استؤنفت في القاهرة المفاوضات غير المباشرة بين الوفدين الإسرائيلي والفلسطيني عبر الوسيط المصري للتوصل إلى تثبيت التهدئة ووقف اطلاق نار طويل الأمد، وسط مخاوف إسرائيلية من عودة تجدد القتال، في حال استمرار الجمود، ولم يتم البدء بعملية إعادة اعمار قطاع غزة وفتح المعابر.
على أن هذه المفاوضات تجري في ظل سيادة أجواء من التشاؤم في الأوساط الفلسطينية والعربية عموماً لما ستقود إليه في ضوء التجربة مع الكيان الصهيوني الذي يتقن فن المراوغة والمماطلة لإجهاض المفاوضات، وبالتالي التملص من تطبيق ما وافق عليه من مطالب فلسطينية مقابل وقف القتال بعد 51 يوماً من العدوان الصهيوني الذي شن على القطاع من دون أن يتمكن من تحقيق أي من أهدافه العسكرية والسياسية المضمر منها والمعلن.
وما رجح هذه الأجواء التشاؤمية تصريح عضو الوفد الإسرائيلي المفاوض جلعاد عاموس من أن المحادثات حسب اتفاق القاهرة لم يحدد موعد لانتهائها، وقد تستغرق وقتا طويلاً، وعطفاً على ذلك توقع مسؤول إسرائيلي، حسب موقع « واللا» الإسرائيلي الالكتروني «مفاوضات صعبة في القاهرة، وأن إسرائيل ستصر بشدة على مطالبها الأمنية، وانه لم يتم تحديد جدول زمني للمحادثات».
كما يراهن الوفد الإسرائيلي في سعيه إلى الالتفاف على المطالب الفلسطينية على استمرار الخلاف بين حركتي فتح وحماس بشأن المسائل المتعلقة بتسلم السلطة الفلسطينية مقاليد الأمور في قطاع غزة، في حين تسعى لفرض أجندة تقوم على قاعدتين:
الأولى: رفض إقامة ميناء، ومطار في غزة.
الثانية: ربط السماح بدخول مواد البناء لإعادة الاعمار بوجود رقابة دولية وبعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة لمنع استخدام مواد الأعمار في بناء انفاق وتحصينات للمقاومة.
والاسئلة التي تطرح في ضوء ذلك هي:
هل ستنجح إسرائيل في ما تصبو إليه من التفاف على المطالب كما حصل أثر تفاهمات 2012؟.
أم أنها ستفشل في ذلك بسبب اختلاف الظروف، والمعطيات إسرائيلياً وفلسطينياً ودولياً ؟.
ـ وأخيراً ما هي أفاق هذه المفاوضات، هلل ستنتهي بالتوصل إلى اتفاق حول كل القضايا المطروحة، والتي لخصها عضو المكتب السياسي لحماس عزت الرشق بالاتي:
ـ تثبيت التهدئة.
ـ وقف اطلاق النار.
ـ إعادة بناء وتشغيل المطار والميناء.
ـ وقف كل الإجراءات العقابية التي فرضها الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة بعد 12 حزيران الماضي، ومنها الإفراج عن كل المعتقلين والأسرى صفقة وفاء الأحرار ورئيس وأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني؟.
أم يتجدد القتال، لان العودة إلى مرحلة ما قبل العدوان لا يمكن أن تقبل به حركات المقاومة، ولا الشعب الفلسطيني؟.
أولاً:الظروف والمعطيات التي تجري في ظلها المفاوضات، والتي لا يبدو أنها تصب في مصلحة إسرائيل.
1 - إسرائيلياً:
ـ المستوطنون الصهاينة في جنوب فلسطين المحتلة لا يؤيدون عودة القتال ويطالبون حكومتهم برئاسة بنيامين نتانياهو بتحقيق الأمن والهدوء في الجنوب من خلال تسوية سياسية مع الفلسطينيين وإنهاء الوضع غير المحتمل في غلاف غزة، ونظموا لهذا الغرض تظاهرة شارك فيها المئات منهم تحت عنوان « وقف الحرب القادمة».
وهذا العامل الأمني الضاغط على الحكومة الإسرائيلية كان من بين أهم العوامل التي أجبرها على القبول بمعظم مطالب المقاومة لوقف النار المؤقت وأكد عليه رئيس المجلس الإقليمي لمستوطنات شاعر هنيفيف ألون شوستر بالقول «نجحت حماس في مهمتها، التهديد وبث الرعب، تهديد الأنفاق بات ملموساً وأنتج تصدعا في المناعة داخل الوعي ومس في القدرة على امتصاص التهديد، وحين رأى السكان 13 مقاتلاً من حماس يخرجون من باطن الأرض تسبب ذلك بتصدع كبير».
