرفضون القول ما اذا كانوا سينضمون الى حكومة نتنياهو، او يفضلون البقاء في المعارضة. وقالوا في حزب الليكود ان فرص انضمام يوجد مستقبل الى الائتلاف ضئيلة.
واشنطن تنتقد لهجة نتنياهو العنصرية ضد المواطنين العرب
كتبت صحيفة "هآرتس" ان الادارة الامريكية، عقبت امس، ولأول مرة على نتائج الانتخابات الاسرائيلية، ووجهت انتقادا شديد اللهجة لسلوك نتنياهو في الأيام الأخيرة للحملة الانتخابية. وقال الناطق بلسان البيت الأبيض جوش ارنست، ان الادارة تشعر بالقلق الشديد ازاء استخدام لهجة الشقاق التي تقصي الأقلية العربية".
وكان ارنست يشير الى التصريحات التي اطلقها نتنياهو والملاحظات التي دونها على صفحته في الفيسبوك، والرسائل النصية التي بعث بها مقره الانتخابي الى الناخبين اليمينيين والتي يحذر فيها من ارتفاع نسبة التصويت في الوسط العربي، وتدعو مؤيدي الليكود للخروج والتصويت.
وتعقب البيت الابيض في الأيام الأخيرة تصريحات نتنياهو هذه ضد المواطنين العرب، لكنه امتنع عن التعقيب عليها قبل الانتخابات. وقال ارنست في اول تعقيب بعد الانتخابات ان "مثل هذه التصريحات تتناقض مع القيم والايديولوجية الديموقراطية التي تهم ديموقراطيتنا وكانت جزء هاما من الترابط بين الولايات المتحدة وإسرائيل".
الادارة ستعيد النظر في طريقة معالجتها للصراع
وتطرق الناطق الأمريكي الى تنصل نتنياهو من خطاب بار ايلان ودعمه لإقامة دولة فلسطينية. وقال ارنست انه "خلال اكثر من 20 سنة آمنت الولايات المتحدة بأن حل الدولتين هو الهدف لانهاء الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين. نحن نعتقد ان حل الدولتين هو الطريق الافضل لتقليص التوتر في المنطقة". واضاف انه بناء على تصريحات نتنياهو ضد اقامة الدولة الفلسطينية فان الادارة ستعيد فحص طريقة معالجتها للموضوع.
واتصل وزير الخارجية جون كيري، امس، بنتنياهو وهنأه بفوزه في الانتخابات، وكانت المحادثة قصيرة، لم تتطرق الى القضايا السياسية. وقال ارنست ان الرئيس اوباما سيتصل بنتنياهو لتهنئته خلال الايام القريبة، ولكن ليس قبل تكليفه بتشكيل الحكومة من قبل الرئيس.
السلطة الفلسطينية: "لا شريك في اسرائيل"
في الجانب الفلسطيني لم يتم حتى اليوم نشر تعقيب رسمي على نتائج الانتخابات. وقالت مصادر مقربة من الرئيس محمود عباس انه سينتظر نشر النتائج الرسمية وتركيب الحكومة القادمة. وقالت مصادر رفيعة في السلطة لصحيفة "هآرتس" امس، ان فوز نتنياهو بعد تصريحه بأن خطاب بار ايلان لم يعد ذي صلة وانه لا ينوي اقامة دولة فلسطينية وتفكيك المستوطنات، يعني عدم وجود شريك للسلطة في العملية السياسية، وعلى المجتمع الدولي فهم ذلك وعدم الدفاع عن نتنياهو وسياسته.
وقال عضو الطاقم الفلسطيني المفاوض، د. محمود شتية، لصحيفة "هآرتس" ان نتائج الانتخابات في اسرائيل تشكل ضربة صارمة للسلطة ولحل الدولتين. فهي تدل على ان نتنياهو سيواصل سياسة تدمير حل الدولتين من خلال البناء في المستوطنات وتهويد القدس، ولكن هذه المرة بشكل علني وليس من وراء قناع.
