تاريخ النشر: 2022-10-15 | 05:34
تاريخ النشر: 2022-10-15 | 05:34
أمام المأزق الذي تعيشه الأمم المتحدة بسبب حق الاعتراض الذي تتمتع به خمس دول من بين 193 دولة، الذي تفاقم بشكل غير مسبوق بعد أن أصبحت الولايات المتحدة القطب الوحيد في العالم المهيمن على السياسة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، وتسخير الولايات المتحدة للمنظمة الدولية ومجلس الأمن لخدمة مصالحها، وإن لم تتمكن من ذلك تقوم بتهميش الأمم المتحدة، وتمارس دور الدرکی العالمي الذي يقرر في السياسة الدولية، وفقا لمصالح الولايات المتحدة وشركائها.
ولذلك فإن موضوع إصلاح الأمم المتحدة شكل هاجسا دائما لمعظم دول العالم ولدول العالم الثالث بشكل خاص، التي جعلت من نفسها منذ فترة طويلة محامي تغيرات عميقة كانت تريد إدخالها إلى البنية وإلى سير عمل هذه المؤسسة، فقد أعلنت قمة عدم الانحياز الأولى عام 1961 " أن البلدان المشتركة ترى أن من المحتم على الجمعية العامة للأمم المتحدة نتيجة إعادة النظر في الميثاق أن تحل مسألة زيادة عدد أعضاء مجلس الأمن والمجلس الاقتصادي الاجتماعي، لكي يكون تأليف هذين الجهازين الفائقي الأهمية وأعمالهما متوافقة مع حاجات المنظمة ومع العدد المتزايد لأعضاء الأمم المتحدة"(۱)، وهو الموقف الذي مافتئ يزداد قوة مع الزمن.
وفي الجانب الآخر فإن بعض الدول الغنية تقدمت باقتراحات تحاول من خلالها استعادة موقع تفوقها الذي خسرته جزئيا، وغيرها من الاقتراحات التي أتت من داخل المنظمة الدولية، التي أطلقها مورس بيرتزان عام 1985، بعد أن قضى سبعة عشر عاما في الجسم المشترك للتفتيش في منظمة الأمم المتحدة في جنيف من خلال تقرير بعنوان مساهمة في تفكير حول إصلاح الأمم المتحدة، كما أعلن خافيير بيريز ديکوييار الأمين العام (الأسبق) للأمم المتحدة، أن مما هو ضروري إعدادات وبناءات مكملة وتدميرات لأجزاء غير متكيفة لكي تستبدل بها الأكثر جدة وعصرنه ووظيفية، إن الأمر إذن يتعلق بإصلاح في العمق للمؤسسة الموجودة (1)، وكذلك ما جاء في تقرير للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان البند 20 بعنوان مجلس الأمن :
ظل الفريق العامل المفتوح بالعضوية، الذي أنشأته الجمعية العامة لبحث إصلاح مجلس الأمن يعمل لقرابة عقد من الزمان، ومع ذلك يبدو أن الاتفاق على صيغة تسمح بزيادة عضوية المجلس مازالت تحير الدول الأعضاء،ففي نظر معظم العالم يبدو حجم تكوين مجلس الأمن لا يمثل على نحو كاف الدول الأعضاء، وتساهم أوجه القصور الملحوظ في مصداقية المجلس، في تآكل سلطته ببطء ولكن بثبات، بما يترتب عليها بالتالي من آثار على السلم والأمن الدوليين، وهكذا لن يكون إصلاح الأمم المتحدة مكتملا دون إصلاح مجلس الأمن" (۲).
كما أن هناك ثمة آراء تدعو لأن تكون الأمم المتحدة حكومة فوق الحكومات، تقوم بتحديد ومراقبة مستويات التسلح، فيما تركز آراء أخرى على حقوق الإنسان ونزاهة الانتخابات، والتفتيش على الأسلحة النووية، وتعارض الصين وعدد كبير من دول الجنوب ذلك باعتباره تدخلا في شؤونها الداخلية يتعارض ومبدأ الاستقلال والسيادة الوطنية التي قامت الأمم المتحدة على أساسه ومن أجل حمايته بالطرق السلمية(1).
