تاريخ النشر: 2021-10-15 | 11:24
تاريخ النشر: 2021-10-15 | 11:24
مقدمة عامة
نصت إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات عام 1969 في المادة (2/1/أ) على تعريف المعاهدة الدولية بأنها "إتفاق دولي يعقد بين دولتين أو أكثر كتابة، ويخضع للقانون الدولي سواء تم في وثيقة واحدة أو أكثر وأي كانت النتيجة التي تطلق عليه"، وتنقسم المعاهدات الدولية إلى قسمين وهما المعاهدات الشارعة وهي المعاهدات التي تبرم بين عدد كبير من الدول لتخدم مصالحها، وتكون الغاية منها وضع قواعد جديدة وإحترامها، كما تتعلق بشأن دولي عام يهم المجتمع الدولي بأسره، والقسم الثاني هي المعاهدات الخاصة أو العقدية، ولا تلزم سوى أطرافها، ويتعين إلتزامها بالأحكام الشكلية والموضوعية في القانون الدولي، وعلى وجه الخصوص القواعد الآمرة بالقانون الدولي.
وقد أعطى ميثاق الأمم المتحدة للقرارات الدولية أهمية بالغة، بإعتبارها صادرة من إرادة المجتمع الدولي، وفي مقدمتها قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، والتي عادة ما تكون بشكل توصيات ملزمة في حين وغير ملزمة في حين آخر.
حيث كفل ميثاق الأمم المتحدة سلطة إصدار قرارات للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتكون هذه القرارات ملزمة في :
قرار قبول العضوية أو وقف العضوية أو الفصل من أي هيئة دولية وذلك بناء على المادة 4 و5 و6 من الميثاق.
عند إتخاذ قرارات تحت بند "الإتحاد من أجل السلام".
عند إصدارها قرارات في إطار إستخلافها لعصبة الأمم فيما يتعلق بنظام الوصاية.
عندما يكون القرار عرفا دوليا، ومن القواعد الآمرة في القانون الدولي، وتكرر أكثر من مرة.
بينما إختلف فقهاء القانون الدولي في مدى إلزامية قرارات مجلس الأمن، ولكن أجمعوا عندما يكون القرار منبثق بناء على قاعدة آمرة في القانون الدولي.
إن القاعدة الآمرة في القانون الدولي، تقوم على فكرة النظام العام الدولي في الأمم المتحدة، وعلى الآداب العامة الدولية، حيث عرفت إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات عام 1969 في المادة 53 بأنها القاعدة المقبولة والمعترف بها من الجماعة الدولية التي لا يجوز الإخلال بها ولا يمكن تغييرها إلا بقاعدة لاحقة من قواعد القانون الدولي العامة، وعادة ما تكون متعلقة بالمبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة.
ولابد لأي تسوية أن تخضع لمبدأ سمو ميثاق الأمم المتحدة، وقواعد تسوية النزاعات الدولية التي وضعت 14 إتفاقية أبرمت في لاهاي بين عامي 1899 و1907، على أن تكون هذه التسويات لا تؤدي إلى تهديد السلم والأمن الدوليين وتشمل: المفاوضات، التحقيق، الوساطة، التوفيق، التحكيم، القضاء، الإتفاقيات الإقليمية، واللجوء إلى الوكالات والتنظيمات الدولية.
وقد إشترط القانون الدولي مجموعة قراعد شكلية لإبرام إتفاقية أو معاهدة تتعلق بمبدأ العلنية (المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة) ، التوقيع (المادة 7 من إتفاقية فيينا 1969)، التصديق (المادة 14 من إتفاقية فيينا 1969)، الإيداع (المادة 16 من ذات الإتفاقية).
ومن القواعد والمبادئ التي تحدد إطار الإتفاقية هي حرية الشعوب في إختيار ممثليها، وقاعدة التكافؤ بين الأطراف، ومبدأ نسبية الأثر الملزم للمعاهدات، بينما تعتبر الإتفاقية باطلة إذا كانت تتعارض مع قاعدة آمرة في القانون الدولي (المادة 53 من إتفاقية فيينا 1969).
وتحدد الإتفاقيات مبدأ عدم التنازل عن أي مكون أساسي من العناصر الأساسية للدولة كالإقليم، إلا إذا تم تقديم ضمانات للطرف الآخر بناء على التراضي شرط أن يكون بإستفتاء شعبي، أو عن طريق التبادل، أو أن يكون التنازل لا يتعلق بأي قاعدة آمرة في القانون الدولي، وقد أكدت على ذلك إتفاقية جنيف الرابعة في المادة 8 "لا يجوز للأشخاص المحميين بأي حال، أن يتخلوا جزئيا أو كليا عن الحقوق الممنوحة لهم بمقتضى هذه الإتفاقية أو الإتفاقيات الخاصة...".
التكييف القانوني لإتفاقية أوسلو
تعتبر إتفاقية أوسلو من الأمور المحورية والأساسية التي طرأت على القضية الفلسطينية، التي حولت مسار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والتي كانت تختلف عن آليات تسوية النزاعات الدولية والإقليمية، إذ ولأول مرة بموجب هذه الإتفاقية، تم إعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل "كدولة" من جهة، وإعتراف "إسرائيل" بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.
لذلك، كان لابد من عرض الوضع القانوني لكل من "إسرائيل" ومنظمة التحرير الفلسطينية أثناء توقيع إتفاقية أوسلو في 13 أيلول 1993، فبالنسبة "لإسرائيل" تم قبول عضويتها بالأمم المتحدة بقرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة (273) بتاريخ 11/05/1949، وقد إقترن قبول "إسرائيل" في الأمم المتحدة بشرطين إضافيين عن باقي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وهما القبول بقرار التقسيم 181 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وما يتعلق به كقرار العودة 194، وأن توقع "إسرائيل" تعهدا بالأحكام المنشئة للإتحاد الإقتصادي الفلسطيني.
ومن هنا كان لابد من إبراز مصطلحين مهمين وهما شرعية "إسرائيل" كدولة التي تتعلق من حيث الشكل (إقليم، شعب، سيادة، والاعتراف) ومشروعية "إسرائيل" فيما يتعلق بموضوع الشرعية، وقد ثبت أن هناك شرعية من مبدأ قانوني لمنح "إسرائيل" صفة الدولة، ولكن لا توجد مشروعية لحيازة "إسرائيل" أرض فلسطين وممارسة السيادة عليها.
إذا، فقيام "إسرائيل" كدولة، هو مخالف لقواعد آمرة في القانون الدولي، وما يتعلق بها كبطلان قرار التقسيم، وتجاوز الجمعية العامة للأمم المتحدة من إختصاصها، ولكن بسبب وجود الشرعية القانونية، فلها الحق القانوني بعقد إتفاقيات ومعاهدات، تتعلق بالإقليم الممنوح لها بموجب قرار التقسيم 181، ولكن بسبب خرق "إسرائيل" إلى الآن شرطي قبولها في الأمم المتحدة المتعلقين بقرار 181 و194، فيمكن الطعن بشرعيتها، ولكن لم يحصل ذلك إلى الآن للأسف.
أما منظمة التحرير الفلسطينية، فتعتبر حركة تحرر وطني، ولا تتمتع بالشخصية القانونية الدولية في القانون الدولي التقليدي، لكن إتسع هذا المجال بعد إتخاذ الجمعية العامة للأمم المتحدة ثلاثة قرارات تعترف من خلالها بالتمثيل القانوني لحركات التحرر الوطني وهي (167 عام 1980، 104 عام 1982، 76 عام 1986)، وبناء على ما جاء في مؤتمر القمة العربية المنعقد في القاهرة بتاريخ 13-16/01/1964، تم الإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ودعتها الجمعية العامة للأمم المتحدة للمشاركة في مداولاتها التي تخص القضية الفلسطينية ومنحتها حق المشاركة كعضو مراقب تحت إشراف الأمم المتحدة بموجب قرار 3237 في 22/11/1974، إضافة إلى ذلك، تم إعلان دولة فلسطين في الدورة (19) الغير عادية للمجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر عام 1988، وإعترف بها ما يزيد عن 100 دولة.