واضاف شتية ان الفلسطينيين سيواصلون المسار الذي بدأوه في ثلاثة مجالات: السياسي، من خلال الدعوة الى تدويل الصراع ومواصلة التوجه الى مجلس الأمن، والاقتصادي، من خلال مواصلة الاتصالات مع دول اوروبا كي تقاطع اسرائيل، والقضائي من خلال محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.
هرتسوغ حظي بثقة الاثرياء، ونتنياهو بثقة الضعفاء!
كتبت "هآرتس" انه يستدل من تحليل لنتائج الانتخابات ان يتسحاق هرتسوغ وقائمة المعسكر الصهيوني فازوا بغالبية الاصوات في 28 بلدة من اصل 33 بلدة راسخة اقتصاديا، بينما فاز بنيامين نتنياهو والليكود بغالبية اصواتهم في البلدات اليهودية التي تقع بين العنقودين الرابع والسابع في المقياس الاجتماعي الاقتصادي، والتي تنتمي الى الشرائح الاجتماعية الضعيفة والمتوسطة. ففي 64 بلدة من بين 77 بلدة تنتمي الى هذه الشرائح، فاز الليكود بغالبية الأصوات. كما حظي الليكود بغالبية الأصوات في كل بلدات التطوير السابقة والحالية، حيث فاز هناك بمعدل 35% من الاصوات، وتقدم بنسبة كبيرة عن بقية الاحزاب.
كحلون ينتظر اتصالا من نتنياهو
ترى صحيفة "هآرتس" في رفض كحلون بعد ظهور النتائج الاولية للانتخابات كشف هوية الشخص الذي سيوصي بتكليفه مهمة تشكيل الحكومة، موقفا حكيما، وتقول انه اصبح من الواضح الآن ان الليكود تفوق بفارق كبير على المعسكر الصهيوني، ما سيتيح لكحلون الآن رسم توجهه. فهو لا يرى أي بديل لحكومة يمينية برئاسة نتنياهو، وقال امس انه يعتقد بأنه سيدعى للقاء نتنياهو فور نشر النتائج الرسمية، "اذ ليست هناك أي حاجة للانتظار، فكل شيء واضح ومعروف، ويجب الانطلاق".
ويشار الى ان قدرات كحلون على المساومة لا تزال عالية اذ ان نتنياهو لا يملك فرصة تشكيل حكومة بدونه. وكان نتنياهو قد اعلن قبل الانتخابات انه سيسلم حقيبة المالية لكحلون، لكن الاخير شكك بصحة وعد نتنياهو واعتبره اسفينا انتخابيا، لكنه يبدو الان ان هذه الحقيبة باتت مضمونة له، وكما يبدو فانه لن يكتفي بها. لقد اوضح قبل الانتخابات ان شرط انضمامه الى الحكومة سيكون حصوله على صلاحيات ادارة دائرة اراضي اسرائيل، كما انه يريد الحصول على كل الصلاحيات المتعلقة بموضوع الإسكان والموزعة اليوم على عدة وزارات. ومن المتوقع ان يطالب كحلون، ايضا، بحقيبتين اجتماعيتين، كالاسكان والرفاه.
بدء فرز المغلفات المزدوجة
اشارت الصحف الى بدء لجنة الانتخابات المركزية، امس، بفرز المغلفات المزدوجة، التي تضم اصوات الجنود ونزلاء المستشفيات والطواقم الطبية واصحاب الاحتياجات الخاصة والدبلوماسيين والمساجين والسجانين ورجال البحرية واعضاء صناديق الاقتراع وغيرهم ممن لم يتمكنوا من التصويت في بلداتهم بسبب ظروف خاصة تدخل في اطار قانون الانتخابات.
ومن المتوقع الانتهاء من فرز هذه المغلفات اليوم، ليتم بالتالي اعلان النتائج النهائية للانتخابات. ويمكن لنشر هذه النتائج تغيير الصورة التي نشرت، امس، حول قوة كل حزب من الاحزاب التي اجتازت نسبة الحسم. يشار الى ان هذه الاصوات ادت في الانتخابات السابقة الى زيادة مقعد للبيت اليهودي على حساب القائمة العربية الموحدة، ما منع في حينه دخول النائب السابق طلب الصانع الى الكنيست.