وفي ذلك يقول مورس بيرتزان: يعلم كل واحد أن فكرة البرلمان العالمي، وحتى الاستشاري هي اليوم طوباوية، بمقدار فكرة حكومة عالمية، وهناك أسباب وجيهة لها، فليس في نية الحكومات الوطنية على الإطلاق التخلي عن امتیازاتها في السيادة، فأكثر من نصف بلدان العالم ليس له برلمان، والأنظمة والأيديولوجيات السياسية مختلفة جدا، وهذا ينطبق على كون مسألة تمثيل الشعوب التي باسمها وضع ميثاق الأمم المتحدة، "نحن شعوب الأمم المتحدة.." وهي الكلمات الأولى التي بدأت بها ديباجة ميثاق الأمم المتحدة، هي مسألة تستحق أن تطرح وأن يتم تفحصها بدقة(2).
وعلى مستوى آخر فإن أغلب المقترحات الخاصة بتوسيع صلاحيات الأمم المتحدة تستهدف أساسا مجلس الأمن وتهمل صلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وعملية توسيع صلاحيات مجلس الأمن لا تخلو من إشكالية الصدام والخلاف مع مؤسسات وآليات أخرى اعتمدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فبعض قرارات مجلس الأمن تعتبر تدخلا صريحا في مهام وسلطات محكمة العدل الدولية، أي أن توسيع صلاحيات مجلس الأمن جاء على حساب مهام مقررة وصلاحيات مأخوذ بها من منظمات وآليات دولية ما تزال قائمة، ويفترض أن تعمل في إطار الشرعية والقانون الدولي(3).
وفي حين ينادي جانب من فقهاء القانون الدولي العام برفض فكرة إبقاء حق الاعتراض(الفيتو) ضمن الميثاق، كونه لا يستند إلى أي مبرر قانوني، ناهيك عن أنه يضعف من فاعلية الأمم المتحدة، لأمر الذي يتعين معه تعدیل ميثاقها للتخلص منه(1).
فإن الأمر يبدو مختلفا بالنسبة للدول الطامحة لاستعادة دورها، أو التي ترى أن لها الحق في أن تكون ضمن الكبار عبر حق الاعتراض في مجلس الأمن، ليزداد التنافس بين تلك الدول والتجمعات الإقليمية حول الحصول على مقعد دائم مع حق الاعتراض(الفيتو) في مجلس الأمن.
وينضم وزير خارجية ألمانيا (1998-2005) يوشكا فيشر في خطابه أمام الجمعية العامة عام 2004 في دورتها التاسعة والخمسين إلى الساعين إلى التواجد في مجلس الأمن على ما يعتبره إصلاح الأمم المتحدة، ذلك أنه يرى " أن اكتمال الإصلاح لا يتأتى إلا من خلال تمثيل المجلس منظمة الدول التي يبلغ تعدادها 191 عضوا تمثيلا أكثر شمولا فيما يخص الأعضاء الدائمين وغير الدائمين".
كما يجب أن يكون تشكيل المجلس مطابقا للحقائق السياسية الجغرافية في الوقت الراهن، فألمانيا ترى " أن تكون جميع الأقاليم في الجنوب ممثلة كأعضاء دائمين في مجلس الأمن، وفي الوقت نفسه يجب الأخذ في الاعتبار هؤلاء الأعضاء الذين يستطيعون ويرغبون في القيام بدور فعال بوجه خاص وطويل الأجل، في ما يتعلق بحفظ السلام العالمي والأمن الدولي، وألمانيا مستعدة في ذلك مثل البرازيل والهند واليابان في أن تتحمل المسؤولية المرتبطة بمقعد دائم"
وفي محاولة لكسب دعم وتأييد القارة الأفريقية إلى تلك الرؤية يقول يوشكا فيشر" ومن الأمور البالغة الأهمية أن تكون القارة الأفريقية ممثلة ضمن الأعضاء الدائمين الجدد"،
كما يحاول في الوقت نفسه كسب أكبر عدد من الدول الأخرى بالقول " ينبغي مراعاة أن يكون في مقدور عدد أكبر من الدول الأعضاء المشاركة في الأمم المتحدة، أن يسهم في عمل مجلس الأمن بدرجة أكبر، ولذلك فإن الأمر يتطلب إيجاد عددا إضافيا من المقاعد الدائمة، وذلك بنفس النسبة بين عدد الأعضاء الدائمين والأعضاء غیر الدائمين"(۱).
