تاريخ النشر: 2016-06-19 | 15:26
تاريخ النشر: 2016-06-19 | 15:26
لم يكن إنشاء تنظيم داعش أو كما يحلوا أن يسموا أنفسهم به (الدولة الإسلامية في بلاد الشام والعراق) لم يكن إنشائه بهذه السرعة الكبيرة وفي ظل سبات أنظمة الحكم في كل من العراق وسوريا وبقوة فاجأت الجميع بحجمه وسرعة انتشاره على الأرض مما مكنه من إرساء قواعد لعب جديدة في ساحات صراع الربيع العربي المصنوع بأيادي أمريكية أوروبية بهدف تخريب تلك الدول التي طالها ذاك الربيع عفن الزهور وقيحيّ العبير مما أدى إلى تقرح كل ما في تلك الدول من شعوب وأنظمة حكم ومدن وقرى وأرياف وصحاري ومياه وبحار وبترول وغاز ونساء ورجال وأطفال وشيوخ وثقافة وحضارة وعلوم وتاريخ وفكر وإسلام، وأصبحت فلسفة الكراهية والقتل والتفنن في ذلك بأشكال وأساليب غاية في الهمجية والإجرام هي السائدة في تلك المجتمعات، مما أدى إلى توجيه ضربات موجعة لجيوش عربية كان يحسب حسابها قبل الربيع العربي فانهزمت وهربت أمام المد الداعشي الذي أعمل القتل والذبح في كل ما طالته أياديه.
سيطرت داعش على مدن ومحافظات وألوية ومساحات كبيرة مكنتها من إقامة نوى دولتها في كل مكان سيطرت عليه وأخضعت سكانها بأداء قسم الولاء لها وإلا القتل جاهز وفرضت التطوع على أبناء تلك المدن والقرى للقتال في صفوف داعش وكذلك على البنات ممارسة رذيلة نكاح الجهاد. تقول هيلاي كلينتون في مذكراتها المنشورة قبل بدئها ترشح نفسها عن الحزب الديمقراطي الأمريكي لخوض انتخابات الرئاسة الأمريكية بأنهم ( أي الولايات المتحدة الأمريكية) هم من أنشئوا داعش لهدف تدمير البني الأساسية والنظم السياسية والاجتماعية والعسكرية في الدول العربية ولإثارة الفتن والنعرات الطائفية والعقائدية ليسهل تمزيقها وتفتيتها حتى يستمر هذا الوضع عشرات السنين ويسهل عليها وعلى الدول الغربية سرقة ونهب مقدرات الوطن العربي من بترول وغاز وغيرها مع ضمان أزلي لأمن إسرائيل وتفوقها العسكري والاقتصادي على مجمل الدول العربية مجتمعة وفرض التطبيع مع إسرائيل وتمرير خطط حل للصراع العربي والفلسطيني الإسرائيلي وفق أهواء إسرائيل.
لم تتوان كافة الدول الغربية دونما استثناء ( أوروبا وأمريكا) وكذلك إسرائيل وتركيا وبعضاً من الدول العربية في دعم تنظيم داعش أو من لف لفيفهم من حركات إسلامية استخدمت وظيفياً للحرب بديلاً عن تلك الدول ضد أنظمة الحكم ولتنفيذ سياسة تحطيم النظام السياسي العربي وإضعافه.
ومن هنا تم دعم داعش بأسلحة من كافة الأنواع تفتقر لها كثيراً من الجيوش العربية كما تم الزج بمتطوعين بالآلاف للقتال مع تنظيم داعش، لماذا وضد من وما الهدف من ذلك؟ وكانت البوابة التركية مشرعة لاستقبال المتطوعين من كافة الدول الأوروبية والعربية وتسهل دخولهم وأسلحتهم إلى الأراضي السورية للقتال ضد النظام ولتركيا مصالحها في ذلك وقد تحدثنا عنها في سياق مقالات سابقة وأهمها كان أمران: الأول اقتطاع أو ضم بشكل أو بآخر للشريط الحدودي السوري من منطقة حلب في أقصى الغرب إلى أقصى الشرق حتى الحدود السورية العراقية وقد كان للدعم التركي لداعش في هذه المنطقة أن أرست قواعد قوية لها في المنطقة واعتبرت محافظة الرقة بمثابة عاصمة الدولة الإسلامية.
ثانياً: هدفت تركيا من وراء ذلك قطع الطريق على الحلم الكردي بإقامة كيان سياسي مستقل له في مثلث الأراضي السورية العراقية التركية، إلا أن اختلاف اللعب في الساحة السورية ودخول روسيا الحرب ضد داعش وفصائل المعارضة لدعم وإسناد الجيش السوري غير من قواعد اللعب، كما أن التدخل الأمريكي لصالح الأكراد في العراق وسوريا ضد داعش لم يرق لتركيا الحليف الاستراتيجي لحلف الناتو، وحتى لا نخرج عن موضوع المقال نكتفي بذلك وسنعطي هذه الأحداث والتطورات والتوجهات مساحة أكبر في مقال آخر.
