الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

أزمة الاتحاد الأوروبي ونعي رهان العولمة الثقافية

أزمة الاتحاد الأوروبي ونعي رهان العولمة الثقافية

تاريخ النشر: 2016-07-15 | 10:07

أصاب المعلقون السياسيون الذين وصفوا نتائج استفتاء البريطانيين يوم الرابع والعشرين من يونيو المنصرم والتي جاءت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي بأنه زلال ، وهو كذلك ليس فقط من حيث تأثيره على المملكة المتحدة وشعوبها وعلى الاتحاد الأوروبي ومستقبله ، بل أيضا من حيث تأثيره الجيوستراتيجي على ما كان يعتبر مسلمات في سياق تطور المجتمعات والنظام الدولي ، مثل توجه الدول نحو التكتلات الإقليمية و الدولية الكبرى ، ونحو مزيد من الاندماج ، والعولمة بما هي كسر للحواجز والحدود ، وتجاوز النزعات الدولانية التي تتمسك بمفهوم الدولة ذات السيادة المطلقة ، أيضا من حيث الزعم بأن الشعوبية وكل اشكال التطرف أمور تخص المجتمعات العربية والإسلامية فقط الخ .

تصويت البريطانيين لصال الخروج من الاتحاد الأوروبي يمكن قراءته من عدة جوانب ، والرسالة المهمة والإيجابية الأولى في الموضوع أن الشعوب في الغرب تملك قرارها وهي التي تحدد مصيرها وهويتها وعلى الساسة الخضوع لإرادة الشعب ، فعندما اختار الشعب البريطاني سياسة تتعارض مع سياسة رئيس الحكومة ديفيد كاميرون قرر هذا الأخير التنحي عن السلطة ، دون أن نسمع منه أو من حزبه أي تشكيك بالانتخابات أو الحديث عن تآمر خارجي الخ . مهما كانت نتائج هذا التصويت فالشعب هو الذي سيتحمل مسؤولية خياراته ، هذا درس علينا كعرب الاستفادة منه .

ومن جهة أخرى فإن هذا التصويت له أبعاد تتجاوز مجرد الخروج من الاتحاد الاوروبي ، فما جرى سيشجع بعض الشعوب التابعة لـ " المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وشمال أيرلندا" ، أو كما تختصر بريطانيا ، للانفصال عن المملكة ، وخصوصا اسكتلندا ، وقد يدفع بعض مكونات الاتحاد الأوروبي ليعيدوا النظر في بقائهم في الاتحاد الاوروبي ، وقد ارتفعت الأصوات بالفعل في فرنسا وهولندا تطالب بإعادة النظر في عضوية بلادهم في الاتحاد الأوروبي ، أو يتم إعادة النظر في طبيعة العلاقات التي تجمع دول الاتحاد لتصبح هذه العلاقات أكثر مرونة ، بالإضافة إلى تأثيره على الاقتصاد البريطاني والاقتصاد العالمي .

على مستوى أبعد ، فما جرى ينسجم مع ظاهرة تتفاقم في العالم وهي انتشار الشعوبية بكل اتجاهاتها العنصرية و القومية الشوفينية ، والعودة للانغلاق والتمركز على الذات ، وتعميم ظاهرة الأصولية لتشمل كل الديانات والأيديولوجيات والثقافات .

بالتأكيد هناك أسباب متعددة وراء توجه البريطانيين نحو الانفصال عن الاتحاد الاوروبي ، مثل الموقع الجغرافي لبريطانيا وتجربتها التاريخية ، زيادة الهجرة وخصوصا من دول أوروبا الشرقية إلى بريطانيا ، والوضع الاقتصادي ، وتدافع الأجيال أو الصراع ما بين الجيل القديم الذي يحن للماضي والجيل الجديد المتطلع للانفتاح ، ولكن أهمها قوة اليمين المحافظ في بريطانيا .

هذا اليمين كان وراء دعم فكرة خروج بريطانيا من الاتحاد وهو شكل من الأصولية والشعوبية التي لها نضير في كثير من دول أوروبا ، كحزب " الجبهة الوطنية " في فرنسا الذي تتزعمه جان ماري لوبان ، وحزب " الحرية " في النمسا ، وفي الدنمرك "حزب الشعب الدنماركي " بزعامة بيا كيارسغارد ، وفي السويد حزب " الديمقراطيين " ، وحزب " البديل " في المانيا ، وحزب " التقدم " في النرويج الخ ، وفي الولايات المتحدة الامريكية فإن اليمين المحافظ واليمينيين الجدد صعدوا إلى مواقع قيادية في الإدارة الأمريكية منذ الثمانينيات ، ونموذجهم الأكثر تطرفا اليوم المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترامب ، وفي إسرائيل حيث التوجه نحو اليمين غير مسبوق ، ولا نتجاهل ما يجري في عالمنا العربي والإسلامي من أصولية دينية متطرفة ومتخلفة .