ولذلك فإن مجموعة الأربع المكونة من البرازيل وألمانيا والهند واليابان، تطالب بستة مقاعد دائمة في مجلس الأمن من بينها مقعدين إلى أفريقيا، وهذا المطلب يتقاطع مع المشروع الأفريقي الذي يطالب بمقعدين دائمين وخمسة مقاعد غير دائمة، ذلك أن مجلس الأمن في صورته الراهنة، كما يرى الاتحاد الأفريقي يعكس صورة العالم منذ ستين عاما، في حين أنه يجب أن يعبر عن الواقع الحالي(2).
وفي هجوم مضاد تقوم به الدول الدائمة العضوية، وهو يأتي أيضا في سياق ممارستها نوعا من الإرهاب السياسي للضغط على مجموع الدول التي تسعى للنيل من امتياز الاعتراض(الفيتو)، كونه يمثل عنوانا صارخا على غياب المساواة، تروج تلك الدول الفكرة دعم وتطوير قمة الدول الصناعية السبع مع إضافة روسيا واستخدام تلك القمة كبديل عن الأمم المتحدة أو كمجلس لإدارة العالم، يعلو منظمة الأمم المتحدة(3).
وتعارض مجموعة مصلحية أخرى من دول الجنوب والشمال تلك المقترحات المقدمة من مجموعة الأربع، لسبب وحيد أنها تتجاوزها، ليصبح الأمر أكثر تعقيدا وصعوبة في ظل الممانعة التي تبديها الدول الدائمة العضوية على مديات التوسيع في مجلس الأمن، وأيضا على الدول المرشحة بعينها لدخول المجلس.
فالولايات المتحدة الأمريكية رفضت مسودة القرار الذي تقدمت به مجموعه الأربع، التي تطالب فيه بإدخال تغييرات جذرية على مجلس الأمن في الأمم المتحدة، ذلك أن الولايات المتحدة تدعو لضم عضوين آخرين أحدهما اليابان، لكن على أن لا يتمتعا بحق الاعتراض(1).
فيما ترى الصين ضرورة الالتزام بالتوازن الجغرافي ومراعاة التشكيلات الثقافية والحضارية المختلفة، لذلك يجب على كل مجموعة إقليمية التوصل إلى توافق بشأن مشروعات الإصلاح الخاصة، ويرى الجانب الصيني أن مبدأ التناوب وليس العضوية الدائمة الذي تدعو إليه بعض الدول يستحق أن يوضع موضع الاهتمام والدراسة(2).
ولعل المفارقة التي يعيشها الواقع الدولي، أنه إذا كانت بعض الدول تطمح في مجلس الأمن، فإن البعض الآخر قد اختزل تلك العضوية بتجريدها من امتياز الاعتراض وقصرها على العضوية الدائمة فحسب.
ومع ذلك فإن هناك تجاذبات تدور بين المجموعات الطامحة، حول أي الدول التي تستحق نيل العضوية الدائمة، وهذا التجاذب مستمر حتى داخل المجموعة الواحدة، وكذلك بين الأعضاء الدائمين حاليا وبين كل الدول، خاصة وأن أي تغيير في مجلس الأمن لابد وأن ينال موافقة الدول الخمس دائمة العضوية، إضافة إلى ثلثي أعضاء الجمعية العامة وعددهم193عضوا.
وفي ذلك يدور الصراع على مستوى التجمعات الإقليمية والدول، لتبرز بعض"التكتلات المصلحية" التي تضع نصب أعينها عضوية مجلس الأمن وحق الاعتراض دون النظر في التجربة البائسة لما أفرزته مسيرة مجلس الأمن على مدار أكثر من سبعة عقود من منح ذلك الامتياز للخمسة الدائمين.
وكان الحديث عن عدم المساواة الذي يقرره حق الاعتراض الذي ناضلت من أجل إزالته الدول طوال تلك الفترة قد حل محله لدى البعض من الدول، السعي من أجل تكريس عدم المساواة التي طالما نددت بها المجموعة الدولية ومنها هذه الدول الطامحة لمقعد دائم في مجلس الأمن، بین الأعضاء الدائمين وبقية أعضاء الأمم المتحدة، وهم يبحثون عن موقع يقرر شرط عدم المساواة، إن لجهة العضوية الدائمة أو حصول أيا منهم على امتياز الاعتراض(الفيتو).
ومع أن مبدأ التوسيع يكاد أن يكون هناك اتفاق غالب بشأنه، غير أن السؤال هو: إلى أي مدى سيكون هذا التوسيع؟ وهل سيرضي كل الأطراف؟ خاصة وأن الدول الدائمة العضوية لازالت تمسك بمفاتيح الحل، فإذا كانت الصين تدعو للتوسيع والتناوب والولايات المتحدة مع التوسيع ولكن بشكل محدود وبشروط مجافية، إلا أن تلك الدولتان تعارضان خطة المجموعات الأربع في التوسع وكل له أسبابه.
فالصين لا تريد أن تحصل اليابان على مقعد دائم في مجلس الأمن وتفضل أن يضم المجلس أعضاء دائمين من الدول النامية، فيما تؤيد الولايات المتحدة مسعى اليابان، لكنها ترى إضافة عضوين دائمين إلى المجلس ولكن دون "فيتو"، وفي المقابل تبرز مجموعة أخرى من الدول تضم باكستان والأرجنتين وكندا تعارض اقتراح مجموعة الأربع، فهذه المجموعة ترى أنه لا يجب أن يتضمن مجلس الأمن أي عضو دائم جديد، بل فقط أعضاء غیر دائمين، ودون اعتراض(۱).
كما تعارض إيطاليا من جانبها منح ألمانيا واليابان والهند والبرازيل مقاعد دائمة فقد حدد وزير الخارجية الإيطالي "إينزو مورافو" عام 2005 موقف بلاده من ذلك بالقول "إن قناعتنا بأن قبول أعضاء دائمين جدد لا يمثل إصلاحا حقيقيا لهيئة الأمم المتحدة، إن إصلاح الأمم المتحدة يتطلب الحصول على إجماع الدول التي تمثل القارات الخمس، مما يعطيها الشرعية "، ويضيف "لذلك أعتقد أن منح العضوية الدائمة لأربع دول فقط يضعف الهيئة الأممية".
وفي لقاء للوزير الإيطالي مع ممثلي۱۱۹عضو في الأمم المتحدة في نيسان/أبريل 2005 في نيويورك أكد على موقف بلاده الداعي إلى اعتماد مبدأ التداول على المقاعد التي ستترتب عنها عملية توسيع مجلس الأمن حتى يعتبر أكثر تمثيلا وديمقراطية(2).
أما الموقف الأفريقي الذي يشكل أهمية خاصة لدى جميع الدول، فإن وزير الدولة للشؤون الخارجية الجزائري، قد أكد على أن الجزائر تتمسك بثبات بمخطط التوسيع لمجلس الأمن، مع الأخذ في الاعتبار "معايير الديمقراطية والإنصاف التي لامناص منها " ذلك أن تصريح هراري قد كرس مبدأ هاما بالنسبة للبلدان الأفريقية، "وهو مبدأ التداول الذي مكنها دوما من ممارسة مهمة تمثيل القارة والحفاظ على وحدتها وتلاحمها الضروريين، كما أن هراري كرست مطلبا ثانيا يتمثل في منح أفريقيا مقعدين دائمين في مجلس الأمن مع حق الفيتو، وخمسة مقاعد غير دائمة"(1).
ومع ذلك يبدو أن هناك تباينا في مواقف الدول الأفريقية في كيفية توزيع المقاعد على دول القارة، بموجب خطة مجموعة الأربع، فهناك العديد من الدول التي تطمح في العضوية الدائمة منها جنوب أفريقيا، ونيجيريا، وأنجولا، ومصر، وليبيا، وغامبيا، والسنغال(2).
وفي ظل هذا التنافس المشروع حاولت الدول الأفريقية أن تتجاوز فخ الاستقطاب، إلى محاولة تأكيد وترسيخ قواعد قانونية عامة، بأن تكون المقاعد الدائمة المخصصة لأفريقيا في مجلس الأمن الدولي باسم الاتحاد الأفريقي وليس لدولة أفريقية بعينها(3).