تاريخ النشر: 2017-08-26 | 20:59
تاريخ النشر: 2017-08-26 | 20:59
من أعظم ماتعلمته من أهلنا الرباطاب بأن الفصاحة والفلاحة ليست مجرد كلمات وطنطنة يتعلمها الإنسان من بطون الكتب ومدرجات الدراسة في المدارس والجامعات ، كما كان يتوهم أمثالنا من الأفندية القادمين من الخرطوم إلى تلك الأرياف في منتصف تسعينيات القرن الماضي ، فقد كنت أخرج بفائدة لاتسعها بطون الكتب من أي حوار مع مزارع بسيط في أي قرية من قراهم المتناثرة على ضفتي النيل وفي جزره الممتدة في بطن نهر النيل الفسيحة هناك ، وماكنت أظن بطن النيل فسيح إلا عند ماعشت شهوري الأربعين في محافظة ابوحمد بين الرباطاب والمناصير .
من أعظم ما خلد في ذهني وقد إحتدت المقارنات بين شبيهين في أحد حواراتنا معهم ، حتى وقف أحدهم موجها حديثه للآخر في تحدي وثقة قائلا ( يا اخوى نحن العيش بنعرف شراه من بتابه ) والمعنى عنده بأنه يعرف الفروق الدقيقة في محصول الذرة بين (الشراية ) و ( البتاب بضم ال(ب )وال( هه ) وهذه مهارة لايعرفها الامتقن لمتعلقات الذرة خبير بزراعته وحصاده ونظافته .
ومن يومها صارت مقولة الرجل معيارا دقيقا لي أحاول أن أقايس به المتشابهات شديدة التماثل لما يقارب التطابق . ولعمري هذا من أعظم موازين دقائق الأمور التي بدونها قد يقع المرء في المحظور عند تقارب المتشابهات .
مناسبة هذه المقدمة هو ما ضجت به الأسافير وهي تتداول في (شراية وبتاب ) الوزير مبارك الفاضل التي أقامت الدنيا وفجعتها وهي ترى حفيد الإمام المهدي يحيى ذكرى ضرب أمريكا لمصنع الشفاء والتي أتهم بأنه من المحرضين عليها ، ولأن طبع السودانيين هو النسيان أو التناسي والغفران كما هي عقيدة معظم دارسي خصال طباع أهل هذا البلد ، غير أن الرجل أبي في الذكرى العشرين لتلك الفجيعة التي تصادف العشرين من شهر أغسطس من العام 1998، ليخرج بدعوة صريحة صادمة للتطبيع مع الصهيونية ، مع كيل وفير من الشتائم للقضية الفلسطينية من شاكلة أن الفلسطينين (يحفرون ) للسودانيين في الخليج ، وأن القضية الفلسطينية هي سبب تأخير العرب ، وأن حماس صنيعة إسرائيل وأن الجميع قد باع فلماذ ننتظر ، ونحو ذلك من العبارات التي تصنع (المانشيت في الصحافة ) ومبارك معروف بولعه بصناعة المانشيتات منذ ولوجه عالم السياسة وتقلبه فيها وزيرا ومعارضا .
وليس في ذلك عجب إلا لمن ظن أن الرجل بلغ من العمر ما يكفي للنضوج السياسي ، ولكن خيبة الأمل في السياسة والسياسيين ليست جديدة على شعبنا على كل حال.
يبدو بأن (إسرائيل) لها من القدرة بأن تحول مبارك السوداني إلى كنز استراتيجي كما كان الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ، الذي لم يجد رئيس الدولة العبرية في لحظة بر ووفاء وندم ماينعي به حليفهم عقب الإطاحة به عقب ثورة يناير المصرية إلا العبارة التي سارت بها الركبان ( لقد فقدت اسرائيل كنزا استرايجيا ) وهي عبارة تكفي عن كل شرح حول كيف يتحول رؤساء التطبيع إلى كنوز للصهيونية وليس لبلدانهم المسكينة ، ولكن العبرة التي فاتت على مبارك المصري تفلت أيضا عن مبارك السوداني الذي لم يعتبر وهو يرى الكنز الإستراتيجي قد أنهار يوم أن طلب العزة في غير رضا ربه وشعبه ، وكذلك الكنز الإستراتيجي لفرنسا صاحب المعجزة التونسية كما كانوا يروجون له زين العابدين بن علي ، ومن قبله الكنز الإستراتيجي لأمريكا والغرب شاه إيران، وكل الذين طفقوا يبحثون عن حلول لأزمات بلدانهم بإسترضاء الأعداء الإستراتيجيين الذين يحدثنا منطق السياسة والمصالح نفسه الذي يسوقه لنا مبارك ، بأنهم يبحثون عن عملاء لا أصدقاء ، وأن غاية مايمكن أن يناله مثل (مباركنا) حينما يستنفذون أغراضهم نعي رقيق مثل نعى ( مبارك جيراننا ) .
كان الأمل أن يبحث لنا السيد الوزير مبارك عن ما يعالج مشكلات الإستثمار في بلادنا الغنية وأن ينشغل بما يجذب المستثمرين ( غير الصهاينة ) وأن يستغل وجوده في قناة s24 الإقتصادية وفي برنامج حال البلد ، ليحدثنا عن أفكاره وسياساته الجديدة التي تحول موارد بلادنا المتنوعة إلى ما يوفر فرص العمل للسودانيين العائدين من الخليج بعد (حفر الفلسطينيين ) ، وأن يبشرنا بروح جديدة تضخ عملة أجنبية في شرايين جنيهنا ، او حتى يوظف علاقاته وخبراته في حلول سياسية لمشكلات السودان الداخلية والخارجية .