مقالات
المعركة بدأت.
تكتب "هآرتس" في افتتاحيتها ان نتائج الانتخابات اوضحت انتصار اليمين بشكل واضح. ويمكن لنتنياهو تركيب حكومته القادمة بمشاركة احزاب اليمين المتطرف والمتدينين وموشيه كحلون، دون ان يحتاج الى احزاب من معسكر اليسار – الوسط. وسيعتمد الائتلاف الجديد على وعد نتنياهو بعدم قيام دولة فلسطينية وعدم الانسحاب من الأراضي الفلسطينية.
كما ان تصريحه العنصري في يوم الانتخابات عن "العدد الكبير من المصوتين العرب الذين يصلون الى صناديق الاقتراع" يبشر بأن حكومته القادمة ستواصل تطرفها بل ستعزز الخط المعادي للديموقراطية الذي قادته حكومته السابقة: ستسعى الى استكمال سن قانون "القومية" الذي توقف في الكنيست السابقة، وستعمل على تقييد حرية التعبير ونشاط جمعيات حقوق الانسان، التي وصفها نتنياهو بالمتآمرة والمتعاونة مع العدو.
كما يتوقع القيام بتدابير قمعية "وتطهير اليسار" من المؤسسات الاكاديمية والثقافية المرتبطة بالتمويل الحكومي، كما انعكس ذلك في تدخل نتنياهو في لجان التحكيم لجوائز اسرائيل. وستتعاظم ملاحقة طالبي اللجوء الأفريقيين.
في هذه الظروف بالذات، يمنع غوص المعسكر الديموقراطي في الحزن والكآبة جراء الهزيمة الحارقة في الانتخابات. هذه ساعة طوارئ، وكل من يشعر بالقلق ازاء فرص انقاذ السلام مع الفلسطينيين والحفاظ على حقوق الاقليات وحرية التعبير واستقلال الجهاز القضائي، يتحتم عليه التجند ورفع الراية امام نتنياهو ونفتالي بينت وافيغدور يلبرمان وياريف ليفين وميري ريغف.
ويتحتم على يتسحاق هرتسوغ، بعد زوال امكانية انضمامه الى حكومة وحدة، قيادة النضال البرلماني والشعبي ضد حكومة اليمين المتطرفة برئاسة نتنياهو. وسيطالب هرتسوغ بتوحيد المعسكر الديموقراطي وطرح جدول اعمال بديل للتعصب والعنصرية وملاحقة الاقليات التي يطرحها الليكود وشركائه السياسيين. سياسة المداراة وضبط النفس التي أبداها خلال الحملة الانتخابية ليست مناسبة لساعة الطوارئ الحالية. سيتحتم عليه التعاون مع أيمن عودة، رئيس القائمة المشتركة، التي حققت انجازا مثيرا في الانتخابات، والذي يعد بالخروج لنضال شعبي من أجل ضمان حقوق متساوية للأقلية العربية.
كما تقع على رئيس الدولة رؤوفين ريفلين مسؤولية كبيرة،. فصوته العالي والواضح من اجل الديمقراطية والمساواة للمواطنين العرب يعتبر حيويا اكثر من أي وقت مضى، كثقل موازن لثمالة الفائزين من رفاقه السابقين في اليمين. ديوان الرئاسة بقيادته يبرز كمنارة للأمل والتنوير في ظلام ائتلاف المستوطنين والمتعصبين القوميين. ومن المهم أن لا يتلاشى هذا الضوء.
هزيمة 15
يكتب اري شبيط، في "هآرتس" ان الشعب قال كلمته والانتخابات كانت حرة، سرية ومستقيمة. واذا كانت الارض (الاعلامية) منحازة، فقد كانت ضد اليمين. ورغم ذلك، فان الغالبية حددت في قرار ضد التيار، بأن نتنياهو سيكون رئيس الحكومة القادم وان الليكود سيكون الحزب الحاكم، وان الاحزاب الدينية والقومية المتعصبة ستكون جزء لا يتجزأ من السلطة.
