امام حالة التراجع الوطني الخطير في مناحي الحياة الفلسطينية ، وانقسام سياسي ، واحتلال وصل في مداه إلى الابعد ، تدنست الاقلام المثقفة التي كان الشعب يعول عليها للخروج من المازق والحديث عن هموم الشارع ، والتعبير عن عذاباتهم ، والضرب باقلامهم على راس الانقسام ، ليصبحوا ادوات طوعية في يد الإعلام الاصفر ووسائل التواصل الاجتماعي ، وتغير نمط تناول القضايا من الأهم فالأهم إلى غير المهم ، واثارة واجتذاب المجتمع نحو مواضيع تثيره اجتماعيا اونفسيا او اقتصاديا او سياسيا ، فيما لا تثيره وطنيا باتجاه قضاياه المركزية من احتلال وانقسام وفساد ، في ظل غياب نقاد المنهجية ، الذين عليهم كاهل الرقابة العلمية لهذا الاداء ، فتصدر الكتب بلا مراجعات ، وتصدر المقالات وفق مزاجات الناشرين ، وتصدر الابحاث بلا تحكيم ، فيما يلطخ كثر منهم حائط التواصل الاجتماعي بأفكار مسمومة ، تأخذ المجتمع خارج قطار الحقيقة والأولويات . اننا أمام حالة تراجع عامة في الأداء الأخلاقي والوطني ، والكل يفتي ، فيما صاحب القرار لا يسمع ، بل والارتباط المشبوه بين بعض الصحف ومتنفيذي السلطة لتكون بوق لهم ، وغابت الحيادية في كثير من الأدوار ، والإعلامي يسال السياسي عن التاريخ ، والتحليل لم يعد يرتقي لمستوى الاستشراف ، والقلم مرهون بيد الحزب ، والحزب مرهون بيد الاجندات ، فيما تكرم هؤلاء مؤسسات وشخصيات ليس لها علاقة بالاختصاص . اننا في حالة انحسار ثقافي شتت العقول ، دفع القراء بعدم الثقة على مستوى الساحة الفلسطينية لذلك نحتاج إلى مراجعة نقدية شمولية ، تنهض بالحالة الثقافية الفلسطينية ، وإعادة الثقة للأقلام المؤثرة في المجتمع ، لتستطيع التأثير والتغيير نحو الأفضل ، وليكونوا وقود ثورة التحرر من موبقاتنا ، فنحن نحتاج ثلاث ثورات ، ثورة ضد الفساد ، وثورة ضد الانقسام ، وثورة ضد الاحتلال ، حالة التراجع الحالية ، لن تستطيع التأثير لإحداث أي ثورة من الثلاثة ، بل على المثقفين أن يؤدوا القسم من جديد ، كالمحلف القانوني ، وكقسم الطبيب في اداء عمله ، وعلى كاتب التاريخ ان يسمع من ضميره الحي ، ويكتب الحقيقة كما هي ، وعلى الإعلامي ان يولي الوطن في عمله ، وعلى المتدين ان لا يفتي في السياسة ، وعلى السياسي أن ينطق بالحقيقة ويواجه الجمهور بكل الحقيقة ، كل ذلك سيرجع الثقة للشارع وتهيئته لمرحلة التغيير القادمة ، للخروج من قاع الزجاجة .