تاريخ النشر: 2023-08-24 | 10:55
تاريخ النشر: 2023-08-24 | 10:55
"آخر ما عمّر الله"!!، في عمق آخر بقعةٍ في جنوب البرازيل تقع وتقبع مدينة "شوي".
هذه المدينة، ذات الإسم الغريب، الذي يبدو صينيّا أو يابانيّا أو كوريّا أكثر منه برازيليّا أو برتغاليّا أو حتى إسبانيّا، ليست كغيرها من المدن، وإنما هي "حالة فريدة"، مدينة مقسومة ومُقسّمة طبيعيّا إلى مدينتين مُتلاصقتين توأم، شيء مشابه ل"رام الله والبيرة"، أو "الخرطوم وأم درمان"، لكن بميّزات ومزايا "فاقعة"!!، يفصل بينهما شارع ب"جزيرة"، والجزيرة هي الحدود الطبيعيّة الدوليّة ما بين شطري المدينة: "شوي" البرازيليّة شمالا و"شوي" الأوروغوانيّة جنوبا.
شوي البرازيلية مدينة برازيليّة طبعا يتحدّثون فيها اللغة البرتغاليّة، لكن، ويا للروعة والعجب، فانّ رئيس بلديّتها لبناني، أي برازيلي من أصل لبناني اسمه محمد. كيف ذلك؟؟!! يا للروعة، فالفنيقيين كانوا دائما اسياد البحار وجوّالة العالم، وهناك جاليات لبنانيّة متجذّرة كبيرة في "مشارق الارض ومغاربها، "تمتدّ وتتمدّد" من البرازيل في امريكا الجنوبيّة حتى ساحل العاج في افريقيا، ومن الولايات المتحدة الامريكيّة حتى جنوب افريقيا، تتعانق الجاليات اللبنانية في معظمها واماكن تواجدها مع الجاليات الفلسطينية ومع الجاليات السورية، لتشكّل "بلاد الشام مُصغّرة" في اقاصي الارض!!.
وجدي البكري وعائلته عائلة البكري العريقة المعروفة "الثريّة’" في البرازيل، اصلا من بلدة جلجليّا بجوار قريتي سنجل وعارورة من محافظة رام الله في الوطن، كان يقود الجيب اسود اللون الجديد الفسيح المُريح، الذي يكتنز في رحمه أيضا: أنا و"الطاهر الطيّب اللطيف، اصلا من مُخيّم الجلزون"، ومحمّد ابو سلّوم،اصلا من قرية دير أبو مشعل، غرب رام الله، متزوج من سيّدة برازيلية غاية في الجمال، ويُطلق ابناء الجالية الفلسطينية عليه لقب "الديافليتو، أي (الشيطان) بالبرتغاليّة. وربما انّهم لم يُبالغوا في اطلاق هذا اللقب عليه، مع انّه ظريف جدا وساخر وذو نكتة حاضرة، ودائم الاستعداد للمساعدة والمشاركة وايضا "لعمل المقالب"، وحتى "دقّ الاسافين"!!.
-"عملت لك مسخّن بلدي من قرية الزاوية، حسب رغبتك وطلبك"، خاطبتني مع اهلا وسهلا زوجة أبو العسل، مُضيّفنا، رئيس الجالية في شوي، السيّدة الفلاّحة الفاضلة، التي تبدو وكأنها ما زالت تعيش في قرية الزاوية غرب سلفيت، المحاذية للخط الاخضر والمقابلة لمدينة كفر قاسم في اراضي ال 48.
- رغبتي وطلبي انا؟؟!! اجبتها باستغراب، ونظرت مُباشرة إلى "الديافليتو"، فانفجر ضاحكا وقال لي:
- "سعادتك، خلّينا نوكل مسخن بلدي بحسّك ووجودك وعلى شرفك، فمن زمان ما اكلنا مسخّن بلدي فلسطيني!!!
واضح ان "الديافليتو" كان على تواصل بالهاتف مع أبو العسل ونحن في الطريق إلى شوي، وانتحل صفة ورغبة أنني اريد أكل مسخّن، دون علمي او حتى التشاور معي، وانا القادم للتو من البلاد في زيارة للجالية الفلسطينية في البرازيل!!!
قرية الزاوية الحدوديّة هي بلدة الشهيد البطل الهمام الشاب عمر أبو ليلى، بهي الطلة بهي الطلعة دائما، منفّذ عملية مدخل مستوطنة آرئيل، "مفرق سلفيت ماضيا وحاضرا ومستقبلا، بالرغم من الوضع القسري الطارئ القائم الآن بقوّة السلاح وجزمات جنودالاحتلال.
كُنا قد انطلقنا نحن الاربعة بجيب وجدي البكري من مدينة "بورتو أليغري" (الميناء الفرح)، متوجّهين جنوبا نحو مدينة شوي لزيارة الجالية الفلسطينية فيها.
عرّجنا في منتصف الطريق تقريبا على مدينة "بيلوتاس". استرحنا قليلا ودردشنا مع عدد من ابناء الجالية الفلسطينية الناجحين تجاريّا هناك. ثمّ استأنفنا رحلتنا ومسيرتنا جنوبا نحو مدينة شوي، وجهتنا ومقصدنا ومحطّتنا النهائية، والتي ستكون مربط خيلنا عمّا قليل.
الطريق من بيلوتاس إلى شوي مستقيمة ومنبسطة "مثل الكف"، تحفّها المزارع الخضراء على الجانبين، وفيها مزارع وحظائر الابقار.
يخال لك في هذا الطريق الطويل العريض المستقيم انّك "تستطيع أن تُشغّل "السائق الاوتوماتيكي"، لولا الاشارات التحذيريّة على جانبي الطريق، التي تحمل صورة بقرة وتحذرك من "اجتياز فجائي ومفاجئ لبقرة شاردة أو بقرات عنيدات، يجتزن ويقطعن الطريق دون سابق انذار.
جدير بالذكر والتنويه والتأكيد انّ لحوم عجول هذه الابقار هي الاطرى والاطيب والاشهى في العالم، خاصة المقدّمة على طريقة الشواء البرازيلية في مطاعم "التشورّاسكو"، التي تُضاهي مطاعم "الباريّادا"، الشواء الارجنتينيّة الشهيرة.