قويت داعش وتمكنت من الانتشار في أكثر من دولة عربية آسيوية وقامت بإرسال قوات وقادة لهم عبر الطيران والبحر وبمساعدة دول أوروبية وأمريكا لإثارة القلاقل في الشمال الأفريقي بالكامل ( دول المغرب العربي) وما نلاحظه في ليبيا ما هو إلى تنفيذاً لسياسة الغرب بالانتقال من مرحلة الربيع العربي إلى مرحلة التدمير الممنهج ضد النظم السياسية والاجتماعية في الدول العربية لنهب بترولها وغازها ولم يعد خفياً على أحد كيف أن حتى منظمة الأمم المتحدة تسمح بتهريب وإدخال السلاح للمعارضة وداعش في ليبيا وإن لم يكن بطرق رسمية وإنما بغض النظر عن ذلك تراها لازالت تؤكد على حظر تصدير السلاح للجيش الليبي الرسمي بهدف إبقائه تحت مطرقة داعش وحاجته للقوى الغربية لمساعدته في حرب داعش.
هذا ولقد حذرنا في مقالات سابقة من خطورة السلوك الأوروبي الأمريكي بتصدير داعش إلى ليبيا بشكل خاص ودول المغرب العربي ومصر بشكل عام وتحدثنا عن أن السحر قد ينقلب على الساحر في ظل وجود داعش على حافة الخاصرة الجنوبية لدول أوروبا، ناهيك عما تسببته الحرب الروسية ضد داعش في سوريا وهروب الكثير من المتطوعين وعودتهم إلى الدول الأوروبية وأمريكا واحتفظ بهم تنظيم داعش كخلايا نائمة إذا ما فكر في الانتقام من تلك الدول التي في اعتقاده بأنها خذلته خاصة بعد التدخل الروسي في الحرب في سوريا وتحول التوجه الأوروبي لمحاربة داعش في سوريا عبر القصف لمواقعه أو بخبراء عسكريين أمريكيين وفرنسيين وألمان وبريطانيين يقاتلون جميعهم ضد داعش.
لم يحتاج التنظيم وقتاً طويلاً للتفكير في الانتقام من الدول الأوروبية التي شاركت في الحرب ضده إن كان على الأراضي السورية أم العراقية أو حتى الليبية. فهنا يبرز السؤال المهم
هل استشعر تنظيم داعش خطر تعرضه إلى هزيمة أو إضعاف في بلاد العراق والشام وأماكن أخرى أفقدته مكاسب مالية كان قد حققها من بيع البترول والغاز والمخدرات والرقيق وبيع القطع الأثرية المنهوبة من سوريا والعراق، وهل أدرك التنظيم خطورة ذلك فبدأ بإنشاء الخلايا النائمة في دول أوروبا وأمريكا بهدف الانتقام لا سيما وأن المئات من عناصره إن كانوا أوروبيين أو عرب أو جنسيات أخرى حصلت على جنسيات أمريكية وأوروبية وعادوا إلى دولهم بتوجيه من قيادات التنظيم.
ثم هل أن تنظيم داعش كتنظيم إسلامي أصولي من السهل انتهائه واندثاره وتذويبه في المجتمعات.
ومن هنا نقول بأن أيّ تنظيم إسلامي أصولي لا يمكن له أن ينتهي وإن ضعف أو يذوب في المجتمعات بل تبقى عناصره وخلاياه كالبركان الخامد إلى حين الحاجة إليها لتنفيذ أيّ نشاطات تطلبها قيادات التنظيم كما أن تلك التنظيمات الأصورية تكون مشبعة بالفكر الإسلامي الأصولي الذي تؤمن به حتى لو تعارض مع قيم الدين الإسلامي الحنيف وتكون مقتنعة بكل جرائم القتل التي يقوم بها بأنها لخدمة نشر الدين الإسلامي والقتال في سبيل الله.
ومن هنا يمكننا الإجابة بنعم على باقي الأسئلة المطروحة والتأكيد على أن التنظيم استشعر خطر تعرضه لهزيمة في ظل تخلي جميع الدول الداعمة له عنه فبذلك اتجه للانتقام منها بارتكاب أعمال إرهابية بدأت تهز المجتمع الأوروبي وتضرب استقراره في مقتل في ظل التبني الرسمي لداعش لكافة العمليات الإرهابية التي حدثت في الدول الأوروبية والمرشحة إلى التصاعد وفق سيناريوهات مختلفة قد تأخذ أشكالاً تقليدية وكلاسيكية فهى تأخذ الأشكال التالية:
أولاً: عمليات تقليدية: تفجير عبوات ناسفة وإطلاق نار في أماكن عامة وأسواق ومراكز تجارية وسياحية ومحطات القطارات والمواصلات والمطارات والطائرات وأجهزة الأمن.
ثانياً: عمليات انتحارية: تستهدف الأهداف المحددة بشكل مباشر بهدف إيقاع أكبر عدد ممكن من القتلى.