الموضوع يطرح قضية إشكالية أو مفارقة على مستوى التغيرات الكونية منذ انتشار الحديث عن ظاهرة العولمة نهاية ثمانينيات القرن العشرين . المفارقة أنه خلال العقود الثلاثة الأخيرة والتي يمكن وسمها بعصر العولمة ، بما تعنيه العولمة من إزالة الحدود والحواجز وحرية تنقل البضائع والأفراد ، وتحويل العالم لقرية صغيرة تتجاوز العصبيات الهوياتية والإثنية والدينية أو ما يسمى بالعولمة الثقافية ، خلال هذه العقود أنتجت العولمة نقيضها وهو الطائفية والعنصرية والإثنية والأصولية بكل أشكالها ، وبدل توحيد العالم وتقارب الثقافات انفجر العالم في حروب وصراعات وخصوصا مع انهيار دول المعسكر الاشتراكي ، وبعدها صعود اليمين المتطرف في أكثر من بلد في العالم ، وقد سبق للمفكر الامريكي صمويل هانتجتون في كتابه صدام الحضارات 1996 (The Clash of Civilizations) أن نعى ، بطريقة غير مباشرة ، العولمة وخصوصا الثقافية .

ما جرى مع بريطانيا وما سيترتب من تداعيات ، عنوانها العودة للانغلاق على الذات واستحضار الدولة القومية المعتزة بسيادتها وهويتها ، وما يجري من صعود للشعوبية والأصوليات في العالم كله ، وهي تتعارض مع منطق وفلسفة العولمة وخصوصا الثقافية ، كل ذلك يستدعي إعادة النظر في صحة ودقة الحديث عن زمن العولمة وخصوصا في شقها الثقافي ، أو على الأقل إعادة النظر في غالبية التعريفات التي أعطيت للعولمة والتي حاولت أن تضفي عليها طابعا اخلاقيا وانسانويا ، والتعامل مع العولمة ، إن كان ما زال هناك مجال للحديث عنها ، كايدولوجيا يوظفها الأقوياء لصالحهم ، وهذا ما يمنح مصداقية للكُتاب الذين ناصبوا العولمة العداء منذ ظهورها وحذروا من تداعياتها على دول العالم الثالث .

قد يكون صحيحا أن العولمة الاقتصادية قطعت اشواطا مهما فيما يتعلق بالتجارة والاستثمارات أو حركة رؤوس الاموال ، إلا أنها متعثرة دون ذلك . فمثلا تعتبر ثورة المعلوماتية خصوصا الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي من أهم مظاهر العولمة ، وكان الهدف من هذه الوسائل زيادة التواصل بين الافراد داخل المجتمع ، والتواصل ما بين الشعوب وبعضها البعض ، إلا أن هذه التقنية تم استعمالها لإثارة الفتن والنزعات الشعوبية وباتت هذه الأخيرة وخصوصا الحركات الأصولية توظفها لنشر افكارها وتنفيذ عملياتها العنيفة ، حتى أن كثيرا من دول العالم باتت تخضع هذه التقنيات للمراقبة الشديدة وأحيانا تتدخل لوقف نشاطها ، ولا نلمس أن هذه التقنيات زادت من تقارب الشعوب وبعضها البعض .

بطبيعة الحال هناك فرق في كيفية توظيف والاستفادة من تقنيات ثورة المعلوماتية ما بين دول العالم المتقدم ودول العالم الثالث ، ايضا هناك فرق بين ما يجري في الغرب بشكل عام وخصوصا صعود الأصوليات أو اليمين المتطرف أو المحافظين الجدد ، وما يجري في العالم العربي والإسلامي مع ظاهرة الأصولية الإسلامية . صعود اليمين المتطرف وظاهرة الأصولية في الغرب غالبا ما تعزز الدولة القومية وتحافظ على الهوية القومية وتحقق أهدافها غالبا بوسائل ديمقراطية وحضارية ، بينما اصولياتنا فإنها مفَتِتة ومُذَرِرة لوحدة الشعب والهوية ومُدمرة للدولة الوطنية وتستعمل العنف لفرض تصوراتها كما تثار شكوك حول علاقاتها مع قوى أجنبية .

وأخيرا فإن ما يجري في بريطانيا ما زال في بداياته ومهما كانت التداعيات فإن ثقافة الديمقراطية والحوار التي تسود في الغرب كفيلة بحل كل الإشكالات بطريقة سلمية . أما بالنسبة لتداعيات ما يجري على دول الشرق الأوسط ، فهي متعددة منها ما هو اقتصادي وما هو ثقافي وما هو سياسي ، وسيختلف التأثير من دولة لأخرى ، فتأثيره بالنسبة لتركيا مختلف عن دول الخليج مثلا . كما أن تصاعد النزعة العنصرية والقومية المتطرفة يؤكد كونية التطرف والأصولية ،مع اختلاف أدوات العمل والأهداف كما سبقت الإشارة ، والمهم ألا ترتد أحداث أوروبا سلبا على منطقتنا العربية وخصوصا على القضية الفلسطينية ، حيث غالبية قوى اليمين والأصوليات المسيحية تدعم إسرائيل .

[email protected]

×
أخبار
تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط