المتابع لتاريخ العلاقات بين القاهرة والرياض ، يجد أن العلاقات المصرية السعودية تمتاز بمجموعة من الخصائص التي تميزها عن غيرها من العلاقات بين الدول الأخرى ، فهي علاقات ثابتة ، وراسخة , بين دولتين من اكبر وأهم دول منطقة الشرق الأوسط ، نظراً لمستوي التكامل السياسي والاقتصادي العسكري والاستراتيجي بين الرياض والقاهرة على مدار السنوات الماضية . فالدعم السعودي لمصر سياسياً واقتصادياً وعسكرية لم يتوقف طوال فترة الحروب التي خاضتها مصر في مواجهة إسرائيل ، وخيرا دليل على ذلك ، هو الموقف السعودي القوي أثناء حرب أكتوبر عام 1973، عندما قرر الملك فيصل وقف تصدير البترول للولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية التي تدعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً ، مما ساهم هذا الموقف البطولي في سرعة انتهاء المعارك العسكرية وإجبار الولايات المتحدة الأمريكية على الضغط على إسرائيل بالقبول بوقف إطلاق النار ، خصوصاً بعد حصار الجيش الثالث المصري الميداني ، الأمر الذي يعتبر دليل على قوة العلاقات المصرية السعودية في ظل الأزمات والتحديات .
لذلك تميزت هذه العلاقات بالثبات والاستقرار ، وعدم التنافس السياسي والعسكري والتكامل في كثيرا من الأوقات ، خصوصاً في ظل الأزمات التي تعرضت لها المنطقة العربية ، مثل احتلال العراق للكويت عام 1991م ، والاجتياح الأمريكي للعراق 2003 ، ومروراً والحرب على الإرهاب ، فخلال هذه الأزمات كان الموقف المصري والسعودي متطابق إلي حد كبير ، نظراً لكثرة التشاور والزيارات بين البلديين على المستوي الرسمي والشعبي.
ولقد امتازت العلاقات السعودية المصري في عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بنوع من الثبات والاستقرار ،ولم يعكر صفوها أي شائبة ، نظراً لتطابق المواقف السياسية والعسكرية بين البلدين .
ومع بداية الريع العربي دخلت العلاقة بين مصر والسعودية مرحلة جديدة ، خصوصاً بعد صعود الإخوان المسلمين سلم النظام السياسي المصري وتولي الرئيس محمد مرسي مقاليد الحكم في مصر ، وخلال هذه الفترة تميزت العلاقات المصرية السعودية بنوع من الحزر والقلق والفتور أحياناً ، نظراً لان السعودية كانت تنظر لحركات الإسلام السياسي ، وخصوصاً جماعة الإخوان المسلمين بنوع من الخطر الداهم على النظام السياسي السعودي بشكل خاص ،والخليجي بشكل عام ، وذلك بعد سقوط النظام التونسي والمصري والليبي على يد الحراك الشعبي ، الذي استفادت منه جماعة الإخوان المسلمين ، نظراً لكونها أكبر جماعة منظمة سياسياً ، ولديها ارتباطات إقليمية ودولية وتسعي لتولي مقاليد الحكم في الدول العربية .
ومع سقوط الإخوان المسلمين ، وعزل الرئيس مرسي ، انتقلت العلاقات المصرية السعودية إلي مرحلة أخرى" أواخر عهد الملك عبد الها " ، تقوم على أساس مواجهة جماعات الإسلام السياسي و تقديم الدعم المالي والاقتصادي والسياسي والدبلوماسي والعسكري ، للنظام الجديد ، المدعوم من المؤسسة العسكرية ، بعد ثورة 30 يونيو 2013م ، التي أطاحت بحكم الإخوان المسلمين بمصر ، ونقلتهم من القصور إلي السجون .
وبعد وفاة الملك عبد الله ابن عبد العزيز ( رحمه الله ) وتولي الملك سلمان مقاليد الحكم في المملكة العربية السعودية ، حدث تبدل وتغير في أولويات السياسية الخارجية السعودية ، من مواجهة جماعات الإسلام السياسي " التي لم تعد تشكل خطراً على النظام السياسي العربي " ، إلي التصدي للتمدد الشيعي في المنطقة ، خصوصاً بعد سيطرة جماعة الحوثي بتواطؤ من الرئيس اليمني المخلوع على عبد الله صالح على العاصمة اليمينية صنعاء ،وسيطرتهم على مخازن السلاح الأمر الذي يعتبر تهديداً للأمن القومي السعودي والخليجي بشكل عام ، لذلك استشعرت السعودية الخطر من تمدد المشروع الإيراني في الحديقة الخلفية للعربية السعودية ، لذلك سارعت المملكة العربية السعودية لطلاق عملية عاصفة الحزم العسكرية ، ضد جماعة الحوثي وقوات صالح ، التي بدأت تحقق مكاسب سياسية وعسكرية على الأرض ، خصوصاً بعد تحرير مدينة عدن الإستراتجية من يد الحوثيين وقوات صالح .
وتسعى إلي الرياض تشكيل جبهة عربية عريضة بهدف مواجهة المد الشيعي في المنطقة ، خصوصاً بعد توقيع إيران الاتفاق النووي مع الغرب ، وقرب رفع الحصار المالي والاقتصادي على طهران ، الأمر الذي من الممكن أن يطلق يد إيران في المنطقة ، خصوصاً بعد حصولها على المليارات الإيرانية المجمدة في البنوك الأجنبية .
ولمواجهة هذا التمدد الإيراني ، تحاول السعودية تكوين هذا التحالف السني ، بين عدد من الدول والجماعات الإسلامية المعتدلة الأمر الذي احدث خلاف في وجهات النظر بين القاهرة والرياض ، خصوصاً بعد زيارة وفد حركة حماس لمكة المكرمة ،والتقارير الإعلامية والسياسية التي تحدثت عن تقارب سعودي إخواني حمساوي ، قد يكون بديلاً عن العلاقات المصرية السعودية .
إلا أن زيارة الأمير محمد بن سلمان ، ولي ولي العهد ،وزير الدفاع السعودي ، تشكل نقطة تحول كبيرة في تاريخ العلاقات السعودية المصرية ، في ظل التحديات الكبيرة والكثيرة التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط بشكل عام ،والقاهرة والرياض بشكل خاص نظراً لان القاهرة والرياض هما العاصمتان العربيتان الباقيتان من مربع الأمن القومي العربي ، بعد خروج بغداد دمشق خلال الفترة الماضية .
لذلك يأتي إعلان القاهرة " وحديث الرئيس السيسي عن قوة العلاقات بين القاهرة والرياض " لكي يرسل رسالة قوية لكل الإطراف ، المحلية والإقليمية و الدولية وبأن ما يجمع القاهرة والرياض هو اكبر وأكثر مما يفرقهم ، وان القاهرة والرياض جاهزتين لمواجهة التحديات السياسية والعسكرية والأمنية التي تفرضها تطور الأحداث ، وان امن الرياض ودول الخليج هو أمن قومي مصري ، حيث أكد إعلان عن القاهرة المواقف السياسية التالية :
اِنطلاقًا من العلاقات الوثيقة والراسخة التي تربط جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وأخيه فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، فقد قام صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود بزيارة إلى جمهورية مصر العربية تلبية لدعوة كريمة من فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم الخميس 14/10/1436 هـ الموافق 30/7/2015.
وقد عقد فخامته اجتماعًا مع سموه، حيث نقل سموه تحيات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية إلى أخيهما فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، وجرى بحث مجمل العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين وسبل تعزيزها وتطويرها في كل المجالات، كما تم بحث المستجدات في المنطقة وآخر التطورات على الصعيد الإقليمي، حيث أكد الجانبان حرصهما على بذل كل الجهود لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة والعمل سويًا على حماية الأمن القومي العربي، ورفض محاولات التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية.
وبناءً على توجيه خادم الحرمين الشريفين وأخيه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي فقد اتفق الجانبان على وضع حزمة من الآليات التنفيذية في المجالات التالية:
1. تطوير التعاون العسكري والعمل على إنشاء القوة العربية المشتركة.
2. تعزيز التعاون المشترك والاستثمارات في مجالات الطاقة والربط الكهربائي والنقل.
3. تحقيق التكامل الاقتصادي بين البلدين والعمل على جعلهما محورًا رئيسيًا في حركة التجارة العالمية.
4. تكثيف الاستثمارات المتبادلة السعودية والمصرية بهدف تدشين مشروعات مشتركة.
5. تكثيف التعاون السياسي والثقافي والإعلامي بين البلدين لتحقيق الأهداف المرجوة في ضوء المصلحة المشتركة للبلدين والشعبين الشقيقين، ومواجهة التحديات والأخطار التي تفرضها المرحلة الراهنة.
6. تعيين الحدود البحرية بين البلدين.
7. ويتطلع الجانبان إلى التنفيذ الكامل لما تقدم في إطار من التواصل المستمر والتنسيق على أعلى المستويات بين البلدين، اللذين يمثلان جناحي الأمة العربية والإسلامية، ويعملان معًا من أجل ضمان تحقيق الأمن القومي العربي والإسلامي واستمرار ازدهارهما.
إن التحديات التي تواجه القاهرة والرياض وباقي الدول العربية هي كبيرة وكبيرة جدا ، خصوصاً في ظل التطورات السياسية والإستراتيجية والتي تتصارع أحداثها في المنطقة يوماً بعد يوم ، لذلك يجب على الدول العربية الاتفاق على موقف عربي موحد يشكل قاعدة ارتكاز للعمل العربي المشترك ،ويكون مقدمة لتحقيق الأمن القومي العربي على كافة المستويات ...