ثالثاً: عمليات كلاسيكية: وقد أعلن عنها وزير الدفاع الأمريكي والذي أشار إلى احتمالية قيام التنظيم بحرب شوارع في المدن الأوروبية والأمريكية على غرار ما تم في كثير من الدول العربية.
وهذا السيناريو مرشح للتنفيذ في أيّ وقت لا سيما وأن كل الإمكانيات متوفرة لدى عناصر التنظيم من تدريب وأسلحة وإمكانيات مادية.
وفي هذا السياق يقوم تنظيم داعش بتوجيه ضربات إلى تركيا والدول الأوروبية ويعلن بأنه سيستهدف تلك الدول بضرب كل ما تطاله يداه مما بدأ يحرك القلق لدى الحكومات والشعوب في تلك الدول مما رفع من وتيرة القلق لديهم بشكل أخذ يتصاعد مما دفع بالحكومات باتخاذ إجراءات غير مسبوقة تعبر عن مدى القلق والخوف لديها من كل الاحتمالات فتفرض قانون الطوارئ والتفتيش والملاحقة والتتبع وتجميد الأرصدة المالية لمن تحوم حولهم الشبهات كما تضع تلك الحكومات في دائرة استهدافها التيارات الإسلامية السلفية وتتعاون فيما بينها على الصعيد الاستخباراتي محاولة بذلك محاصرة وكشف الخلايا النائمة التابعة للتنظيم لذا بدأت تلك الدول بالعمل بأكثر جدية في محاربة التنظيم في معاقله إن كان في العراق وسوريا أو حتى في ليبيا ولم تكتف بقصف قواعده وقياداته ومقراته بالطيران الحربي بل أيضاً باستخدام قوات برية ( تحت مسمى خبراء) يخوضون معارك شرسة إلى جانب القوات الحكومية في العراق وإلى جانب القوى المعارضة في سوريا، بالإضافة لذلك فهي تقدم لها التسليح والتمويل الذي تشاركه فيها بعضاً من الدول العربية في إطار التعاون المشترك لمحاربة داعش.
هناك أهداف أخرى منها إسقاط نظام الحكم في سوريا أو دعم الأكراد في سوريا رغم أن هذا الدعم يقلق تركيا المتخوفة من تعاظم القوة الكردية التي باتت تتمدد وتوسع انتشارها من أقصى الشرق السوري إلى أقصى غربه مروراً بالرقة وحلب بمعنى تحاول السيطرة على الشريط الحدودي السوري مع تركيا أو على الأقل الجزء الشرقي منه لتسهيل إقامة كيان سياسي لهم على أراضيه مما قد يُفشل الأهداف والخطط التركية نحو الاستحواذ عليه بطريقة أو بأخرى لضمان عدم إقامة دولة أو أيّ كيان سياسي كردي يشترك فيه أكراد تركيا بما يهدد وحدة الأراضي التركية في الجنوب الشرقي إذا ما تم سلخ الأقاليم الكردية عن أراضي الدولة الأم ( تركيا) ينضم لها أقاليم الأكراد في العراق.
هذا السيناريو يلقى الدعم العسكري والسياسي من قبل كل من روسيا والولايات المتحدة لأسباب وأهداف خاصة بكل منهما.
هنا لم يقف تنظيم داعش موقف المتفرج الذي يتلقى الضربات العسكرية والتي بدأت تؤثر على بنيته التنظيمية والعسكرية وانهزامه في أكثر من موقع مما دفع بالتنظيم إلى تفعيل وتنشيط خلاياه النائمة في أوروبا وأمريكا بعد أن دفع بهم للعودة لتلك البلدان التي بدأت تتلق تهديدات وضربات إرهابية تؤثر بشكل متزايد في مجتمعاتها.
وهذا ما دفع بالتنظيم في الساحات العربية من أن يتراجع إلى أماكن بعيدة عن إمكانية الوصول إليه وضربه وهذا ما يعني بأن هذه التنظيمات الإسلامية الإرهابية لم تعد تتبع إستراتيجية احتلال مساحات شاسعة في الدول التي تنشط فيها وهذا ما يؤكد بأن تلك التنظيمات لا يمكن القضاء عليها نهائياً بعد أن تكن قد غيرت من إستراتيجيتها لضرب تلك الدول وغيرها وهذا ما لوحظ مع تنظيم القاعدة الذي اتبع نفس الإستراتيجية وبات من الصعب إن لم يكن من المستحيل القضاء عليه تماماً.
وهذا ما دفع بوزير الدفاع الأمريكي وبعض القيادات الأوروبية يستشعرون خطر هذه الإستراتيجية ويدركون بأن القضاء على داعش ليس من السهولة بمكان فتراهم يعلنون بأن ذلك يتطلب ما لا يقل عن العشرين عام.
وفي تقديرنا وبالقياس مع تنظيم القاعدة والذي مازال يشكل خطراً كبيراً على تلك الدول بأن القضاء على داعش أو التصدي لهجماته الإرهابية بات ضرباً من المستحيل.