من توقع عودة سنة 1999، حصل على صيغة جديدة وقوية لسنة 1996: تمرد هادئ في الانتخابات، ليلة من المفاجآت، تتويج نتنياهو كقيصر. لا يمكن للمواطن الملتزم بالديموقراطية عدم تبني هذه النتائج لأن هذا هو ما قررته الغالبية، والغالبية هي السيادة. وفي خطوة شرعية عرفّت اسرائيل نفسها ثانية كإسرائيل نتنياهو. مع ذلك فان ما حدث هو كارثة.
لقد كانت امام اسرائيل فرصة لحرف المقود في اللحظة الأخيرة، قبل اصطدامها بكتلة جليد اللاشرعية، لكنها قررت الاصطدام بها. كانت هناك فرصة لمنع مواجهة سياسية شعبية على الجبهة الفلسطينية، لكن اسرائيل اختارت المواجهة. بعيون مفتوحة اختارت العمى، وبرأي واضح اختارت النشوة.
عندما تسفك الدماء هنا سيحدث ذلك لأن الغالبية الجديدة – القديمة اختارت عدم رؤية الفلسطينيين والمستوطنات والاحتلال. عندما ستضربنا العقوبات، سيحدث ذلك لأن الغالبية الإسرائيلية الجديدة – القديمة، تنكرت لروح العصر.
لقد انتهت معركة الانتخابات الكئيبة والبائسة بقرار حاد، دفن فرصة حدوث يقظة هنا قبل الاصطدام مع الواقع. ما حدث هنا هو هزة أرضية. قوة الهزة في عام 2015، لا تقل عن قوة الهزة في عام 1977، وفي عام 1981. وهذا ليس صدفة عندما يواجه ثلث الاسرائيليين حالة اكتئاب. يكفي النظر الى تركيبة الكنيست الجديدة: ربع اعضائها فقط يمثلون احزابا ديموقراطية، تلتزم بالديموقراطية بشكل كامل. ويكفي النظر الى تركيبة الحكومة المرتقبة: متدينون، مستوطنون، متعصبون وشعبويين.
هناك عدة قبائل في الدولة، والدينامية العنيفة بينها، هي التي تسبب انشقاق الارض المرة تلو الاخرى، وابتلاع الأمل. وبدل صياغة مركز عقلاني ومتنور، يقود ويخدم المجموع القبلي، خلقنا حربا متواصلة بين القبائل، تجعلنا جميعا نتخذ قرارات غير حكيمة وغير مسؤولة.
لقد زرع يئير غربوز الكراهية، وحصد نتنياهو العاصفة. وحاول الاعلام فرض رأيه على الجموع، فتمردت الجموع عليه. الدائرة السحرية لحرب النخبة ضد الشعب والشعب ضد النخبة، سمحت للساحر بتحويل الأرض المحبوبة الى أرض محروقة. اغواء اليأس كبير. وبعد الصدمة، من السهل تبني الايمان بأن الجمهور الاسرائيلي متعصب – ديني، نصف عنصري ولا يعرف الحدود.
بعد ان استيقظنا على فجر ليلة ظلماء، يمنع الغوص في حالة اكتئاب واهنة. فاليأس ليس خيارا. وهذه الازمة الرهيبة بالذات، تشكل وصية بالعمل. يجب استخلاص العبر وعاجلا. يجب التعلم من الاخطاء. يجب اعادة اختراع العجلة وخلق حراك جماهيري جديد، يقوم بالعمل الحيوي والاخلاقي والسياسي المناسب. انتصار نتنياهو ليس خطيئة، وانما عقاب. عقاب لأننا اظهرنا اللامبالاة والعجرفة، عقاب لأننا كنا سطحيين وفارغين.
اذا استيقظ الجمهور المتنور في إسرائيل في اعقاب هذه الضربة القاصمة التي تلقاها هذا الأسبوع، فسيعم الأمل، وسيكون البديل، وستكون هناك فرصة أخرى. بعد فشلنا المخجل في انتخابات 2015، يجب بدء المعركة القادمة فورا. لا نملك سنة او شهرا او حتى اسبوع ويوم للانتظار. بل يجب البدء فورا.
