تاريخ النشر: 2017-08-09 | 14:22
تاريخ النشر: 2017-08-09 | 14:22
في هذه المرحلة تبدو القيادة الصهيونية هشة مضطربة ومتناقضة مبعثرة بلا اي قوة معنوية او وهج ايديولوجي وبلا اي كريزمة زعامة مع وجود كتلة كبيرة من المتخصصين والتقنين في المجالات العديدة ومع توسع في العلاقات التجارية والسياسية والامنية في الاقليم وقارة افريقيا و اسيا الوسطى والهند.. ويبدو المشروع الصهيوني في حالة شيخوخة مبكرة على صعيد الايديولوجيا والدفع الروحي بعد ان فقد جيل الرواد والمفكرين والقادة المؤسسين ولذا تدريجيا تحول الى حالة غير قادرة على الاستقرار النفسي والسياسي في ظل فلتان امني شامل في المنطقة وانفتاحه على كل الاحتمالات رغم ان جزءا كبيرا من الفوضى القائمة قد أسس لها الامريكان واستفاد منها الصهاينة لكن لا أحد يمكنه التحكم في مآلاتها.. انها مرحلة يبدو فيها الحكام الجدد كمن يمشي على الحبال او كمن يجري على دراجة بعجلة واحدة عليه ان يمشي بدون توقف..
تأتي اسباب الازمة في الكيان الصهيوني من عدة اتجاهات اولها ان اسرائيل لم تستطع خلال سبعين سنة حسم المسألة الفلسطينية وفرض واقع نهائي ينال قبولا دوليا وواقعيا.. وظلت القضية الفلسطينية بنفس حيويتها الاولى ومن حين الى اخر تنفجر بكل عنفوانها ومن أمكنة ظنت الادارة الصهيونية انها اصبحت في دائرة الاستكانة الامنية.. وتظهر الحالة الصهيونية عن عجز رهيب في عدم قدرتها على ترجمة الايديولوجية الصهيونية التي اتخذت من عناوين دينية معينة مفتاح التجميع لليهود على ارض فلسطين ولقد اظهرت هبة الاقصى الاخيرة عن عجز رهيب لدى الكيان الصهيوني حيث وقف رغم كل قوته وامكانياته وسيطرته الكاملة ورغم ضعف الوضع العربي عاجزا مترددا وفي النهاية متراجعا وخاضعا امام ارادة جزء من الشعب الفلسطيني في القدس.. ورغم كل الضعف الرسمي الفلسطيني وما يعانيه جراء الانقسام المستديم والمتعفن في النخبة السياسي الفلسطينية الا أن الكفاح الفلسطيني اصبح اكثر فاعلية ونوعية وفهما وادراكا واصبح الوعي الفلسطيني اكثر إحاطة ومرونة وفهما لطبيعة الصراع.. الامر الذي يعني بوضوح ان الكيان الصهيوني لم يستطع ان يكون حالة مستقرة قد فرضت امرها على المنطقة.
الإتجاه الثاني في الازمة الصهيونية اضطراب الاهداف الصهيونية حيث لم تعد تلك الاهداف المشبعة بالاماني والاحلام مع انطلاقة المشروع تلقى نفس التفاعل والانجذاب لدى التجمع الصهيوني او لدى المؤسسة الصهيونية فلقد تكشفت مفاسد الفكرة الصهيونية وبهتان منطلقاتها فلم يجد اليهود في فلسطين عسلا ولا لبنا بل صراعا استمر اكر من سبعين عاما ولايزال مفتوحا على مراحل اكثر تعقيدا ولم تعد شعارات الصهاينة الحالمين ذات قيمة حول دولة اسرائيل من المائين من الفرات الى النيل.. فاصاب الفكرة الصهيونية اهتزاز بل انكسار في جوانب مهمة فيها بالاضافة الى ان المشروع الصهيوني تراجع كثيرا لصالح الدولة الصهيونية وحتى الدولة الصهيونية لم تعرف بالضبط ان تستقر على حدود جغرافية معينة فهي فقدت سيناء وابدت استعدادا للتنازل عن الجولان وانسحبت من غزة وتبدي استعدادا في ظروف ما للتنازل عن "يهودا والسامرة" وانسحبت من جنوب لبنان.. هذا كله يعني بجلاء ان حدود الدولة قابلة لتراجع والتاكل بعد ان خبت روح الفكرة الصهيونية وتوقف المشروع الصهيوني.. وهنا ينشغل الكيان الصهيوني بالخروج من المواجهة القاسية بان يحافظ على دولة لها علاقات تؤمنها وتضمن بقاءها في الاقليم بعد ان ادرك الصهاينة ان الدعم الغربي والامريكي لا قيمة جوهرية له في ظل العيش في غيتو في المنطقة التي تحاصر الكيان بالكره وعدم الاستعداد للتطبيع معه.
