تاريخ النشر: 2015-12-03 | 14:37
تاريخ النشر: 2015-12-03 | 14:37
أمد/ رام الله - كتب سلامة عطا الله : وزير الخارجية الأمريكي، تحدث عن اتفاق كامل مع أنقرة، لإحكام السيطرة على نحو تسعين كيلو متر من الحدود التركية السورية، وذلك بمشاركة قوة دولية وتركية وبمساعدة مجموعات سورية معارِضة، في سياق إنشاء ما يشبه منطقة عازلة بين البلدين، وهذا بالتأكيد يزعج الروس.
ما كان لهذا الاتفاق أن يتم على هذا النحو، لولا استغلال الإدارة الأمريكية لنفسية النظام التركي في هذه المرحلة، بعد إسقاط طائرة، سقطت معها السياسية التركية، فلا هي قادرة بمفردها على مجابهة روسيا، وفي ذات الوقت لا تأمن مكرا غربيا، ويزداد التعقيد، بعد أن أصبحت مجموعات تمولها تركيا، في قتال شرس مع مجموعات كردية تمولها واشنطن، وبين نارين، تتجه انقرة لخيار الالتصاق بالغرب، فاستثماراتها في الصراع السوري، تبخرت مع نيران القصف الجوي الروسي، ونفسية "السلطان" في أسوأ حالاتها.
طلاب العلوم السياسية، وحين دراستهم لمساق "تحليل السياسة الخارجية الأمريكية"، يقفون أمام نماذج كثيرة، تشير الى الاهتمام الامريكي البالغ، بالأفراد الحاكمين، (يدرسون تاريخهم، ومغامراتهم، وأمزجتهم، وكل تفاصيل حياتهم)، إما للقدرة على التنبؤ بقرارتهم المستقبلية، أو لدفعهم نحو تصرفات معينة وفق ظروف نفسية مدروسة، ورغم اعتمادهم على المؤسسات، إلا أن الأمريكيين، لا يلغون التركيز على السمات الفردية، ولذا باتوا لا يدعمون في الدول العربية وغيرها، أي شخصية تتميز بقوة ملهمة، ويفضلون الأنواع المهزوزة، فالزعامة يمكن أن تنقذ بلادا من الانهيار في الأوقات الحرجة.
"أوردغان" لم يكمل فرحته بالفوز الانتخابي، حتى وجد نفسه أمام "مؤامرة" واستدراج لبلاده، لكن تاريخ الرجل ينبئ باعتداد كبير في النفس، ولذا فمن المرجح أن يساير التخطيط الأمريكي، وفي قرارة نفسه، أنه يستطيع في لحظة ما، أن يفلت وأن يقرر وأن يضرب على الطاولة، بيد أن هذه الثقة، لن تنقذ من ستغوص أقدامه في وحل المعارك.
تركيا تتصرف وكأنها تتحكم في جزء كبير من المعارضات السورية، لكن الواقع يؤكد، بأن جزءا كبيرا من هذه المعارضات، تغير ولاءاتها، ليس دوما بمحض إرادتها، ولكن لطبيعة بنيتها، القائمة على التناقض والاختراق وشراء الذمم والرعي في أوكار المخابرات، وهنا تكمن خطورة ما كشف عنه "كيري"، فتركيا وإن ظنت أنها تحسن اللعب مع الكبار، لكنها لن تفلت من مكر الصغار، وستجد نفسها منخرطة في مواجهة المشروع الروسي، ومن خلفها غرب يريد لها أن تكون مقاولا حربيا لإيذاء الدب الروسي، وأمامها مجموعات مسلحة، يمكن أن تنقلب على الوسيط الإقليمي في أي لحظة، إن قرر "المعلم الكبير".
بعض العرب سيفرح لورطة تركيا، بيد أن هؤلاء الشامتين، سيدفعون ثمنا باهظا، فهم لم يتعلموا بعد، أن للعداء قواعد وحدود وأصول، وأن خلافهم مع "أوردغان"، لا يجب أن يؤثر على ضرورة الاقتناع، بأن استقرار تركيا جزء من استقرار الدول العربية، وأن الفوضى في تركيا، ستنعكس سلبا على جيرانها.
هنا يمكن أن يلعب الاوروبيون دورا مهما - إن استطاعوا-، فالساسة الاوروبيون، ومع كرههم الشديد "لبوتين"، إلا أن معظمهم، رفض الانجرار الكامل خلف السياسة الامريكية صوب روسيا، فاتجه الأوروبيون لفرض عقوبات على موسكو من باب التأديب والضغط والمساومة، لكنهم انطلقوا من ثابت واضح، بأن ثمن بقاء بوتين، أقل بكثير من ثمن الفوضى في روسيا، وأن أي انهيار داخل هذا البلد الكبير، سيفضي الى كوارث في الداخل الاوروبي، وهذا الفهم الأوروبي للاستقرار والفضاء الأمني، يمكن أن يدفع بالأوروبيين لإنقاذ جارهم التركي، كي لا تتكرر التجربة الليبية.
تصريحات وزير الخارجية الأمريكي، سبقها اقتراح من طرف ممثل الولايات المتحدة في حلف الناتو، بأن يجري الاعداد لحرب برية في سوريا، ولكن دون مشاركة قوات غربية، وهذا ما ترجمه الحلف، بقرار تحسين قدرات القوات العراقية والاردنية، وبعيدا عن تحليل أهداف القرار الأطلسي، إلا أن المنطقة، تُدفع نحو حروب بالوكالة، تتجاوز في خطورتها ودمويتها، ما حدث ويحدث.