تاريخ النشر: 2023-11-08 | 16:29
تاريخ النشر: 2023-11-08 | 16:29
الحرب قاسية في كلّ زمان ومكان، لكن الحرب على غزّة ربما هي من اقسى الحروب في التاريخ البعيد والمُعاصر،
لانها حربٌ تدور بين الفضاء والارض،
حُممٌ وقنابل وصواريخ تندلق من الاعالي على كلّ شيء تحت، على البشر والحجر والشجر، على فقّاعات الهواء وقطرات الماء الشحيحة في الخزّانات والحنفيّات المكسورة في زوايا الشوارع والزنقات،
حربٌ على رغيف الخبز وعلى المخابز والافران الفارغة خوابيها من الطحين وكوانينها بلا جمرٍ ولا شعلة لتحميص الرغيف أو شوي حبة بطاطا سلمت من قصف سابق على برجٍ شاهقٍ من خمسة عشر طابقا،
لكن الاغرب والاعجب والاقسى و"المميّز" في هذه الحرب هو استهدافها ومسّها لاكثر الاماكن حماية في اوقات الحروب، حسب القوانين الدولية "وشرائع حمورابي"، الا وهي المستشفيات والمراكز الصحّية،
وعندما نتحدّث عن المستشفيات فاننا نتحدّث دون شك ولا مواربة عن المُستشفى كحاضنة للمرضى وللجرحى، نتحدّث عن المباني والصالات والساحات، نتحدّث في هذه الحالة الخاصة جدّا عن آلاف النازحين المدنيين الذين يفترشون ارضيّة وكوريدورات المستشفيات،
لكن نتحدّث، نعم نتحدّث بصورة خاصة ومميّزة عن هؤلاء الرجال والنساء الذين يصلون الليل بالنهار، يتمنطقون بزيّهم الابيض أذا ما كان هناك متسّع ان يبقى زيّهم ابيضا،
رجال ونساءٌ لا نعرف اسماءهم، ربما نعرف قليلا من الاسماء ممن يظهرون على شاشات التلفاز يشرحون عن الاوضاع الصحيّة التي لا تطاق التي وصلت اليها المستشفيات في ظل الحرب المتواصلة،
القنابل متوفّرة بكثرة وتهطل باستمرار، لكن المياه غير متوفّرة،
الدواء والمستلزمات الطبية شحّت إلى درجة غير مسبوقة،
الهواء الذي يعبق داخل المستشفيات مخلوطٌ برائحة البارود والحجارة المصهورة في الجوار،
ازرار الكهرباء لم تعد تعمل في معظمها لقلّة المولّدات،
الشيء الوحيد المتوفّر بكثرة يهطل باستمرار على المدينة هي الحمم، من الفضاء، ومن البحر ومن البرّ، انقطع كلّ شيء ما عدا الحمم، بل ازدادت حدّتها وشدّتها وكميّاتها،
الاجنحة الوحيدة التي ما زالت تُحلّق كالعمالقة رغم كلّ ما يجري هي اجنحة الاطباء والممرّضين والممرّضات البيضاء في المستشفيات،
بياض ينبلج منذ الفجر إلى الفجر، بياضٌ يطغى على حلكة الليل وظلام الحرب وقتامة الظروف والازمنة،
انّهم رمز التفاني في العمل واداء الواجب،
انّهم ابطال باجنحة بيضاء.