ليست كل الذكريات مجرد محطات في التقويم، فهناك رجال تتحول ذكراهم إلى جزء من الوعي الوطني، وتصبح سيرتهم مرآةً لقيم الثورة ومعانيها. وفي الذكرى الخامسة والخمسين لاستشهاد القائد الفلسطيني أبو علي إياد (وليد أحمد عقاب)، يعود اسمٌ ارتبط ببدايات الثورة الفلسطينية المعاصرة، وبمرحلة كانت فيها القيادة تُقاس بالفعل قبل القول، وبالاستعداد لدفع الثمن مهما كان باهظًا.
كان أبو علي إياد واحدًا من أبرز القادة المؤسسين لحركة فتح، ومن أوائل الذين آمنوا بأن الشعب الفلسطيني قادر على انتزاع حقه بإرادته، وأن الاحتلال لا يواجه بالاستسلام، بل بالصمود والتنظيم والإيمان بعدالة القضية. لم يكن يبحث عن الأضواء، ولم يصنع لنفسه صورة البطل، بل صنعها بمواقفه، وبحضوره بين المقاتلين، وبالتزامه الذي لم يتغير رغم قسوة الظروف وتعقيدات المرحلة.
جاء عام 1971 ليضعه أمام أصعب اختبار في حياته. ففي أعقاب أحداث أيلول الأسود، وبعد انتقال المواجهات إلى أحراش جرش في الأردن، وجد نفسه في قلب معركة غير متكافئة. كان بإمكانه أن يغادر، وأن يختار طريق النجاة كما يفعل كثيرون عندما تضيق الخيارات، لكنه رفض مغادرة مواقعه، ورفض أن يترك رفاقه، واختار أن يقاتل حتى اللحظة الأخيرة. هناك، في أحراش جرش، سقط شهيدًا، لكنه سقط واقفًا، تاركًا خلفه سيرةً أصبحت جزءًا من التاريخ الفلسطيني.
لم يكن استشهاد أبو علي إياد مجرد خسارة لقائد عسكري، بل كان لحظة فارقة في مسيرة الثورة الفلسطينية. فقد أدرك الفلسطينيون أن المشروع الوطني لا يبنى فقط بالبرامج السياسية، وإنما أيضًا برجال يؤمنون بما يحملونه من مبادئ، ويقدمون أرواحهم دفاعًا عنها. ومنذ ذلك اليوم، أصبح اسمه مرادفًا للثبات، وصارت قصته تُروى بوصفها نموذجًا للقائد الذي لم يساوم ولم يتراجع.
واليوم، وبعد خمسة وخمسين عامًا، تبدو سيرة أبو علي إياد أكثر حضورًا من أي وقت مضى. فالقضية الفلسطينية ما زالت تواجه تحديات وجودية، والاحتلال يواصل سياساته القائمة على القتل والتهجير والاستيطان، بينما يعيش الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر مراحله صعوبة وتعقيدًا. وفي ظل هذه الظروف، تكتسب استعادة سيرة القادة المؤسسين معنى يتجاوز الحنين إلى الماضي، لتصبح دعوةً لاستلهام قيمهم في الصمود والوحدة والإخلاص للقضية.
لقد علّم أبو علي إياد أن القيادة ليست امتيازًا، بل مسؤولية، وأن القائد الحقيقي هو من يبقى مع شعبه في أصعب اللحظات، لا من يبحث عن النجاة الشخصية. وعلّم أيضًا أن الانتماء لفلسطين ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل موقفٌ يُختبر عندما تكون التضحيات هي الثمن.
إن استذكار أبي علي إياد لا ينبغي أن يقتصر على إحياء ذكرى استشهاده، بل يجب أن يتحول إلى مراجعة جادة لمعنى المشروع الوطني الذي ناضل من أجله. فالأجيال الجديدة تحتاج إلى معرفة تاريخها، وإلى التعرف على الرجال الذين صنعوا مسيرة الثورة، حتى تدرك أن الحرية لم تكن يومًا هبةً مجانية، وإنما ثمرة تضحيات آلاف الشهداء والأسرى والجرحى.
وفي زمن تتغير فيه التحالفات، وتتبدل المواقف، وتتصاعد محاولات طمس الرواية الفلسطينية، يبقى الوفاء للقادة الشهداء جزءًا من حماية الذاكرة الوطنية. فالأمم التي تنسى شهداءها تفقد بوصلتها، أما الشعوب التي تحفظ أسماء رجالها وتروي سيرتهم للأجيال، فإنها تحافظ على جذوة النضال متقدة مهما اشتدت المحن.
في الذكرى الخامسة والخمسين لاستشهاد القائد أبو علي إياد، نقف بإجلال أمام رجلٍ اختار أن يكتب اسمه بدمه، وأن يجعل من استشهاده رسالةً خالدة مفادها أن الأوطان تُبنى بالتضحيات، وأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بإرادة المؤمنين بها.
سلامٌ على روح أبي علي إياد، وسلامٌ على كل شهداء فلسطين الذين رسموا بدمائهم طريق الحرية، وبقيت أسماؤهم مناراتٍ تهدي الأجيال، وتؤكد أن القضية التي سُقيت بدماء الأوفياء لا يمكن أن تموت، وأن فلسطين ستظل وفيةً لرجالها الذين عاشوا لها واستشهدوا من أجلها.