الاتجاه الثالث في تشكيل الازمة الصهيونية ان تطورات الحراك السياسي الاجتماعي في المنطقة يفلت من العقال قوى خطيرة ليست جميعها تحت الكونترول وان صناعة الصواريخ والسلاح المقلق والمؤذي تحولت الى صناعات شعبية يمكن لاي مجموعة ان تصنعها كما ان انهيار الدول العربية وهي رغبة صهيونية جامحة تحول الى نقمة على مستقبل الكيان الصهيوين في احد ابعاده حيث تكسرت ابواب مخازن السلاح المكدسة في بعض الدول وتسربت الى ايادي كثيرين منهم قوى مضادة للكيان الصهيوني.. ان انتشار السلاح الان في ايدي قوى المقاومة وفي ايادي كل من يطلبه امر خطير بلاشك لايقل عنه خطورة احتمالات صعود قوى معادية للكيان الصهيوني الى مواقع الفعل والتاثير الامني في الاقليم فلئن خرجت سورية من الازمة معافاة في وحدة ترابها ووحدة شعبها بالاضافة الى العراق الذي انهى فصلا داميا في الصراع مع داعش مع حزب الله اللبناني واستعداداته العسكرية.. كل هذا يفسر القلق الوجودي الاسرائيلي ويجعل الاستشرافات لمستقبل الدولة العبرية في حالة ضبابية يصعب تحديد معالمها.. ورغم كل التطمينات التي تصل الى مكاتب صناعة الموقف والقرار في اسرائيل عن رغبة كثير من حكام العرب في اقامة علاقات مع الكيان الصهيوني بل وتحالفات الا ان اسرائيل اكثر وعيا بان كل هذه العلاقات لاتفيد اسرائيل في شيء بل تورط اسرائيل في استنزاف لمواقفها وقدرتها على التحرك السريع اذ لا فائدة اضافية يمكن جنيها من هذه الدول العربية المهتزة والمترنحة في قضايا قد تودي بها في اي لحظة
الاتجاه الرابع الموقف الدولي فبعد ان كانت اسرائيل خطا احمر وكانت تصرفاتها مرحب بها بلا نقاش في مؤسسات الغرب الراسمالي والامبريالي اصبحت تصرفات المؤسسات الاسرائيلية تشكل عبء سياسيا واخلاقيا بل وامنيا حينا ما على الدول الغربية وكما تم التسريب لبنيامين نتنياهو بان اسرائيل تشعر ان هناك مواقف نقدية حادة من الغرب الاوربي ضد اسرائيل لاتجده من دول عربية وافريقية.. وواضح ان حملة المقاطعة لمنتوجات المستوطنات كما الملاحقات القضائية لحكام اسرائيل التي تحرمهم من دخول الدول الاوربية.. وواضح ان اوربا لا تستمر في اندفاع المشروع الصهيوني بل هي تلجمه بحلول سياسية تجعل من حل الدولتين اسلوبا لانهاء الصراع.. وهنا تحدد اوربا اي مستوى يمكن ان تكون مع الكيان الصهيوني والذي يجد هذه الاثناء صعوبة في التكيف مع الموقف الاوربي.. ولعل مواقف البرلمانات الاوربية حول الاعتراف بدولة فلسطين يعطي اكثر من اشارة عن تطور الموقف الاوربي في رفض تصرفات اسرائيلية ورفض التغول الصهيوني والانفلات نحو الاستحواذ على حقوق المواطنين الفلسطينيين.
الكيان الصهيوني يعيد على نفسه من جديد اسئلته الوجودية ويسكنه قلقا معزز بعدم القدرة على بناء مجتمع صهيوني حيث تضرب العنصرية بعنف دالخ التجمعات الصهيونية ولم تنصهر المشارب المتعددة في شخصية واحدة.. هنا بالضبط نضع ايدينا على نقطة خلل جوهرية في المشروع الصهيوني القائم على اسنة الرماح ولا يعرف كيف يواجه مشكلاته الاجتماعية والسياسية والامنية.. وفي ظل تنامي قوى المقاومة في المنطقة الرافضة للوجود الصهيوني والانفة عن اي تطبيع معه ستزداد حدة الاسئلة وتاثيرها على التجمعات الصهيونية وستفرض وقائع جديدة تؤدي في النهاية الى سقوط الكيان الصهيوني نتيجة حتمية لتطور الاوضاع داخله وحوله قد تاخذ المسالة سنوات لكنها حتمية واقعية ومنطقية.. ويصبح من العبث تقديم تنازلات جوهرية للعدو في هذه المرحلة لانها تمد له في عمره وتقدم تضحيات مجانية ..والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لايشعرون.