جاءت عملية اختطاف المستوطنين الثلاثة في سياق زمني بالغ الدقة. فقد كان الفعل من العيار الثقيل على الأحداث الساخنة التي تموج بها الساحة الفلسطينية، من اتفاق المصالحة وتحدياته، وإضراب الأسرى وتداعياته ليزيد من سخونة الحدث ويمنح إسرائيل دورها الطبيعي " "الشيف الرئيسي " كبير الطهاة، في طبخة سياسية جديدة ستوضع على مائدة الحدث خلال الأيام والشهور القادمة. وستضيف تعقيدات إضافية إلى تطبيق اتفاق المصالحة وتجعل منه رهينة تتمدد معه حالة الفراغ لحين وضوح الرؤية حول عملية الاختطاف. والافتراض المنطقي يقول بأن حادثة الاختطاف بالتأكيد لم تكن في وارد أطراف اتفاق المصالحة، لأنها دون شك كانت ستعيد الحسابات مرة أخرى، فإذن السؤال لماذا هذه العملية في هذا التوقيت بالذات؟ ربما يقول البعض بأن الوضع الامني واللوجستي غير متوفر للمقاومة الفلسطينية (على اعتبار أن المقاومة هي من نفذ هذه العملية)، وأن هذه العمليات تأتي في سياق الممكن وليس المفترض، وهنا يبرز تساؤل آخر أليس من المفترض أن تكون البندقية مسيسة أيضاً؟ وهل الممكن دائماً هو الأفضل؟ على العموم، أي كان الأمر فقد وقع الحدث والحديث يدور الأن عن النتائج المترتبة على هذا الواقع.
أولاً: سيكون لهذا الحدث أثر بالغ على العلاقات الفلسطينية الداخلية، تحدياً إذا ما ثبت كما تدعي إسرائيل والولايات المتحدة مسؤولية حركة حماس عن عملية الاختطاف. فقد صرح الرئيس الفلسطيني، محمود عباس أبو مازن، أمام مؤتمر وزراء خارجية الدول الاسلامية في جدة بأن "من قام بهذا العمل يريد أن يدمرنا ولذلك سيكون لنا معه حديث أخر وموقف أخر أي كان من قام بهذه العملية!." وكان رد حركة حماس سريعاً وميدانياً على لسان العديد من قادتها، سيما النائب، يحي موسى الذي اتهم أبو مازن قائلاً "عباس لم يعد يهمه الشعب ولا قضيته الفلسطينية، إنما يهمه أن يحمي رأسه فقط، وأنا استغرب ماذا تبقى لهذا الرجل في الحياة بعد أن بلغ ثمانين عامًا حتى لا يختم حياته بختام الخير بدلا من هذا الكلام المعيب الذي لا يصح ولا يستقيم." ودون الخوض في التصريحات التي عقبت خطاب أبو مازن من الواضح أن تعقيدات جديدة تحملها الأيام القادمة وتحمل معها عراقيل مفتعلة ستؤثر سلباً على العلاقة التي لم تنضج بعد بين أطراف تؤكد وقائع الميدان ارتجافهم من التقدم باتجاه المسار الصحيح،
ثانياً: من الواضح تماماً بأن إسرائيل المنزعجة من اتفاق المصالحة الفلسطينية وجدث ضالتها، أو (ربما أوجدتها)، للسير في عملية عسكرية متدحرجة ذات أبعاد سياسية وأمنية غاية في الخطورة، وتنطوي على أهداف تسعى إسرائيل لتحقيقيها باستلهام النموذج الغزي في الحصار وفرضه على مدن الضفة الغربية. فالإجراءات الإسرائيلية الفورية التي قامت بها من خلال محاصرة مدينة الخليل، أكبر محافظات الضفة الغربية، وميزانها الاقتصادي، بفرض حصار عسكري واقتصادي يؤكد أن إسرائيل البشعة ماضية في مسلسل العزل العنصري والحصار الاقتصادي لتدمير الكيانية الفلسطينية.
ثالثا: تلويح إسرائيل بإبعاد أسرى ونواب تشريعي وعلى رأسهم النائب عزيزي دويك، ربما يحمل في طياته مغزى ورسالة سياسية خطيرة، كونه رئيس المجلس التشريعي، وهو المنصب الذي يخوله حسب القانون الفلسطيني لتولي رئاسة السلطة الفلسطينية في حال حصل مكروه للرئيس أبو مازن.
لذلك علينا أن نُجهض هذه الاجراءات الإسرائيلية وأن نتصدى إلى لعبتها الهادفة إلى خلط الاوراق، قتل الروح المعنوية لأسرانا العظماء، وتفريغ الحاضنة الجماهيرية التي تتبنى أي نهج يمكن له أن يساعد في وضع حد لمعاناة آلاف المعتقلين. كما علينا إدراك خطورة المسعى الإسرائيلي بجر حركتي فتح وحماس إلى مربع الانفجار (لا سمح الله) لما له من ارتدادات كارثية.