مقالين لاثنين من مفكري حماس وقيادييها الابرز احمد يوسف و غازي حمد (مع حفظ الالقاب)، حملا الكثير من المعاني الناضجة لعقل مرن قادر ان يقرأ ما يجول حوله من متغيرات ، بل وأكثر من ذلك حين تتسم كتابتهما بالروح النقدية العميقة للوضع الفلسطيني عموما ووضع حركة حماس تحديدا، وحين يقوما بنشر هذا النقد على الملأ.
وما يدفع للكتابة عن ذلك ، تفاعلات مجموعة من مشاعر التفاؤل بامكانية الارتقاء بالاداء والخطاب الفلسطيني الى منصات جديدة تأخذه نحو افاق سياسية وثقافية تمهد المدخل الذي يليق بحمل مسؤولية الامانة بثقلها.
وللحق قل ما نجد جدلا سياسيا وخلافا معلنا وقراءات ومراجعات نقدية ذاتية في الفصائل الفلسطينية باستثناء حركة فتح في بعض احوالها ، وها هي حركة حماس تخوض ميدان النقاش العلني، بينما تصمم فصائل ما يسمى باليسار على الاستمرار في ممارسة النقد الداخلي (بمنطق العادة السيئة) .
ولعله ان يحدث الامر متأخرا افضل من ان لا يحدث ابد، ففي ظل مجتمع المعلومات، لم يعد ممكنااختباء بعض القيادات او الفصائل وراء هيلمان انظمتها البالية ، والتي تتيح لهم ممارسة الكبائر وتبريرها بالسرية او السياسات العليا وغير ذلك من دواع.
فبمجرد ان يرفع تنظيم او قائد شعاره ويزعم انه يعمل من اجل فلسطين مستخدما الاضحية الفلسطينية ، فان من حق الشعب الفلسطيني ان يسمع منه رأيا في اخفاقاته، اذا كان ملزما ان يغني لانتصارات لم يقطف من ثمار نتائجها سوى الزقوم.
وما أدركه السيد غازي حمد قبل كتابة مقاله بزمن طويل لم يكن ممكنا له ان يكتبه وينشره لولا حجم المشاركة والثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ، حيث كان النصر نصره والصمود صموده ، وما كتبه حمد كان التصاقا بفكر هذا الشعب وما وصل له من فراغ حوله يدعى الحركة الوطنية والاسلامية ، التي لم تجيد حصادا لتضحيات شعبها.
وفي سياق اخر تجيء دعوات السيد احمد يوسف ، وهي ليست المرة الاؤلى بهذا الاتجاه الا انها الاكثر عمقا وتدبرا وتمثيلا لما يدور في ذهن جماهير شعبنا في فلسطين وشتاتهم، لتؤكد بأ المحسوبين على فصائل بعينها يمكنهم ان يبدعوا في تقديم افكار تحرك المجتمع والسياسة نحو الافضل.
فالدعوات التي تضمنتها رسالة السيد يوسف والموجهة لمكونات الحياة السياسية الفلسطينية، تستحق ان يتم اعتبارها مبادرة شعبية لتعميق ثقافة رؤية المستقبل بعيون جديدة ، التي يستحقها شعبنا ، بعدما ثبت عمى البصيرة للعيون القديمة .
ان ما كتبه القياديين من حماس يستدعي فورة كتابة وجدل من النخب الفكرية في تنظيماتهم والنخب المستقلة في مؤسسات المجتمع المحلي لتتحول هذه الافكار الاساسية لحراك فكري نقدي شامل، لا بد ان يقود في مخرجه الى وضع قواعد عمل وعقد اجتماعي وسياسي جديد .
وفي اعتقادي انه اذا ما عجزت منظمة التحرير عن حمل المهمات المترتبة على هذا النقاش المفترض ، فان ممكنات اطلاق حركة اجتماعية شاملة تلفظ العقود الفصائلية التي تتحكم بالخارطة الفلسطينية ليحل محلها عقد جديد يتسم بروح العصر في كفاحه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومستندا الى القوى الحية في المجتمع، افرادا ومؤسسات شعبية .