هذا هو الامن ايها الاحمق
يكتب عاموس هرئيل في "هآرتس" ان الانتصار الواضح، المفاجئ بقوته لبنيامين نتنياهو والليكود في انتخابات الكنيست لا يمكن نسبه، كما يفعل اليسار ووسائل الاعلام منذ صباح امس، فقط الى التحليلات المتعالية لتطورات الايام الأخيرة، كالقول ان ما حدث هو "انتخاب قبلي" او "حملة تخويف" من جانب اليمين. هذه هي معركة الانتخابات الثالثة والمتتابعة التي سيركب فيها نتنياهو الحكومة. لقد كان اخر انتصار حققه مرشح اليسار، نسبيا، هو انتصار ايهود براك وحزب العمل في 1999.
النتائج شبه النهائية التي نشرت صباح امس، تعكس توجها طويل السنوات، وراسخا. الجمهور الاسرائيلي يميل الى اليمين بشكل واضح. من المؤكد انه سيكون هناك خبراء يعللون ذلك بالتطورات الديموغرافية. بين الشباب، بل وأكثر بين الناخبين المتدينين والاصوليين، ثلاث مجموعات، تزداد نسبتها في عدد السكان بشكل مطرد، ويتمتع اليمين منذ سنوات بأفضلية واضحة في صفوفها. حتى لو تسبب نتنياهو بظهور مشاعر حادة من التردد ازائه من جانب الكثير من الناخبين، فإن ذلك لم يكن كافيا لالغاء التفوق البنيوي لليمين في الانتخابات الأخيرة. لكنه يبدو حدوث شيء اعمق هنا.
الاستنتاج الرئيسي، المعقول، من النتائج، هو انه رغم انشغال الجمهور ووسائل الاعلام الواسع بالمصاعب الاقتصادية والفجوات الاجتماعية، فان الواقع الامني، خاصة ابعاد المشاعر الامنية الشخصية للمواطنين، تواصل تشكيل معايير حاسمة في يوم الانتخابات، كما حدث في كل معارك الانتخابات منذ ايام الانتفاضة الاولى واتفاقيات اوسلو التي جاءت بعدها. وفي هذا المجال يقود نتنياهو بفارق كبير عن منافسيه – رغم انه نتنياهو اياه، المسؤول نفسه عن الاخفاق في مسألة المساكن، ومن تكشفت سلوكياته الشخصية الاشكالية من خلال عدة تقارير تم نشرها في الايام الاخيرة. يبدو ان التأثير الاخلاقي والسياسي لاستمرار الاحتلال في المناطق، ورغم مئات وآلاف المقالات في "هآرتس" لا يحتل سلم اولويات الناخب الاسرائيلي. فالمخاطر الامنية المحتملة تقلقه بشكل اكبر، وهذا الخوف ليس بدون اساس.
الانطباع المتراكم هو ان غالبية الناخبين يميلون الى استنتاجات اليمين في الموضوع الامني: ان الجمود في المفاوضات السياسية يرجع ايضا الى الرفض الفلسطيني، وليس الاسرائيلي فقط، وان فرص حل الصراع في هذه المرحلة ضعيف جدا، خاصة وان المواجهة مع الفلسطينيين لم تعد منذ زمن المسألة الملحة على جدول الشرق الاوسط. وحتى اذا حدثت فجأة اعجوبة سماوية، تقود الى الحل العاجل، فانه لن يلغي بجرة قلم بقية التهديدات الاخرى.
بعد اكثر من اربع سنوات من الاهتزاز الكبير في العالم العربي، وانهيار دول ووقوف تنظيمات ارهابية مجنونة على مسافة بصقة من حدود اسرائيل، يشعر الناخبون بالقلق. وغالبيتهم يقدرون انه على الرغم من عيوب نتنياهو الا انه يعرف كيف يواجه هذه المخاطر افضل من غيره.