ولكن السيد مبارك مشغول بحل آخر لا أظن أن عاقلا يوافقه عليه ، لا بمنطق المصالح ولا المبادئ ، وهو الاقتداء بالتجربة المصرية التي روى لنا كيف إستفاد صديقه يوسف والي وزير زراعة مصر لعقود من التطبيع مع إسرائيل في تطوير زراعة الحمضيات ، وهنا أتسآل مع تجار سوق الفاكهة في السودان وكل العالم ؟ ومع كل أهل الأرض : ألم يسمع السيد مبارك بأن معظم دول العالم ( بما فيها الصديقة ) قد أوقفت إستيراد حمضيات مصر ومنتجاتها لأسباب معلومة ، ولكنها ليست بعيدة عن تفريق الصهاينة بين أعدائهم وكنوزهم الإستراتيجية.
يبدو بأن الأفضل بأن يذهب السيد مبارك لتلبية دعوة صديقه الوزير الصهيوني الذي احتفل بهذا الحليف الجديد ولم يسعه لا هو ولا صحافته الإبتهاج بهذا الفتح الإستراتيجي ، وأظن أن العرض الذي تقدم به الوزير الصهيوني مغري بما فيه الكفاية ، فهو لايدعوه فقط لزيارة إسرائيل للصلاة في المسجد الاقصى المبارك، وما أظن أن السيد مبارك مشغول كثير بمثل هذه الإهتمامات ، ولكنه يدعوه للتفاكر حول دور إقليمي ( للسلام ) ، ولا أظن العرض بعيد عن مؤتمر إسرائيل في إفريقيا الذي تخطط له الدولة العبرية قبل نهاية هذا العام .
أما مشكلات الإستثمار في السودان فليدعها لحلول عبقرية أخرى ليست كحلول تطوير الحمضيات في مصر التي رأت كل الدنيا عاقبتها باستثناء مبارك السودان .
أعود لمقولة أهلنا الرباطاب الذين يفرقون بين متشابهات الإمور ، ومناسبتها هنا بأنه وبمجرد ظهور تصريحات السبد مبارك المهدي الصادمة حتى فاضت مواقع التواصل الإجتماعي بتغريدات منسوبة لفلسطينيين في شكل حملات تتهم السودانيين بألفاظ عنصرية من شاكلة (يا عبد ) وغيرها ، والفلسطينيون كما كل خلق الله فيهم العنصري كما في شعبنا وكل الشعوب ، ومثل هذه الأقوال مرفوضة ومنبوذة ومبغوضة ايا كان مصدرها ، وفي كل الأحوال مثل هذه الأقوال مهما قست او لانت لاتصح منطلقا لتحديد موقف من قضية كبرى كفلسطين بكل مشمولاتها الفكرية والعقدية والسياسية .
لكن الراجح عندي بأن الحملة في الصحافة والمواقع الإلكترونية غير بعيدة عن جهود المخابرات الصهيونية و أصدقائها أصحاب المصلحة في تعكير علاقات الشعوب وإستخدام ورقة سلاح العنصرية المجرب المعروف .
ولكن العجب هنا أن ينطلي على البعض التفريق بين الحملات المنظمة وبين مواقف الأفراد ، والعتاب هنا تحديدا لمن مضوا يسترجعون تلك المقولات العنصرية ويسوقونها كمبرر لتأييد دعوة السيد مبارك ، وتناسوا تماما بان الذين يدعوننا مبارك لودهم بنيت فكرة دولتهم كلها على العنصرية، إذ أن الأساس في فكرة الصهيونية هي العنصرية ، والغريب حتى جيراننا يهود الفلاشا حينما هاجروا إليهم عاملوهم بذات العنصرية رغم وحدة الدين ، حتى عاد بعضهم وشقي بالعنصرية من بقي منهم ، وقد سالت بذلك أقلام وكتب وأفلام مشهورة .
وعجب آخر أن الذين روجوا لمقولات دعاية المخابرات الصهيونية صاحبة المصلحة في تغذية بذور الكراهية ، هم من أصحاب الخبرة في مواجهة الحملات الإلكترونية الموجهة ضد سلوك ومواقف المعارضة السودانية ، وهم أول من أطلق على مؤيدي الحكومة السودانية في الانترنيت لفظ ( الدجاج الإلكتروني ) تهكما على ما ظنوا أن اسمه عند مؤيدي الحكومة ( الجهاد الإلكتروني ) ، ولكن بعضهم تناسى كل خلافاتهم وشتائمهم سنوات طويلة للسيد مبارك الفاضل بمجرد أن إقترب من اسرائيل المنقذة .
نهمس في أذن هؤلاء بأن حلول مشكلات السودان ليس عند أحد خارجه ، ولا صدقات في السياسة والإستراتيجيات الدولية ، وإذا كنتم تسوقون البديل للنظام في السودان أو عبره هو هذا التطبيع البئيس فأنتم بذلك تفقدون شعب السودان مجرد الأمل في البديل ، إن كان ما تعرضونه هو البديل ، إنه شعب يعرف الفرق بين (الشراية ) و(البتاب ) وبلغة العرب بين البرق الممطر والخلب الكذوب .
ولكن الجديد في هذه الحملات المنظمة عبر المواقع الإلكترونية ان الموساد أصبح في هواتف جيوبنا وقد صار له أهل مودة في الخرطوم غير بعيد عن مركزها في شارع الجمهورية بل ومن داخل مجلس الوزراء الحصين ، وباسم حزب الأمة ، وعلى بعد أمتار من المنصة التي هتف فيها وزير حزب الأمة محمد أحمد المحجوب في مؤتمر القمة العربية 1967 ومعه كل الأمة: ( لا صلح .لا اعتراف. لاتفاوض مع اسرائيل ) .