ـ الجنرال احتياط داني روتشيلد رئيس معهد دراسات السياسة والإستراتيجية في مركز متعدد المجالات في هرتسيليا قال: «إن قلق مستوطنات الجنوب مبرر ولو كنت مكان رؤساء سلطات الجنوب لكنت قلقاً، وهناك خشية من تجدد قصف القذائف الصاروخية على مستوطنات الجنوب نتيجة للمماطلة في إعادة الأعمار وفتح المعابر».
ـ الرئيس السابق للشاباك عامي ايالون قال: «إسرائيل ستتمتع بالأمن عندما يكون هناك أمل لدى الفلسطينيين ولديهم بمفهومهم ما يمكن أن يخسروه».
ـ صحيفة هآرتس وعبر معلقها العسكري هرئيل حذرت من أنه «إذا طال الجمود، وتأخرت عملية إعادة البناء فانه من الممكن تجدد القتال»، مشيرة إلى إن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية قدمت توصيات للمستوى السياسي دعت فيها لتقديم تسهيلات لسكان قطاع غزة من منطلق إدراك ان إعادة الاعمار ضرورية لمنع تجدد القتال، وفضلاً عن ذلك تقديم تسهيلات على المعابر وتوسيع منطقة الصيد وخطوات أخرى».
ـ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، المتفاقمة على خلفية تكاليف الحرب، والتي تتبدى في زيادة العجز في الموازنة وخفض نفقات الوزارات المدنية لصالح زيادة موازنة الأمن وبالتالي فان العودة إلى حرب الاستنزاف يعني زيادة حدة هذه الأزمة.
ـ عدم وجود أفق لحسم المعركة عسكرياً يسهم أيضا في انسداد الخيارات أمام الحكومة الإسرائيلية.
ـ الصراع السياسي المحتدم بين أطراف الائتلاف الحاكم على خلفية الفشل في تحقيق أهداف الحرب.
هذه العوامل مجتمعة تجعل هوامش المناورة الإسرائيلية ضيقة، لاسيما على صعيد تزايد ضغط المستوطنين بتحقيق الأمن في الجنوب، في حين أن نتانياهو ليس لديه ما يبيعه لهم غير تامين الأمن، ومدخل ذلك ليس الذهاب إلى جولة قتال جديدة، وإنما الاستجابة للمطالب الفلسطينية لضمان عدم تجدد القتال.
2 ـ فلسطينياً:
ـ حركات المقاومة لا يمكن لها القبول بتثبيت التهدئة ما لم يتم الاستجابة لمطالبها الأساسية، وهي مستعدة للعودة إلى القتال وإلاّ ستفقد مصداقيتها الشعبية وتخسر كثيراً لأنها تكون قد فرطت بالانتصار العسكري الكبير من ناحية، وزاد الوضع الاقتصادي والاجتماعي سوءاً بالنسبة للشعب الفلسطيني من ناحية ثانية.
الشعب الفلسطيني يرفض تثبيت التهدئة إذا لم تؤدِ إلى إنهاء الحصار ووضع حد لمعاناته، وإعادة الأعمار.
ـ السلطة الفلسطينية لها مصلحة أيضا بتحقيق المطالب الفلسطينية لأنها تراهن من خلالها على العودة إلى قطاع غزة، أن كان عبر الإشراف على المعابر، أو على الميناء والمطار.
3 ـ الرباعية الدولية:
تدعم بوضوح إنهاء الحصار وإعادة الاعمار، وهي حذرت من أن أي تأخير في إعادة الأعمار يمكن أن يهدد الهدنة، في حين قال طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق، أن المساعدات للقطاع يجب أن تتجاوز مجرد اصلاح الدمار بل ان الأمر يتعلق بإحداث تغيير كبير ودائم وتوحيد غزة والضفة الغربية وفتح غزة على العالم، وعلى السلطة الفلسطينية بزعامة محمود عباس لعب دور قيادي في إعادة الاعمار بدعم شامل من المجتمع الدولي.
ثانياً:
هذه الظروف والمعطيات المذكورة آنفاً تؤشر إلى أن إسرائيل ليست في موقع مريح يمكنها من فرض شروطها، أو الالتفاف على ما تم الاتفاق عليه بل هي تفتقد لعاملين أساسيين طالما شكلا أساس قوة موقفها وهما:
ـ القدرة على تحقيق ما تريد على الأرض وفي المفاوضات وتماسك جبهتها الداخلية خلف الحكومة.
ثالثاً الافاق:
من الواضح أن المفاوضات محكومة بقلق إسرائيل من تجدد القتال، وقوة الردع التي تملكها المقاومة وتمكنت من فرضها خلال العدوان.
وهذان العاملان يجعلان إسرائيل غير قادرة على التفلت من تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من ناحية، ومضطرة إلى التوصل لاتفاق على كل المسائل الاخرى التي أجلت لهذه الجولة من المفاوضات من ناحية ثانية، ولهذا من غير الممكن عودة الوضع الى ما كان عليه قبل العدوان.
عن الوطن القطرية