مقابل الليكود، ومن خلال الاعتماد على العداء المتزايد الذي اثارته قيادة نتنياهو لدى أجزاء كبيرة من الجمهور، طرح اليسار مرشحا لا يبدو مقنعا بما فيه الكفاية. لقد ظهر يتسحاق هرتسوغ، طوال الحملة الانتخابية، واضحا اكثر من الظل، وربما المرشح اليساري الأقل كاريزمية منذ خسارة براك في أوائل عام 2001. هرتسوغ (ومن المشكوك فيه أن التصنيف المشترك مع تسيبي ليفني قدم أي مساعدة) لا يعتبر شخصية امنية. عندما طرحت، كالعادة لدينا، مسألة من الذي سوف يجيب على الهاتف الأحمر في الثالثة صباحا، لم تغرس الصورة شبه الصغيرة لرئيس المعسكر الصهيوني الثقة لدى الناخبين.
ويبدو ان اصرار الكثير من الصحفيين على دفع الخيار الصحيح، حسب وجهة نظرهم، الى حلوق المصوتين لم يحقق فائدة لهرتسوغ. عندما يتماشى جزء من التغطية الاعلامية لمؤسسة جدية، كيديعوت احرونوت، من اليسار، مع المعايير المتدنية التي تعمل وفقها الجريدة السلطوية المجانية، تحدث مشكلة في وسائل الإعلام الإسرائيلية. انطباعي هو أن الكثير من الناس الغوا في الأشهر الأخيرة، الاشتراك في الخدمات المدفوعة الأجر لموقع Ynet بسبب الشعور بأن هناك من يسعى بشكل منهجي لجعل كل جانب من جوانب الحياة مسألة مستحيلة بالنسبة لهم، قبل التصويت.
الحل المريح للجيش
الفارق في عدد المقاعد الذي تبين صباح امس، سيضمن كما يبدو بقاء موشيه يعلون وزيرا للأمن لدورة أخرى. لقد تقلصت قوة كحلون على المساومة، وكما يبدو لم تعد كافية كي تضمن لحزبه "كلنا" منصبا وزاريا رفيعا آخر، باستثناء حقيبة المالية التي تمحورت حولها حملته الانتخابية. يمكن التكهن ان القيادة العامة تنفست الصعداء. من المشكوك فيه انه يوجد بين الجنرالات الكثير ممن يؤيدون نتنياهو، ولكنه يمكنهم تدبر الأمور مع يعلون. فالتوجه المسؤول والمستقر الذي ينتهجه في مسائل تفعيل القوة يعتبر مقبولا عليهم بشكل عام.
تعيين يوآب غلانط (من حزب كلنا) لهذا المنصب يمكنه ان يثير توترا على خلفية رواسب الماضي بين غلانط ورئيس الاركان غادي ايزنقوت. واما تعيين افيغدور ليبرمان او نفتالي بينت، والذي يبدو غير معقول الان، لهذا المنصب، فان من شأنه التسبب بهزة كبيرة في الجيش. يعلون سيبقى كما كان، وفي الظروف الحالية يبدو ان هذا هو الحل المريح للجيش.
المسألة الامنية الفورية التي ستطرح للنقاش تتعلق بايران، على خلفية تقدم الاتصالات بين طهران والقوى العظمى بشأن الاتفاق المبدئي لكبح خطتها النووية. ولكن في هذه المسالة، يملك نتنياهو، وعلى الرغم من انشغاله المكثف فيها، تأثيرا صغيرا فقط على ما يحدث. الادارة الامريكية ستصغي بشكل جزئي الى الادعاءات الإسرائيلية بشأن الاتفاق. وفي هذه المرحلة يبدو ان الهجوم الاسرائيلي من جانب واحد على المنشآت النووية الايرانية ليس مطروحا على الجدول.
وهناك مشكلة ملحة اخرى ترتبط بالفلسطينيين. لقد اعلن صائب عريقات ان التدابير التي تقوم بها السلطة للانضمام الى المحكمة الدولية في لاهاي، ستتواصل في الاول من نيسان. وستضطر اسرائيل الى اتخاذ قرار حول ما اذا كانت ستواصل تجميد تحويل اموال الضرائب المستحقة للسلطة، والمخاطرة بحدوث ازمة اقتصادية شديدة في الضفة الغربية والمس بالتنسيق الامني.
