الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

احذروا هجرة العقول

يبلغ عدد موظفي السلطة قرابة 165 ألف موظف تدفع السلطة لهم رواتب، ونصف ذلك العدد من الموظفين \"أي 80 ألف\" موظف يتواجدون في قطاع غزة، فيما يبلغ عدد موظفي حكومة غزة قرابة 40 ألف موظف, فيما يبلغ عدد العاطلين عن العمل من الخريجين حوالي 110 ألف خريج في غزة، ويتوقع أن تزيد تلك الاعتداد الأعوام القادمة أضعافاً مضاعفة, وهذا الرقم حسب بعض الاحصاءات تم اجراؤها.

عندما يُنهي الطالب مرحلة الثانوية العامة, يبدأ بالتفكير في التخصص الذي سوف يلتحق به في المرحلة الجامعية, ليتمكن من خلاله أن يكون مستقبله, وأن يقدم لوطنه خبرته بعلمه الذي اكتسبه, ومن خلال علمه يبدأ في تطوير ذاته من خلال العمل في المجال والتخصص الذي درسه وامضى سنوات تتراوح ما بين 4 – 7 سنوات, حتى تمكن من نيل الشهادة الجامعية التي من أجلها سهر الليالي وتحدى الصعاب, فطريق العلم ليس معبد بالورد. إن الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة بشكل خاص, تخرج سنوياً في المرحلة الجامعية الأولى والدراسات العليات عقول يُفتخر بها, بتنوع التخصص وكفاءة العلم, وجودة التعليم التي تتميز بها جامعات قطاع غزة. من جهة أخرى, يستقبل قطاع غزة سنوياً أيضاً مجموعة من الطلبة الذين تلقوا تعليمهم خارج الوطن, سواء للمرحلة الجامعية الأولى أو الدراسات العليا, وهؤلاء نسبة كبيرة منهم يتميزوا بالكفاء وتنوع الاختصاص.

إن قطاع غزة منذ سنوات عدة يشهد حالة سياسية واقتصادية واجتماعية متردية جداً, بسبب الاحتلال والانقسام الذي مازالت آثاره فاعلة حتى هذه اللحظة, ما انعكس بطبيعة الحال على واقع الحياة الإنسانية في غزة, ومستقبل شريحة كبيرة من المجتمع الغزّي, فمنذ اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000, بدأ الاحتلال يمارس سياسة الاغلاقات فتم حرمان العامل من العمل داخل الأراضي المحتلة, حتى يومنا هذا, وما أن بدأت الأمور تستقيم بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة, حتى تم اجراء الانتخابات التشريعية 2006 والتي اسفرت عن فوز حركة حماس وتوليها رئاسة الحكومة, فتعرض قطاع غزة لعقاب جماعي وحصار سياسي واقتصادي, وبدأت المناكفات والتجاذبات السياسية بين حركة وفتح وحركة حماس حول السيادة والصلاحيات وحب السلطة وحب التّملك, وكنتيجة لهذا الصراع وقع الانقسام الذي مازال مستمر على أرض الواقع حتى هذه اللحظة, وشبه منتهي على الأوراق.

خلال فترة الانقسام استمرت مسيرة العلم والتعلم دون انقطاع على الرغم كافة الصعوبات التي تواجه قطاع غزة ويتعرض لها, من مناكفات سياسية, وحصاري اقتصادي اسفر عن شلل كامل في كافة مناحي الحياة, وبالتالي انعكس على قطاع العمل الحكومي والغير حكومي, نظراً لتواجد حكومتين إحداهما شرعية والأخرى غير شرعية, ونظراً لممارسة سياسة التمييز في التوظيف في الضفة الغربية وقطاع غزة على الانتماء الحزبي, إلى جانب أن التوظيف في قطاع غزة كان خاضع لحكومة غير شرعية مما شكل هاجس وتخوف شريحة كبيرة من حملة الشهادات على مستقبلهم إذا ما تمت المصالحة, هذا التخوف أصبح حقيقة في الوقت الراهن, فلا معالم واضحة لمستقبل موظفي غزة.