لذا، تعد إتفاقية أوسلو إتفاقية دولية بين شخصين من أشخاص القانون الدولي وإن لم توقع بإسم دولة فلسطين، بإعتبار أن منظمة التحرير الفلسطينية هي حركة تحرر وطني، ولكن هل إتفاقية أوسلو هي إتفاقية هدنة، أم إتفاقية مقدمات سلام، أم إتفاقية سلام بموجب القانون الدولي؟
تعرف إتفاقية الهدنة بأنها إتفاق يعقد ما بين المتحاربين بغرض وقف القتال مؤقتا، ومن الممكن أن تتضمن نقاط سياسية لا فقط عسكرية، لذلك فيمكن القول أن من خصائص إتفاقية الهدنة الواردة في أوسلو، إيقاف الحرب بين الفلسطينيين والإسرائيليين (ديباجة إعلان المبادئ في 13 ايلول 1993، ديباجة إتفاقية طابا 28/09/1995 المادة 15/01)، والحفاظ على حقوق وإلتزامات المتحاربين (المادة 5/4 من إعلان المبادئ في 13/09/1993، المادة 31/6 من إتفاقية طابا 28/09/1995)، لكن لم تشترط أوسلو ضرورة التصديق لدى السلطات المختصة للطرفين لإدخال الإتفاقية حيز التنفيذ، وهناك إلتباسات في تاريخ التنفيذ، حيث نصت إتفاقية طابا عام 1995 على حيز التنفيذ يوم توقيع الإتفاقية (المادة 31/01)، ونصت إتفاقية إعلان المبادئ عام 1993 على حيز التنفيذ بعد شهر من تاريخ توقيع الإتفاقية (المادة 17/1)، ومذكرة التفاهم في 23/10/1998 نصت أن تصبح الإتفاقية حيز التنفيذ بعد 10 أيام من التوقيع، اما إتفاق شرم الشيخ في 04/09/1999 فنص على أنها تسري بعد أسبوع من التوقيع.
أما مقدمات السلام فهي إتفاقية سلام مبدئية، تتضمن الأسس والمبادئ الرئيسية التي إتفق عليها الأطراف لتتنازول إتفاقية أو معاهدة سلام تنص على التسوية النهائية، وهي تتمتع بطبيعة مؤقتة، حسب الظروف المحيطة بالإتفاقية، وترك التفاصيل للمفاوضات النهائية، ولا تبرم بنية التطبيق الفوري، وتعتبر مرحلة إنتقالية لا تدخل حيز التنفيذ الا من خلال ما تتضمنه معاهدة السلام النهائية، وإذا فشلت المفاوضات فإنها تفقد مشروعيتها وتعتبر بطبيعة الأمر الواقع لاغية، لذلك هناك غموض حول إعتبار إتفاقية أوسلو إتفاقية مقدمة سلام بسبب طابعها المؤقت أولا، وتمهيدا لمعاهدة سلام نهائية ثانيا.
بينما معاهدة السلام هي عبارة عن وثيقة يفرضها الطرف المنتصر على الطرف المهزوم في الحرب، وتفتقد الصفة التبادلية بين الأطراف، وهي تعقد بين الدول والجماعات المسلحة بشرط أن يعترف بها القانون الدولي بصفة المحارب، وتتميز بإنهاء حالة الحرب وإعادة السلام، وتغير جوهري في العلاقات بين الأطراف، وهذا ما تميزت به إتفاقية أوسلو نسبيا، فيما يتعلق بإنهاء حالة الحرب، والإنتقال إلى التسوية السلمية، بدءا من المفاوضات ثم التوفيق، بعد ذلك التحكيم، وقد جعلت سقف الحدود الفلسطينية في المفاوضات هي الأراضي الفلسطينية المحتلة في 4 حزيران 1967، على أن تكون مرجعية المفاوضات قرارات مجلس الأمن 242 و338.
بناء على ما تقدم، فإن إتفاقية أوسلو هي معاهدة دولية متعلقة بالسلام بوجه عام، فيها من خصائص إتفاقية الهدنة، وإتفاقية مقدمات السلام، وخصائص إتفاقية سلام أيضا، ما يجعل هذه الإتفاقية هي إتفاقية من نوع خاص من مقدمات السلام، وتعتبر لاغية وفقا لقواعد القانون الدولي إذا فشلت المفاوضات.