هذا التوتر الى جانب خيبة الامل الواضحة في واشنطن والاتحاد الاوروبي من الانتصار الثالث والمتتابع لنتنياهو، يمكنه ان يلمح الى انهيار سياسي يتربص في الزاوية، قبل ان يعاد طرح امكانية اندلاع انتفاضة جديدة في المناطق.
رد القائمة المشتركة يجب ان ينعكس في تشكيل بديل ديموقراطي مستقر.
تحت هذا العنوان يكتب جاكي خوري في "هآرتس" ان نتائج الانتخابات تنقل رسالة واضحة للمواطنين العرب في إسرائيل: على الرغم من الاختلاف في المفاهيم لدى مختلف الاحزاب، فقد قال الجمهور العربي "نعم" للقائمة المشتركة ونعم للتحالف.
لقد تم تسجيل ارتفاع كبير في نسبة التصويت في الوسط العربي، يقارب 10%، قياسا بالانتخابات السابقة، الامر الذي انعكس في زيادة التمثيل البرلماني من 11 نائبا الى 14 للقائمة المشتركة (بعد فرز 99% من الأصوات). ويمكن لقادة القائمة والشخصيات التي قادت الى التحالف، القول بأن الانتخابات شكلت استفتاء عاما على القائمة، وان الجمهور العربي منحها ثقته.
في المقابل، نقلت نتائج الانتخابات العامة، والحملة الفظة لنتنياهو في يوم الانتخابات ضد تصويت المواطنين العرب، رسالة واضحة ايضا: بالنسبة للغالبية اليهودية لا يزال يمنع السماح للعرب بالتأثير على جدول الاعمال العام، وحتى اذا تحالفوا، ستقصيهم مرة اخرى الى هامش الديموقراطية الاسرائيلية.
لقد فكر رئيس القائمة ايمن عودة، حتى يوم امس، بمنصب رئيس المعارضة، ولكن في ظل الوضع الحالي من المفضل ان ينسى هذا المنصب. لأن من لم يرد رؤية العرب في الكنيست، لن يستطيع المفاخرة على الساحة الدولية بأن في اسرائيل الديموقراطية هناك رئيس معارضة عربي.
خلال الشهرين الأخيرين حظى عودة وقادة القائمة بتغطية اعلامية ضخمة. ونالوا فرصة عرض رواية المواطنين العرب امام الجمهور الاسرائيلي، وكل من رغب بسماعها، وبشكل لا يقل اهمية، امام المجتمع الدولي. هذه التغطية الى جانب الثقة التي نالتها القائمة في الشارع العربي، يمكنها ان تشكل نقطة بداية جيدة اذا اخذنا في الاعتبار معطيات الخارطة السياسية القائمة والاجواء العامة في البلاد.
ويكمن التحدي الرئيسي بالنسبة للقائمة في الحفاظ على وحدتها ومنع تفككها والعمل من اجل اعادة بناء لجنة المتابعة العليا للعرب في اسرائيل، والتي تواجه حالة موت سريري منذ حوالي نصف سنة. يتحتم على عودة ورفاقه استغلال الاجواء الطيبة التي نشرتها القائمة في صفوف الجمهور العربي والحفاظ على النسيج الاجتماعي الذي تم حياكته في المجتمع العربي بعد التمزق الذي خلفته الانتخابات البلدية.
ويمكن لعودة ولبقية اعضاء القائمة التحدث باسم المواطنين العرب من على كل منبر ممكن وعرض رؤية واضحة، وبديل يقوم على مبدأ المساواة المدنية والحفاظ على الهوية القومية والتعاون مع القوى الديموقراطية في إسرائيل.
بعد انهيار ميرتس، وليس بسبب عدم توقيع فائض الأصوات، يمكن للقائمة المشتركة ان تشكل اساسا لمعسكر ديموقراطي حقيقي، لأنه على الرغم من حالة الاكتئاب والعنصرية المتصاعدة، لن يفقد العرب الامل، وليس لديهم مكانا اخر يذهبون اليه – لا لجنين ولا الى برلين.