تاريخ النشر: 2018-03-02 | 14:30
تاريخ النشر: 2018-03-02 | 14:30
في فلسطين وصفقة القرن.. في سورية وحروب الارهاب.. وفي العراق وحروب الفتنة والطائفية.. وفي ليبيا والصومال والسودان حروب التجزئة.. وفي كل مكان من وطننا العربي حرب من نوع خاص بالمكان لكنها حروب في اخر جولاتها.
في محاولة لتدبر حركة قوانين الانهيار وسنن الظهور والانتشار في أتون المعارك الدائرة في بلاد العرب والمسلمين تقفز الى عقولنا حقيقة ان هذه المعارك هي الفصل الاخير من الصدام الحضاري بيننا والغرب بتلك الصيغة التي فرضها الغرب الاستعماري علينا في المراحل السابقة.. وان هناك نمطا مختلفا تمام الاختلاف سيكون عليه الصدام بيننا والغرب في العقود القادمة.
لقد القى الغرب الاستعماري بثقله في معركة ارادها ان تنهي احتمالات نهوضنا الحضاري وبحث بدقة وعلمية عن كل عناصر قوتنا المادية والمعنوية وعمد لتحطيمها او تشويهها او اهدارها وتمكن في كثير من الاحيان من تحقيق اهدافه الجزئية لكثير من الوقت الا انه باستمرار كان يعاني من أزمة خطيرة تلك المتمثلة في القيم الروحية التي تكتنزها الامة والمرتبطة مع مقدساتها وتاريخها والمشكلة جملة دوافع حيوية للضمير الجمعي والوجدان الجمعي.. ومن هنا كان المؤسسات الاعلامية والثقافية الاستعمارية مرتبطة ارتباطا عضويا بالأجهزة الامنية والتوجهات الاستراتيجية للمشروع الاستعماري الغربي.. فلقد تحولت الاخبار وصياغتها والافلام وصناعتها وحتى كثير من انماط الصناعة الاستهلاكية الموجهة الينا الى ادوات في الحرب علينا لتكسير مسلماتنا الثقافية وكان الامر لديهم واضحا وبلا مواربة فها هم في كل مكان يحتلون يعمدون الى حرق مكتباتنا وسرقة اثارنا او تحطيمها وقد شغلوا في هذه المهمة مرتزقة لهم يقومون بجريمتهم تحت أغطية من شعارات دينية مشوهة.
لقد كانت صواريخ الغرب وقنابله هو الادوات الاكثر وضوحا ولكن ليست الاكثر فعالية في تشكيل الواقع الحالي التي تعيشه الامة حيث كان للاختراق الثقافي والسياسي والامني الدور الاكثر فاعلية فيما نحن عليه ولقد بذلت الآلة الغربية وسعها في مهمتها الشيطانية تلك.
ولكن الذي لابد من تدبره في نهايات هجمات الغرب إستعماري المتوالية وعلى اكثر من صعيد ان الامة استوعبت الصدمات وامتصتها وقذفت شرها جانبا وتحصنت بمضادات حيوية ازدادت مناعتها بفعل الضربات المتوالية.. ولعلنا هنا نقول بوضوح ان الامة لم تتبخر ولن تنزوي من مسرح الحياة وهي التي لم تنته بفعل تلك الموجات العدوانية المتنوعة عبر قرنين من الزمان وخرجت من كل المعارك منتصرة وكان اعظم انتصار لها في الجزائر والعراق حيث كسرت سطوة الامبراطورية الفرنسية والامبراطورية الامريكية ومن ورائهما الحلف الاطلسي..
يجب ملاحظة ذلك بدقة وتدبره بتمعن والثبات على الوعي به فيما نحن نراقب التطورات الحاصلة على ميزان القوى العالمي وطموحات كل دولة قطبية كروسيا والصين والهند وتطور الروابط الاقتصادية في العالم كما هو حاصل في منظمات اقتصادية وازنة.. كما يجب ملاحظة اي حال وصلت اليه اوربا القارة العجوز التي فقدت خلال نهضتها العلمية قيمها الروحية وها هي سطوتها الاقتصادية والصناعية تضمحل وتصبح كثير من دولها في مصاف الدول المرهقة بشيخوختها ومهددة في كل عناصر وجودها الانساني.. اما الدولة الاعظم في العالم الولايات المتحدة الامريكية فبرغم انها لاتزال تمتلك قوة نيران مذهلة والات قتل وبطش جنونية واقتصاد يزينه الاعلام وافلام الهوليود على انه الاضخم ورغم كل ما وصلت اليه علوم المعلومات وما تدره من اموال طائلة على شركات متطورة في كيفية كسب الاموال.. رغم ذلك كله فان المجتمع الامريكي يكتنز خرابه ولم تسطع الامبريالية الامريكية الجبارة خارجيا ان تحل مشكلة الجريمة والعنصرية والتامين الصحي داخليا.. وها هي تدفع من جيوب مواطنيها الاف مليارات الدولارات في معارك يغلب عليها الاستعراض و كان بالإمكان تجنبها والحصول على فوائد اوسع واهم..
ان مراجعة علمية تحليلية للاستراتيجية الامريكية حول العالم في ظل تنامي الاقطاب الدولية الصين وروسيا وكوريا الشمالية وتنامي قوى اقليمية في العالم الاسلامي كباكستان وتركيا وايران وخسارات المشروع الامريكي في العراق وسورية وسواهما كل ذلك يعني بوضوح اننا نقفل مرحلة من الصراع لها سماتها وعناصرها وطبيعة المواجهات فيها لنفتتح مرحلة جديدة تماما رغم كل ما تحاوله القوى الاستعمارية الغربية من تشبث بالمرحلة السابقة من خلال مشاريعهم الاستعمارية المتجددة كمشروع الشرق الاوسط الجديد او مشروع الفوضى الخلاقة او محاولة اغلاق ملف فلسطين والقدس في هجمة اعلامية كاسحة يراد منها رفع معنويات المشروع الاستعماري الصهيوني المتردية.
في ملاحظة الخطوط الاستراتيجية للمشروع الاستعماري الغربي نلاحظ تراجعت عميقة حصلت عليه وانه سوف يستسلم للضغوط المتزايدة من نهوض القوى الدولية الاخرى.. كما انه لابد من ملاحظة ما يجري في الكيان الصهيوني من تضعضع الروح المعنوية في مواجهة تهديدات قد تكون خطيرة بنسبة ما تأتيهم من الشمال او تهديدات امنية قائمة تنفجر في وجوههم من قبل اهل فلسطين في الضفة وغزة والعمق الفلسطيني.. ان ملاحظة ما عليه سكان التجمع الصهيوني من ارق وقلق وجودي حيث تعود من جديد الاسئلة نفسها ويتم البحث بجدية عن حلفاء حقيقيين في المنطقة وفي العالم بعد ان اكتشفوا ان الادارة الامريكية من غير المضمون استمرار قوتها وهيمنتها على القرار في المنطقة.. وهكذا يبدي قادة التجمع الصهيوني حرصا بالغا على ايجاد تحالفات مع بعض الدول العربية كما لا يترددون في نقل الاهتمام بالعلاقة مع روسيا الخصم الاستراتيجي للأمريكان.
على صعيد جبهاتنا فرغم ان الفوضى لاتزال سمة واضحة في ادائنا و رغم ان اللامبالاة اصبحت سلوكنا في مواجهة الاخطار الا ان المواجهات اثبت ان لنا قدرات خيالية لمقارعة الظلم ولنا فنون قادرة على انزال الهزيمة به وبترساناته المسلحة.. وان تراكم هذه الانتصارات يولد لدينا مزيدا من الاعتزاز ويمنحنا مناخا صحيا لتولد افكار النهضة والتقدم.
بالتأكيد نحن الان بصدد افكار نهضوية متحررة من الخرافة والتعصبات الجاهلية الطائفية البغيضة والعرقية العنصرية.. نحن بصدد افكار حضارية في حجم امتنا ورسالتها تجد فرصتها الان في مناخات الانتصارات الكبيرة على المشروع الاستعماري الامريكي الذي اراد لنا المصير نفسه الذي مر به الهنود الحمر.. نحن بصدد الارتقاء الى أداءات في مستوى طموح امتنا بعد ان اكتشف الجميع ان الغرب الرأسمالي لا يعرف المحايدة ولا الانسانية انما هو فقط الربح ثم الربح الذي يدفعه الى تحطيم الشعوب وثقافاتهم.
ان لمن الواضح تماما ان هم الناس والمثقفين الرساليين والمفكرين الحضاريين في امتنا يسير في واد مختلف عن ذلك الذي يسير فيه اهتمام النظام السياسي العربي.. ولكن من يعتقد ان 350 مليون نسمة في المنطقة العربية يمكن تسييرهم بالتوجيه التلقائي عن بعد فانه في حقيقة الامر يكون خارج الوعي بتطورات عميقة حصلت على وعي الاجيال وادراكها..
شباب الامة واجيالها الناشئة ستعيش حتما مراحل صعودنا الحضاري وانتصاراتنا الكبيرة و هي ستعرف بدقة كيف واين تضع خطواتها فالفرصة التاريخية تلوح في الافق وليس على هذه الاجيال الا النهوض بالواجب.. تولانا الله برحمته.