ماذا تعنى الحلول النهائية لإسرائيل؟ هذا هو السؤال الذي ينبغى طرحه الآن والإحتمالات تتزايد عن إمكانية التوصل إلى صيغة تفاوضية بعد اشهر قليلة .وقبل الإجابة على هذا السؤال لا بد من التأكيد على مقولة أن الكل يريد السلام ، ولكن أى سلام يتم الحديث عنه. إسرائيل تريد السلام بطرقتها الخاصة ، وبرؤيتها التي تقوم على ركيزتين أساسيتين هما ألأمن والبقاء وهو مايعنى أبعد من إنهاء الإحتلال وقيام دولة فلسطينية ،اى بصيغيتها إستمرار الإحتلال وإحتواء قيام الدولة الفلسطينية.وتعنى إنهاء القضية الفلسطينية من جذورها من خلال المطالبة بإعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل كدولة ، وهو الإعتراف الثانى بعد الإتراف السياسى ألول الذي أصبغ صبغة شرعية على إسرائيل كدولة ، والإعتراف الثانى الذي يعنى إنهاء لللصراع الفلسطينيى الإسرائيلى بتأكيد على شرعية الرواية التاريخية الإسرائيلية دون أن تدفع ثمنا تفاوضيا لذلك.وتدرك أنها ألأقوى في زمن تحولات إقليمية ودولية أفرغت القضية الفلسطينية من مضامينها القومية العربية ، وأن الإنقسام السياسى الفلسطيني كفيلأيضا بإجهاضها فلسطينيا ن وأنها ألقوى في المادلة التفاوضية ، لذلك ليست مستعجلة من أمرها ، وتعتقد أنها تملك خيارات أحادية قادرة أن تفرضها على الفلسطينيين. والفلسطينيون يريدون ألأمن والبقاء ، وهذا لن يتحقق إلا من خلال إنهاء الإحتلال وقيام الدولة الفلسطينية، لأن قاعدة السلام الجوهرية تقوم على معادلة بسيطة وواضحه : قيام الدولة الفلسطينية وإنهاء الإحتلال الإسرائيلى مقابل ضمان إسرائيل أمنها وبقائها ، ولا أحد يتعارض مع هذه المبادئ، لكن ليتحقق أمن إسرائيل لا بد من قيام الدولة الفلسطينية ، ولكن المعضلة تكمن في رؤية إسرائيل لأمنها وبقائها لتى تعنى إلغاء للحقوق الفلسطينية، وتركز الرؤية الإسرائيلية على المبادئ التالية :
الإعتراف بيهودية إسرائيل كدولة بكل ما يتضمنه هذا الإعتراف من إسقاط للحقوق التاريخية للفلسطينيين ، وإسقاط مسؤولية إسرائيل عن قضية اللاجئيين، وان تبقى الدولة الفلسطينية بلا صلاحيات أمنية أو عسكرية ، أى دولة أقرب إلى مفهوم اللادولة في الفكر الليكودى، والبقاء الدائم فى منطقة ألأغوار وفصلها عن الدولة الفلسطينية ، مما يعنى دولة من منظور قانونى وأقل من دولة من منظور السيادة وممارسة السلطات.وضم كل الكتل الإستيطانية الكبرى وهو ما يعنى الحفاظ على ما يقارب تسعة في المائة من الأراضى الفلسطينية في لضفة الغربية، والقدس, بل وشرعنة الإستيطان ، وإعتباره حق مقدس لا يمكن التنازل عنه. والتمسك بالقدس عاصمة موحدة وغير قابلة للتقسيم؟ هذه الشروط تجعل من المفاوضات بلا مضمون سياسى ، وتلغى أى مطالب فلسطينية وخصوصا بالنسبة لقضية اللاجئيين. وتحول المفاوضات غاية في حد ذاتها. وبإستقراء تطور العملية التفاوضية نجد أن إسرائيل وعبر كل حكوماتها المختلفة كانت تربط وما زالت بين السلام والمفاوضات والقوة العسكرية والإعتبارات ألأمنية ، ، ومعنى هذا إن السلام الذي تريده إسرائيل يقوم على التفوق العسكرى ، والإمتداد الإقليمى والنفوذ والسيطرة . وفى يقينى المشكلة لا تكمن في الإعتبارات ألأمنية في حد ذاتها ، أى أن ألإعتبارات ألأمنية لو تمت مناقشتها مقابل الإعتبارات ألأمنية للطرف الفلسطينى ، ما كانت تشكل عائقا. ولكن إذا تم ربطها بالغاء الحقوق الوطنية للفلسطينيين ، بما فيها قيام الدولة عندها تصبح مشكلة يصعب تجاوزها. والتساؤل ثانية ماذا يعنى ربط السلام بالخيار العسكرى والإعتبارات ألأمنية ؟ وما علاقة ذلك بالتصورات الإسرائيلية للحل؟ وإبتداء هذه النقطة مهمة في أى عملية تفاوضية ، وهى معرفة تصورات الطرف الآخر ، ومدركاته وتصوراته السياسية. وهذا التصور يعنى إن تظل موازين القوى لصالح إسرائيل،ليس على مستوى الدولة الفلسطينية وهو أمر مستبعد، ولكن علي المستوى الإقليمى.و الإستمرار في البناء الإسيطاننى يعنى أيضا أن الخيارات ألأمنية والعسكرية لها الأولوية على خيار السلام، ويعنى أن إسرائيل تربط بين سيطرتها على الأرض والأمن ، وهو ما يعنى الإستمرار في البناء الإستيطانى ، ومصادرة ألأرض، وبالتالى خلق حالة من الدولة الفلسطينية كما تريد ، وليس كما يريد السلام.وهذا ما يعنى أن إسرائيل لن تخسر شيئا في المحصلة النهائية للمفاوضات ، وهى لن تقدم تنازلات جوهرية على الأرض التي تقوم عليها إسرائيل ، وإنما تتفاوض على أرض يفترض أنها تقع في نطاق السيادة الإقليمية للدولة الفلسطينية ، ومع إستبعاد القدس واللاجئيين من المفاوضات ، تبقى المفاوضات تدور حول موضوع الدولة الفلسطينية ، وكيفية إخراجها بالصورة التي لا تتعارض مع الإعتبارات ألأمنية الإسرائيلية. إذن تقوم الرؤية الإسرائيلية عن ثلاث تصورات الأولى الحل المرحلى لإستحالة الحل النهائى بسبب روايتها التاريخية المتناقضه مع الرواية التاريخية في فلسطين ، وبسبب التعصب الأيدولوجى ، والرواسب السيكولوجية وعبء التاريخ ، والبديل لذلك بدولة فلسطينية على مراحل ، وفى حال صعوبة هذا الحل قد تذهب إسرائيل إلى حل الإنسحاب ألأحادى كما في غزة ، مع تفادى سلبيات ما حدث في إنسحابها من غزة ، وهنا قد يلعب جدار الفصل وظيفة سياسية كحدود لإنسحاب إسرائيل وبالتالى حصر السلطة الفلسطينية في إطار محدد، وأما التصور الثالث وهو الحل النهائى والذى يقوم على فرضية أنه طالما هناك قيام للدولة الفلسطينية فالأفضل السعى لحل النهائى بفرض شرط الإعتراف بيهودية إسرائيل كدولة للشعب اليهودى. في جميع ألأحوال لن تخرج الرؤية الإسرائيلية عن خيار قيام الدولة الفلسطينية في سياق من الإعتابرات الأمنية . والتي في إطارها قد يتم تسوية قضية مثل اللاجئيين ، وأما القدس فقد يبرز الدور الأردنى ليس كوسيط بل كشريك رئيس في إنهاء الصراع، وهذا يقودنا إلى فرضية أقرب إلى المسلمات أن الدولة الفلسطينية وفى حال قيامها لا تملك القدرة علي توفير الضمانات ألأمنية ، وهنا يأتى الدور أٌلإقليمى على المستوى العربى ، بعبارة أخرى حل الصراع من جذوره لن يتم فلسطينيا ، بل سيتم على المستوى العربى وبدون ثمن إسرائيلى ، في سياق هذا التصور العام تأتى مبادرة إطار الإتفاق الذي يسعى وزير الخارجية ألمريكية جون كيرى لفرضه على الطرف الفلسطينى الأضعف في معادلة التفاوض ، وفى مادلة التحولات الإقليمية والدولية ، وهذا ما سيجل إسرائيل تحسم هذا الصراع بطريقتها.
دكتور ناجى صادق شراب