تاريخ النشر: 2017-06-26 | 14:00
تاريخ النشر: 2017-06-26 | 14:00
يسيرُ الكعناني الأسمرُ في أسواق المدينة العنيدة الثائرة ، لا كهرباءَ تنير الشوارعَ بل إيمانٌ محمدي و صبرٌ أيوبي .. يتصارع في صدره البشريُّ و الأسطوريّ ، أدمت الحروبُ ظهرَه العصي على الإنكسار و أثقل الحصارُ الحملَ على كتفيه اللذين لا تحنيهما الريح العاصفة ، عيناه ممتلئتان بالأسى و قلبه عامرٌ بالجلَد .. ملامحه الدقيقةُ ليست إلا ملامح مخيم اللجوء واسع البصيرة برغم ضيق أزقته .. تراه مبتسمًا فتقول لنفسك كيف يقدر على احتراف المعجزة ! و تراه عابسًا فتخال أمامك معسكرات المقاومة المسلحة تمنع جنود الإحتلال من التقدم شبرًا واحدًا .
في جيبه الأيسر ما تكوم من فواتير الكهرباء و المياه و الاتصالات و غيرها ، لقد أغلقوا عليه الدنيا من جهاتها الأربع .. هو يحب العمل مثل جده كنعان تمامًا لكنه و برغم حصوله على أرقى الدرجات العلمية فإن العمل صار نادرًا غاليًا كمناجم الذهب أو كآبار النفط التي أكرم الله بها أمته , و في جيبه الأيمن صورةُ شقيقه الشهيد الفادي ، الذي عرض جسده لقذيفة المدفعية و هو يهرّب طفلين عن ساحة المعركة لتظلّ روحه القدسية ترافقهما طيلة حياتهما .. ما أقسى هذا الصراع و ما أشد وطأته ! مُحارَبٌ في لقمة عيش أطفاله و مُطالَبٌ بحمل القنديل الذي سوف يضيء ليل الأمة المعتم يومًا ما !
غزة .. مدينة هاشم جد النبي ، كرومها الخضراء متاريس عاصمة و بحرها الحنون خندقٌ مانع متين .. شبابها بارودٌ و شيوخُها تلاميذُ أيوبَ النبي و نساؤها ياسمينٌ شاميّ منثورٌ في قوافل تشييع الشهداء .. ترابُها نموذج من تراب الجنة و سماؤها خيمةٌ تقي أهلها المتعبين الشرفاء حرّ الجنون و بردَ المذلة .
أيها السادة الكرام .. إذا فرحتم بالعيد فاعلموا أن لكم أهلاً في فلسطين يفرحون لفرحكم .. بل إنهم يجعلون أرواحهم قربان عيشكم بكرامة .. هم الكف في وجه المخرز و الصدرُ العاري في وجه آلة الحرب المدججة بالشرّ .. يكفي أن تثقوا بهم و تبايعوهم حراسًا لراية القيامة فإنهم يحبونكم و ينقلون لكم بصوتِ طفلة (ودّعت أمها التي نهش السرطانُ عمرها و هي تنتظر على بوابات المعبر) : أيها العرب .. أيها المسلمون : كل عام و أنتم بخير.