الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

اغتيال رجال الشرطة واستراتيجية الفوضى

اغتيال رجال الشرطة واستراتيجية الفوضى

تاريخ النشر: 2026-07-26 | 09:36

محمد مصطفى شاهين
محمد مصطفى شاهين

ليست جريمة اغتيال رجل الشرطة في قطاع غزة حادثة أمنية معزولة يمكن إدراجها في سجل الجرائم اليومية التي ترافق الحرب بل هي رسالة سياسية وأمنية مركبة تستهدف بنية المجتمع قبل أن تستهدف الفرد وتستهدف فكرة الأمن قبل أن تستهدف رجل الأمن، فحين يصبح الشرطي هدفا مباشرا فإن المقصود ليس إزهاق روح إنسان فقط وإنما ضرب الحلقة التي تحفظ النظام العام وتحول دون انزلاق المجتمع إلى الفوضى، وفي علم الصراعات فإن إسقاط المؤسسات يبدأ دائما بإضعاف أدواتها التنفيذية لأن انهيار الأمن يسبق في الغالب انهيار السياسة.

إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي في هذه الجريمة في وقت يفترض أن تعيش فيه غزة حالة هدنة يفترض بها وفق القانون الدولي الإنساني أن تخفف من معاناة المدنيين وأن تقلص دائرة الاستهداف، غير أن استمرار عمليات الاغتيال يثبت أن الهدنة تحولت إلى إطار شكلي بينما بقيت الاغتيالات والقصف والتهجير هي اللغة الحاكمة على الأرض حتي اصبحت قوات الاحتلال تسيطرعلى مايزيد عن ٧٠٪من غزة وهذا التناقض يثير أسئلة قانونية وأخلاقية حول جدوى أي اتفاق لا يحترم التزاماته ولا يوفر الحد الأدنى من الحماية للمدنيين وللعاملين في حفظ النظام العام.

من الناحية الأمنية فإن استهداف رجال الشرطة يحمل أهدافا تتجاوز البعد التكتيكي فالشرطة ليست قوة عسكرية تخوض المعارك على خطوط المواجهة وإنما مؤسسة تضبط الأمن الداخلي وتحمي الممتلكات وتنظم حركة المجتمع وتؤمن المساعدات وتحافظ على السلم الأهلي. وعندما يتم استهداف أفرادها فإن الرسالة المقصودة هي إضعاف قدرة المجتمع على إدارة نفسه وخلق فراغ أمني يسمح بتوسيع حالة الاضطراب وإشاعة الخوف وإرباك الحياة اليومية.

هذه السياسة ليست جديدة في تاريخ الصراعات فقد ارتبطت في كثير من التجارب باستراتيجية الفوضى المنظمة التي تقوم على إنهاك المجتمع وإفقاده الثقة بمؤسساته حتى يصبح أكثر قابلية للانهيار وأكثر استعدادا لقبول الوقائع التي تفرضها القوة المحتلة ومن هنا فإن اغتيال رجل الشرطة لا يمكن عزله عن سياق أوسع يسعى إلى تفكيك البنية الإدارية والأمنية في غزة وإبقاء القطاع في حالة إنهاك دائم تمنع أي استقرار أو تعاف.

أما من الزاوية القانونية فإن استهداف الأجهزة المكلفة بحفظ النظام العام خلال الهدنة يطرح إشكالية تتعلق باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني ومبدأ التناسب والتمييز، فالقاعدة الأساسية في النزاعات المسلحة تفرض تجنب الأعمال التي تؤدي إلى الإضرار غير الضروري بالمدنيين وبالمرافق التي تخدمهم وعندما يؤدي اغتيال الشرطي إلى إضعاف حماية السكان فإن الضرر لا يتوقف عند حدود الضحية بل يمتد إلى المجتمع بأسره.

إن الجانب الإنساني في هذه الجريمة لا يقل أهمية عن بعدها السياسي فالشرطي الذي خرج من منزله لم يكن يبحث عن معركة شخصية ولم يغادر أطفاله سعياً إلى مجد فردي لقد خرج لأنه يحمل مسؤولية حماية الناس وتنظيم حياتهم وسط ظروف هي من الأصعب في التاريخ الفلسطيني المعاصر ترك أبناءه وهم ينتظرون عودته كما ينتظر آلاف الأطفال آباءهم كل يوم لكنه عاد إليهم شهيداً بعدما دفع ثمن أداء واجبه وهنا تتجلى المأساة الحقيقية حين يتحول أداء الواجب إلى حكم بالموت وتتحول الأسرة إلى ضحية أخرى تضاف إلى سجل الألم الفلسطيني.

إن المجتمع الذي يفقد رجال أمنه في أثناء قيامهم بواجبهم لا يخسر أفرادا فقط بل يخسر خبرات وتراكما مؤسسيا وشعورا عاما بالاستقرار ولذلك فإن استهداف الشرطة لا يهدد المؤسسة الأمنية وحدها بل يهدد الحياة المدنية بكل تفاصيلها ويؤثر في قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات وعلى حماية ممتلكاتهم وعلى الشعور بأن هناك من يسهر على أمنهم.

سياسيا تكشف هذه الجريمة أن الصراع لم يعد يستهدف القدرات العسكرية وحدها بل امتد إلى كل ما يمثل عناصر الصمود المجتمعي فالمدرسة والمستشفى ورجل الإسعاف ورجل الشرطة أصبحوا جميعا جزءا من دائرة الاستهداف وهذه مقاربة تعكس محاولة لإعادة تشكيل البيئة الاجتماعية عبر الضغط الإسرائيلي المستمر وإضعاف كل مؤسساتها الحيوية.

إن المطلوب اليوم لا يقتصر على بيانات الإدانة بل يتطلب تحركا قانونياً ودبلوماسيا جادا لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم من قادة الاحتلال وضمان احترام قواعد الهدنة والالتزام بأحكام القانون الدولي كما أن حماية رجال الشرطة والعاملين في المؤسسات المدنية ليست مطلباً فلسطينياً فحسب بل مسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي الذي تعهد بحماية المدنيين في أوقات النزاعات.

وفي النهاية فإن اغتيال الشرطة لن ينجح في كسر إرادة المجتمع ولن يصنع أمنا قائما على الخوف فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي تتمسك بمؤسساتها وتواصل أداء واجبها رغم الجراح تمتلك قدرة أكبر على الصمود من كل مشاريع الفوضى، وسيبقى الشرطي الذي خرج من بيته حاملاً مسؤوليته الوطنية والإنسانية شاهدا على أن حماية الناس ليست وظيفة عابرة بل رسالة قد يدفع أصحابها حياتهم ثمنا لها.

×
أخبار
تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط