المنسي.. هو ذاك الذي سقط من الذاكرة و سكن الوجدان.
المنسي ، أسم غريب وعنوان لافت، يضع القارئ منذ الوهلة الأولى أمام سطوة السؤال، بل يحاصره بالكثير منها، أسئلة أراد لها الكاتب أن تناوش فكرنا.. ضمائرنا والوجدان فينا، وأن نفتش لها عن إجابات، ربما ضلت الطريق إلينا أو العكس، وسط هذا الزخم الهائل من الأحداث التي تعصف بنا من كل حدب، وتقض مضجعنا في كل حين، حتى ضاعت الرؤى منا وتاهت بنا السبل، فالتبست علينا الكثير من الأشياء واختلطت المسائل أمام تجاذبات الواقع المرير و سيل الفتاوى والآراء والأفكار، التي امتزج فيها الغث بالسمين، حتى نسينا أو أُنسينا أشياء كثيرة في زحمة اللغط الحادث والضياع الذي نعيش ويراد له أن يستمر، في زمن صار فيه النسيان مطلوبا لأشياء بعينها، أشياء شكلت ومازالت إرثا مقدسا في الوجدان الجمعي للأمة وما زالت.
فالفلسطيني " المنسي " الذي سقط من الذاكرة الجمعية للأمة، بعدما كان جمرة توهجها واشتعالها، لم يسقط من الوجدان، فإن شاخت الذكرة أو أصابها الزهايمر ، فإن الوجدان مازال حيا نابضا بكل ما فيه من مشاعر والعكس صحيح، فالمنسي الذي أريد له أن يسقط من الذاكرة ويظل حبيس منفاه، مازال على العهد باق، منتميا لأمته.. ملتصقا بها كالتصاق البلازما في الدم والروح في الجسد، يعيش همومها وآلامها بنفس الوجع الذي يعيشه في منفاه، الذي يراد إسقاطه من الذاكرة أيضا، حتى يصير منسيا كصاحبه أو بلا عنوان.
في روايته الجديدة " المنسي " والتي تقع في مئة وسبعين صفحة من القطع المتوسط و التي صدرت حديثا عن دار " كل شيء " بحيفا، يضعنا غريب عسقلاني أمام ذلك المنسي كما لو أننا أمام مرايانا، نغوص في دواخله كما لو كنا نغوص في دواخلنا، نعيش آلامه.. آماله.. أحلامه ..هفواته ..نزواته، ما ظهر منها وما بطن، يحملنا على أجنحة البوح الذي يباري الشعر في ومضه وبريقه، بل ويتخطاه في فعل الدهشة التي يثيرها في النفس وما يتركه من أثر، حتى أنك لتشعر في بعض المواضع، بأنه يمسك بتلابيبك لتتبعه منقادا إلى حيث أراد وأنت مسلوب الإرادة، محبوس الأنفاس، في "المنسي " تخطى غريب عسقلاني الكثير من المألوف والمتعارف عليه في عالم الرواية وربما تخطى نفسه في أعماله السابقة.
فمن خلال تكنولوجيا العصر " الفيس بوك " حملنا غريب على أجنحة القص، الممتد في هذا العالم الوهمي من غزة إلى تونس، حيث البطلة التي تشاركه الهم على الطرف الآخر من الحكاية وعبر أمكنة اتسعت لتشمل العديد من البؤر الواقعة في المنتصف، طاف بنا على فصول الحكاية، التي هي حكايتنا جميعا، بكل ما فيها من تشابكات ، سياسية.. عاطفية ..اجتماعية وبكل ما فيها من منغصات وآلام، فما بين عالم وهمي ..افتراضي وآخر مواز، سرب إلينا فصول الحكاية، تارة بما هو ملموس معاش وأخرى بما هو فنتازي اجترحه الخيال وثلاثة بما يجري ويدور في كل نفس، فتشابك الزمان والمكان وتقاطعا ضمن رؤيته هو للنص ولم يخضع لفتنة النص أو سطوته، أو حتى المألوف والمتعارف عليه في البناء الروائي، حيث كان ألا مألوف هو السائد ..هو السمة المميزة، سواء كان ذلك في البناء والتكنيك أو اللغة المستخدمة.
غريب عسقلاني قدم في هذا العمل الجميل شكلا جديدا من أشكال التجريب أو الحداثة إن شئت ، طرح رؤاه ، ناقش الظواهر السياسية والاجتماعية السائدة، تعرض للعواطف والغرائز، تعرض لما نبدي وما هو مخفي أو مسكوت عنه، بلغة مختلفة وبنية روائية مغايرة, ووضع بين أيدينا تحفة فنية تستحق الكثير من الدراسة