غادرنا ابو الرائد الى الرفيق الأعلى بعد صمود عجيب امام مرض لعين لازمه سنين عديدة ..
سرطان في الدماغ وغسيل للكلى .. وأخيراً كسر في الحوض! لم يقعده السرطان ولم تقعده الكلى .
كان مواظباً على النضال والكفاح ، بالكلمة والندوة والنقاش السياسي . لم يترك احتفالاً او اجتماعاً او مهرجاناً او جلسة من جلسات اللجنة السياسية في المجلس الوطني الفلسطيني او مناسبة من مناسبات او ذكريات الشعب الفلسطيني الا وحضرها بل وشارك في النقاش والمداخلات القيمّة .
كثيرون كان المرض يقعدهم .. او يستسلمون له .
لكن ابا الرائد لم يستسلم لمرضه العضال ولم يقعده ابداً .
في كثير من الاحيان كان يعالج نفسه بنفسه ..
لم ييأس من رحمة الله او يقنط.
أصرّ على اداء فريضة الحج وهو في عزّ مرضه.. فيسرها الله له وأدى الفريضة وعاد مرتاحاً يلهج بالدعاء الى الله ان يستمر في نضاله وكفاحه من اجل قضيته التي نذر نفسه - كما الكثيرين من رجال فتح – لها .
واستمر في نضاله هذا ، وفي صموده في مواجهة المرض اللعين .
لم يذهب عقله يوماً رغم ان المرض كان في الدماغ !
لم يلزم الفراش رغم غسيل الكلى مرتين في الاسبوع !
كان دائماً يطلب النشرات او ما يصدر من مقالات ودراسات ليبقى على تواصل مع الحدث الفلسطيني والعربي والدولي عندما لا يستطيع الحضور الى مقر المجلس الوطني . وكان حلقة الوصل بيننا رفيق دربه المناضل ابو ناصر فريجات الذي زامله العمل في اقليم السعودية طوال سنوات في بداية الستينات .
كانت زوجته ورفيقة دربه في سنواته الاخيرة خير معين له .. تقوم على خدمته ومساعدته في شؤونه الحياتية ..
وفي احدى الليالي لم يرد ان يزعج زوجته ويوقظها من نومها .. فأراد ان يعتمد على نفسه ويخدم نفسه بنفسه .. لكنه سقط عن كرسيه وتعثرت قدمه .. فانكسر حوضه.
اجريت له عملية سريعة تكللت بالنجاح..
لكن مسبب الاسباب اراد غير ذلك ..
فكانت المنيّة .. والتحق بالرفيق الاعلى ليلتقي اخوانه الذين سبقوه على مدى سنين طويلة من حركة "فتح" التي قدم لها جلّ وقته وحياته .
كان رحمه الله اول امين سر للمجلس الثوري للحركة، وسفيراً ناجحاً في دولة عظمى هي الصين الشعبية ، وعضواً فاعلاً في المجلس الوطني الفلسطيني ، ورئيساً للجنة السياسية في المجلس ، ثم عضواً في المجلس الاستشاري للحركة .
وحمل رتبة لواء في صفوف حركته والثورة الفلسطينية .
رحمك الله يا أبا الرائد ..
فقدتك حركتك .. حركة فتح الرائدة .
فقدتك منظمة التحرير الفلسطينية .
بل فقدتك فلسطين كلها .
لم تُشعرنا بمرضك طيلة عشرين عاماً ..
قهرت السرطان .. ولم يقهرك !
تعايشت مع غسيل الكلى .. وبقيت صامداً !
لكن انكسار حوضك استطاع ان ينال منك.
كنت دائماً وحدوياً تتعامل مع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بروح نضالية ثورية مهما كانت الخلافات بيننا ، لذلك أحبّك الاخوة والرفاق في تلك الفصائل .
حتى عند تشييع جثمانك .. صلى عليك الجميع وحمل نعشك الاضداد والتقوا جميعاً في بيت العزاء طيلة الايام الثلاثة .
ولكن ، حزّ في نفسي ونفس الكثيرين ممن شيعوك غياب كثير من القيادات الاولى لحركة فتح !
لكن الاخ الكبير سليم الزعنون (ابو الاديب) عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني لم يفارق بيت العزاء طيلة الايام الثلاثة بصحبة سماحة الشيخ محمد ابو سردانه من قيادات فتح الاولى .. ليؤكد اهتمام الكبار الكبار بالكوادر الرئيسية في الثورة الفلسطينية .
فإلى جنات الخلد يا ابا الرائد مع الانبياء والصديقين والشهداء .
" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا" . صدق الله العظيم