تاريخ النشر: 2018-08-19 | 16:25
تاريخ النشر: 2018-08-19 | 16:25
لاشيء يمكن عزله عن سياقه زمانا ومكانا وهكذا يكون المدخل الصحيح لفهم ما حصل في السلط قبل عدة ايام حيث كان العمل المسلح نوعي في التخطيط والأداء والأهداف وهو بطريقة ما يحمل رسائل عدة لابد من تدبرها.
في مرحلة يتم فيها الترويج لمشاريع إقليمية أمنية وسياسية وفي مرحلة يتم فيها انتقال المجموعات المسلحة الى طبيعة تحرك مختلفة عن ذي قبل لابد ان نسرع الى القول ان المجموعات المسلحة لم تعلن بعد هزيمتها ولن تعلنها في وقت منظور لسبب بسيط جدا وهو ان المشغلين الكبار لازالت في جعبتهم أهداف إستراتيجية في المنطقة.
فالأردن وهو يمتد على اكبر حدود مع فلسطين وتربطه علاقة التاريخ والدم والمصير الواحد بفلسطين لا يمكن ان يترك مستقرا مزدهرا فيما يصار الى ترسيم أوضاع جديدة على خريطة الجسد الفلسطيني.. ومن الواضح ان الترتيبات تتم في كل المنطقة ولا هدف منها جميعا الا التمكين للكيان الصهيوني وتوفير كل شروط السلامة له للقيام بوظيفته في اكثر الظروف ملاءمة على اعتبار انه اليد الطولى للمستعمرين في بلادنا وعلى اعتبار انه القاعدة الإستراتيجية لهم في بلداننا..وهنا ليس مجديا الإشارة الى طبيعة الهجمة التي تستهدفنا وأهدافها فهي معلومة من التاريخ والواقع بالضرورة.
الأردن بتجانسه وسيره في معترك التعارك الجيوسياسي يظهر لياقة عالية في مواجهة تحديات عاصفة.. ولقد استطاع الأردن مواجهة زلزال العراق الرهيب الذي كادت نتائجه على كل المستويات تهزه من الأعماق فليس فقط موقف الأشقاء العرب الذين كادوا يتورطوا في عداوة لا مبرر لها وإنما أيضا الفرصة التاريخية التي لوحت بها قيادات الكيان الصهيوني أكثر من مرة بأنه من الضروري نقل الحدود الى جوار العراق وانه لابد من جعل الجغرافيا مساعد وليس حائل دون..
تأتي العملية الإرهابية في السلط لتقول بوضوح ان المجموعات المسلحة غيرت في تكتيكها وأدائها وخطتها، ولتقول أيضا ان الأردن في عين الاستهداف بالنسبة للمشغلين الذين لا يستقر حالهم دونما اجراء تعديلات وتفسيخات مطلوبة لإنشاء مناخ الضمان الأمني والاستراتيجي للكيان الصهيوني..
ثم ان هناك خصوصية يتحلى بها الأردن تلك المتعلقة بطبيعته السكانية حيث يشكل التداخل السكاني فيه بين فلسطينيين وأردنيين حالة متقدمة في العروبة والمثال على إمكانية تفعيل الأخوة العربية فوق كل اعتبار قطري الام الذي جعل من الأردنيين جميعا فلسطيني القضية والعقيدة وجعل من الفلسطينيين أردنيين الوفاء والأداء.. وصحيح ان الأردن استقبل كل المهجرين العرب عراقيين وسوريين ولبنانيين لكنه خص الفلسطينيين بحنو وأدناهم من قلبه وأنزلهم سهله الخصيب وهذا بلاشك قوة حقيقية لمستقبل الأردن والفلسطينيين على حد سواء.. كما انه سيكون عنصر توازن في المنطقة وصمام امان لبلاد الشام والعراق.
صحيح ان الاردن قليل الموارد والجغرافيا حوله تميل بها السياسة ذات اليمين وذات الشمال وصحيح انه يجد نفسه دوما مطالب بالموقف والتصرف ااء قضايا لمنطقة التي تنعكس عليه فورا وعليه ان يقدم اثمانا باهظة للخروج من مزالقها..ولكن عبقرية مكانه تجعله يتمتع بدور كبير قد لا يتسنى لدول عربية وازنة وهو يكون قد اخذ دوره من عدة جوانب اهمها بلاشك تداخله في الموضوع الفلسطيني في عناصره المتعددة بحيث اصبح مصيره مرتبط ارتباطا وثيقا بمصير فلسطين.
العمل الإرهابي الذي حصل في السلط ومع كل الأرقام المفزعة في نتائجه الدامية ليس هو الاول ونتمنى ان يكون الاخير لكن لابد من الالتفات الى أي ظرف جاء فيه مع دراسة التطورات الحاصلة على الصراع مع المجموعات المسلحة ومع التأكيد بقوة على ان المشغلين يكونوا قد غيروا التكتيك لكنهم لن يتخلوا عن هؤلاء المرتزقة القتلة كما لم يتخلوا سابقا عن القاعدة الا بإنشاء منظمة جديدة لمهمة جديدة وقد يتخلوا عن نمط الموجود لصالح تشكيلات بصيغة مختلفة لوظائف مختلفة في اطار تفتيت المنطقة وتشتيها.
اجل ان الأردن في عين الاستهداف الصهيوني والاستعماري فالمسألة هنا لا تحكمها اتفاقيات ولا معاهدات انما يحكمها الهاجس التاريخي والقلق الوجودي الذي يسكن نخاع عظم الكيان الصهيوني.. وهنا يصبح الانتباه والإجراءات الاحترازية عملا ضروريا ليس فقط على الصعيد الامني بل ايضا على الصعيد الثقافي والاجتماعي.