تاريخ النشر: 2024-06-20 | 16:47
تاريخ النشر: 2024-06-20 | 16:47
في الوقت الذي تستمر فيه آلة القتل الإسرائيلية في إبادة كل ما هو فلسطيني في قطاع غزة للشهر التاسع على التوالي، وارتفاع أعداد الشهداء والجرحى في كل دقيقة تمر حتى وصلوا إلى أكثر من 120 ألف شهيد وجريح، يُصر البعض على تصوير معاناة الناس ودمائهم وكرامتهم في خيام النزوح جنوب ووسط قطاع غزة على أنها طبيعية، عبر نشر صور لتزيين هذه الخيام التي لا تقِ حر الصيف ولا برد الشتاء، خلال المناسبات والتي كان آخرها عيد الأضحى المبارك قبل أيام، فما الهدف من هذا الترويج؟ ولصالح من يتم تزيين معاناة النازحين؟!
إن محاولة إظهار خيام النازحين بصورة جميلة ومظاهر الأفراح وأعياد الميلاد ومظاهر الأعراس الجماعية، تهدف إلى تجميل الأزمة غير المسبوقة بغزة، وفيها بلا شك عدم احترام للدم الفلسطيني، في ظل وجود شهداء وأشلاء وجرحى في كل مكان بالقطاع، حتى أن هناك شهداء تحت الأنقاض لم يتم انتشالهم حتى الآن.
أما الهدف الخفي لتزيين معاناة النازحين، فهو محاولة إظهار تأقلم الناس مع حياة الخيام، وهذا أمر غير واقعي نهائيا، نظرا لأن جميع أهالي القطاع مجبرين على هذه الحياة وليس مخيرين، فمن يقبل بالعيش في خيام مصنوعة من الأقمشة البالية أو النايلون حتى أصبحت مثل الأفران تصل فيها الحرارة إلى درجات غير مسبوقة، بالإضافة إلى الوصول إلى هدف فقدان التعاطف الدولي من خلال تصوير حياة الناس بأنها طبيعية وتشوبها أجواء الفرح، وتحجيم وتسفيه أزمة النزوح، وتقليل الضغط على قيادة حركة حماس التي احتكرت لنفسها دون الكل الفلسطيني المفاوضات مع إسرائيل، الأمر الذي أعطاها مجالا للمماطلة، بما أن النازحين صابرين ومتأقلمين ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي.
إن الإصرار على تصوير النازحين وهم في حالة فرح لحظية، وإظهارهم على أنهم "سوبر مان" خارقين رغم أنهم في الحقيقة بشر مثل كل العالم يخافون ويعانون ويبكون، فهو خطأ جسيم وكبير غير مسؤول، وتصوير مزيف وبعيد عن الواقع، سيعمل على تقليل وإخراس أي مطالب في العالم لوقف الإبادة التي يتعرض لها أهالي غزة.
من يرى صور إقامة الأعراس في خيام النزوح، وصور زينة رمضان والعيدين، سيتساءل بكل تأكيد: هل هذه طريقة آدمية معقولة لأهالي القطاع الذين يعيشون يومهم تحت القصف والموت والجوع وفقدان أدنى مقومات الحياة البشرية؟ لكن الذي يثير الاشمئزاز هو أن بعض هذه الصور والفيديوهات يتلقى صاحبها مبالغ مالية طائلة، لتصوير أمور بحد ذاتها وإظهار بعض الأشخاص قليلي الإدراك لما يفعلونه إما بمقابل مادي أو بالكلمات المزيفة التي تظهر تحديثهم للمعاناة وصمودهم في وجه الواقع غير الطبيعي الذي فرض عليهم منذ السابع من أكتوبر.
إن مخاطر هذه الرواية المزيفة التي يعمل البعض على ترويجها، يُسقط بشكل أو بآخر رواية الاضطهاد وجريمة الإبادة عن إسرائيل، فكيف ندّعي أن إسرائيل تمارس إبادة جماعية بحق أناس يمارسون حياتهم الطبيعية، وصور الفرح تملأ وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
صحيح أن "إرادة الحياة غالبة"، لكن أهالي غزة يعافرون بكل ما أوتوا من قوة من أجل البقاء على قيد الحياة فقط، ويصارعون من أجل الحصول على طعام وشراب، يموتون وهم يحاولون دفن شهدائهم أو إخراج أشلاء من دفنوا تحت الأنقاض، يقضون نصف نهارهم في طوابير الخبز والماء والحمامات، وليس بمظاهر خادعة ومزيفة تظهرهم وهم يعيشون حياتهم الطبيعية ويتزوجون ويزينون خيامهم، ويذهبون للاستجمام على البحر.
يجب أن ندق ناقوس الخطر لهذا الأمر، وألا ننسى أننا أمام آلة قتل إسرائيلية مستمرة للشهر التاسع على التوالي، وان هناك قيادة لا تكترث بما يحدث لمليوني فلسطيني في ظل نظرتها الضيقة، فأهل غزة يريدون تزيين بيوتهم وغرفهم، يريدون الزواج في بيوتهم وهم يعيشون بسلام وأمان، أهل غزة بشر لا يتكيفون مع أي ظرف "غير آدمي"، أهل غزة ليسوا خارقين ويتحدون المستحيل، أهل غزة ضحايا منذ 17 عاما يبحثون عن الأمن والاستقرار.