شهدت تلك السنوات تخريج آلاف الطلبة من الجامعات الفلسطينية والعربية والغربية, وبدأت تلك الأفواج بالسعي للحصول على وظيفة تؤهلهم لأن يبدؤوا حياتهم التي تمكنهم من بناء مستقبلهم وتحقيق أحلامهم وأهدافهم, وتطوير ذاتهم, وذلك بتقديم طلبات التوظيف للجهات المعنية والتي كانت بدورها تقبل تلك الطلبات وتعقد الامتحانات والمقابلات, والتوظيف في النهاية يكون حسب الانتماء والواسطة والمحسوبية, من جهة أخرى واكمالاً لهذا الواقع حتى لا يحسب علينا أننا نوقع باللوم على أحد بعينه, فنتيجة للحصار المفروض على قطاع غزة, لم يكن هناك أفق واضح لأي مشروع يتم التفكير في تنفيذه لقلة الامكانات وقلة الموارد وعدم توفر رأس المال, كما أن مؤسسات المجتمع المدني يوجد بها استكفاء منذ ما قبل الانقسام, وانحصار مجالات العمل بها, ومن ثم تعرض بعض المؤسسات للإغلاق فترة الانقسام, مما زاد من تفاقم أزمة الخريجين وزيادة عدة العاطلين عن العمل.

في ظل هذا الواقع, بدأت شريحة ليست بالقليلة من حملة الشهادات العلمية وأمام انسداد الأفق وانعدام الرؤية لأي مستقبل قد يلوح في الأفق وفي ظل استمرار المناكفات السياسية والحصار وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في قطاع غزة, بدأت تلك الشريحة بالتطلع لواقع ومستقبل أفضل وهذا لن يكون إلا بالهجرة إلى خارج الوطن, وبدأت فكرة الهجرة تنتشر بشكل ملحوظ, ففكرة الهجرة ليست مقصورة على طبقة أو فئة معينة, فهي تضم شريحة الخريجين وشريحة ممن لم يتمكن من تحقيق أحلامه وتطوير ذاته في الوطن, ويسعى لواقع ومستقبل أفضل له ولأسرته, فشهدت الفترة السابقة حركة هجرة إما بطريقة شرعية أو غير شرعية كلٌ حسب مقدرته وإمكاناته, بحثاً عن الحياة والمستقبل والعمل والاستقرار وتطوير وإيجاد الذات, وهروباً من واقع مرعب ومستقبل مجهول, وهذه الهجرة ستشهد تزايد في الأيام والأشهر القادمة بعد الحرب الأخيرة على قطاع غزة, وعودة الجدال مجدداً بين فتح وحماس على كافة الملفات والقضايا وتعثر عمل حكومة الوحدة الوطنية, وعدم انجازها أي من تلك الملفات وعدم حل أي قضية, فعلى سبيل المثال لم تتمكن حكومة الوحدة الوطنية من حسم ملف الموظفين في قطاع غزة, وبالتالي عدم حل قضية الرواتب, فالقطاع الوظيفي في فلسطين حسب الأرقام المشار إليها سابقاً أصبح في حالة تشبع لسنوات عديدة, مما يعني أن نسبة العاطلين عن العمل من خريجي الجمعات في تزايد سنوياً.

إن زيادة نسبة هجرة العقول والشهادات والخبرات إلى الخارج, ينعكس بالسلب على المستقبل السياسي والاقتصادي والاجتماعي في فلسطين, بمعنى أن من سيتمكن من الحصول على جواز سفر من الدولة التي هاجر إليها سيمكث بها فترة طويلة, قد يحصل على الجنسية إذا ما أثبت كفاءته وقدرته في العمل, وإذا ما تزوج من فتاة هناك سيتمكن من الحصول على الجنسية وسيمنحها لأبنائه, وهذا سيؤثر على الجانب الديمغرافي في فلسطين ليس في الوقت الحالي بل في المستقبل, أما على الناحية الاقتصادية, فإن المردود الذي سيحصل عليه العقل المهاجر من فلسطين لن تستفيد منه البلد, فخبرته وقدراته ستكون للدولة التي هو بها, حتى على مستوى العائد المالي لن يستثمر في فلسطين لأن ذاك العقل سوف يستثمر ما يدخره من أموال ليرقى بنفسه وبأسرته ليؤمن مستقبله, وبالتالي الخسارة هنا مضاعفة بالنسبة لنا, خسارة العقل والخبرة وخسارة الاستثمار الذي نحن في أمس الحاجة لاستثمار العقل في الوقت الراهن, أما على الجانب الاجتماعي, إن الهجرة لا تُنسي الإنسان وطنه ولنا في تجربة النكبة أكبر دليل على ذلك, لكن انعكاس الهجرة على الواقع الاجتماعي خطره كامن في اكتساب عادات وتقاليد وثقافة تلك البلد, ثقافة جديدة مغايرة لثقافتنا, وعادات وتقاليد أيضاً مغايرة لمجتمعنا, بالإضافة إلى أن العقل المهاجر سوف يبدأ بالتفكير بنفس تفكير الدولة التي هو بها, والأهم من هذا هو أن التواصل الاجتماعي سوف يشوبه نوع من الفتور. من جهة أخرى, حيث أن من أهداف الاحتلال لأي دولة ما, ممارسة سياسة التطهير العرقي والإبادة الجماعية وسياسة التجهيل, وقد مارس ومازال يمارس الاحتلال سياسة الإبادة والتجهيل ضد الشعب الفلسطيني, ليس التجهيل مقصور على منع الشعب من تلقي تعليمه فقط, وإنما محاولة افراغ فلسطين من العقول التي ترى دولة الاحتلال أنها تُشكل خطر عليها, إما بالاغتيال الجسدي أو بالنفي الخارجي.

وثمة نقطة خطيرة جداً في أمر الهجرة وتحديداً غير الشرعية والتي أصبحت أكثر رواجاً هذه الأيام, من خلال دفع مبلغ مالي يتراوح ما بين 3500 – 5000 دولار للفرد الواحد, للمُهرب الذي سيوصل الشخص إلى السفينة التي ستنقله إلى الدولة المقصودة, وعندما يصل جميع المهاجرين الغير الشرعيين يتم احتجازهم في معسكرات تابعة للشرطة والجيش, ويتعرضون لأسوء معاملة, وبعد أن يتم اطلاق سراحهم بعد فترة ليست بالقصيرة يصبحون جميعهم في الشوارع, ودون رؤية واضحة ومصير مجهول, فيسعى الكل للحصول على أي عمل مهما كان من أجل تأمين مسكن يقيم فيه وتأمين مأكل ومشرب له, ولو أخذنا نظرة خاطفة على أغلب هؤلاء نجدهم ممن يحملون الشهادات الجامعية, ونجدهم يعملون في المقاهي والمطاعم وغيرها من الوظائف التي ليست في مجال اختصاصه وبأجر بخيس جداً, إن الخطورة هنا ليست في طبيعة العمل فالعمل مهما كان ليس بالشيء المعيب, ولكن الخطورة تكمن في أن ذاك العقل سيفقد بكل تأكيد ما اكتسبه من علم ومعرفة إذا ما استمر في ذات العمل غير الاختصاص, وهنا نكون قد خسرنا الفرد وعلمه.

إن الواقع الذي يتعرض له ويعيشه المواطن في فلسطين بشكل عام وتحديداً في قطاع غزة, من حصار اقتصادي وتعثر سياسي وانسداد الأفق, وعدم الشعور بالأمان والاستقرار, وعدم وجود جدية من قبل حكومة الوحدة الوطنية في وتنفيذ عملها ومهامها, وعودة الصراع والتجاذبات مجددا على الساحة السياسية بين الأطراف, دفع وسيدفع ثمنه شريحة كبيرة من المجتمع الفلسطيني, ودفع وسيدفع أيضا إلى هجرة العقول خارج الوطن ليحصل على ما لم يحصل عليه في وطنه, وهذا ما يجب أن لا يكون وعلى كل الجهات أن تعمل على مواجهة هذه الظاهرة الآخذة بالتفاقم, التي ستشكل خطراً حقيقياً في المستقبل على الواقع الفلسطيني, وهذا الأمر يقع على عاتق المسؤول الفلسطيني صاحب القرار, وعلى الحكومة الفلسطينية, وعلى الفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني, لاحتضان هذه العقول وغيرها من الشرائح الفلسطينية, وإبراز مخاطر هذه الهجرة وتداعياتها, وتوفير سبل بقاء هذه العقول في الوطن, وإلا فالهجرة المعرفية ستتفاقم خلال الفترة القادمة, والخاسر الأكبر والأوحد من هذه الهجرة المعرفية هو الوطن.

×
أخبار
إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط