تاريخ النشر: 2026-09-18 | 09:39
تاريخ النشر: 2026-09-18 | 09:39
مثل غالبية مواطني الدولة، لم أشاهد أنا أيضاً حتى الآن فيلم «نَازْأ». لكن، مثل أي شخص آخر، لديّ رأي أيضاً. ليس في الفيلم نفسه، وإنما في الضجة المتعصبة والمذعورة التي نشأت في إسرائيل في أعقاب عرضه، تقريباً من دون أن يتمكن أيٌّ من المعلقين من مشاهدته. وإلى حين مواجهة الشيء نفسه، يمكن على الأقل البدء في فهم ما يدور الحديث عنه استناداً إلى المقال الذي نشره في «هآرتس» رفيف دروكر، الذي شاهد الفيلم، والمقابلة التي أجراها دروكر في القناة 13 مع أحد المخرجين الإسرائيليين الاثنين، يوفال أبراهام. كما تحدثت مع أشخاص شاهدوا الفيلم كاملاً.
وكما حدث أكثر من مرة، يبدو أن رد فعل مذعوراً ومفرطاً حدث هنا من جانب المؤسسة السياسية والعسكرية، ومن جانب أجزاء كبيرة من الإعلام الإسرائيلي. أجد غريباً البيان الذي سارع رئيس الأركان، إيال زامير، إلى إصداره، والذي لم يكتفِ بالدفاع عن قواعد القتال في الجيش الإسرائيلي وإدانة المخرجين، بل أمر أيضاً بفتح تحقيق لتحديد هوية 24 جندياً وضابطاً، معظمهم من رجال الاستخبارات، أجروا مقابلات للفيلم من دون الكشف عن هوياتهم وبوجوه مظللة. ربما كان من الأفضل للجيش أن يلتزم بروح البيان الأولي للناطق باسم الجيش الإسرائيلي: المخرجون لم يتوجهوا إلينا أصلاً للحوار أو لطلب الرد قبل نشر الفيلم، ولم تتح لنا إمكانية مشاهدته، وبعد مشاهدة الفيلم سنفحص ما إذا كانت هناك حقيقة في الادعاءات التي أثيرت فيه.
ليس لدى الجيش الإسرائيلي ما يكسبه من مطاردة الساحرات وإسكات الأفواه. في المقابل، لا ينبغي الاستغراب من الغضب المقدس الذي تنفثه الحكومة والمتحدثون باسمها منذ فوز الفيلم بجائزة في مهرجان البندقية، ومن التصفيق المتحمس للجمهور لمدة 25 دقيقة. هذه فرصة مثالية لنتنياهو لتحويل النقاش مرة أخرى في منظومة الانتخابات من إخفاقاته وتقاعساته، التي سمحت بمجزرة 7 أكتوبر/تشرين الأول، إلى جانب الفشل الرهيب لأجهزة الأمن، نحو منافسة زائفة في الوطنية، يخسر فيها اليسار دائماً، ويُتهم دائماً بمساعدة العدو، بصرف النظر عن المواقف التي عبّر عنها رؤساء كتلة المعارضة في الواقع.
في الخلفية تقف مشكلة طويلة الأمد، تفاقمت في الحرب الحالية. النقاش الداخلي يتركز على مسائل الدعاية والأضرار المحتملة التي يسببها الفيلم لإسرائيل في العالم. أولاً، إذا كان الحديث بالفعل عن الدعاية، فإن الجزء الأكبر من الضرر تسببه التصريحات الجامحة التي أطلقها الوزراء وأعضاء الكنيست منذ المجزرة، وكذلك ملاحقة المخرجين الآن، وصولاً إلى الدعوات إلى إعدامهم علناً أو القيام بعملية «لينش» بحقهم. وثانياً، القصة الحقيقية هي ما يحدث في الواقع، وليس الطريقة التي يتم بها عرض هذا الواقع والتحدث عنه. وخلافاً لما قد يُفهم من كلام أبراهام لدى دروكر، لم تتجاهل كل وسائل الإعلام في إسرائيل ذلك. ففي «هآرتس» نُشرت تحقيقات مفصلة، أجراها كوبيفيتش، وبار بيليغ، وتوم ليفنسون وآخرون، عرضت نتائج قاسية بشأن الحرب، وبشأن الثمن الذي يدفعه أيضاً الجنود الذين شاركوا في أفعالها، وهو ما يساهم في ما يُسمى الآن «الإصابة الأخلاقية».
من كلام أبراهام، أيضاً في رده على الانتقادات الموجهة إلى الفيلم، يظهر خلط يبدو متعمداً بين الصحافة والتوثيق السينمائي والنشاط السياسي. ما هي المعايير المهنية التي يعتقد أنها ملزمة له، بحكم النضال الذي يخوضه ضد الاحتلال في الضفة الغربية، ولاحقاً ضد حرب إسرائيل في غزة؟ على الأقل من المقابلات والتغطية الإعلامية للفيلم، تبرز علامات استفهام بشأن تجاهل مخرجَي الفيلم للسياق الشامل، أي الأعمال الوحشية التي ارتكبتها حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول، وكذلك بشأن مغازلتهما المتعمدة للصور والمقارنات مع المحرقة. ويبرز اشتباه بأن اختيار الأحرف الأولى «نَزْأ» يرتبط بدرجة أقل بمعناها العسكري، أي «الضرر الجانبي» ــ إصابة غير المتورطين ــ وبدرجة أكبر بكونها تذكّر، بالنسبة إلى المشاهدين الناطقين بالإنجليزية، بتركيب كلمتي «نازيين» و«غزة».
بعد صدمة المجزرة، يفضل كثير من الإسرائيليين أن «يمشوا مع الأمر ويشعروا من دونه». أن يتجاهلوا الأمور التي تُرتكب باسمنا في غزة، وأن يخترعوا صورة بديلة للعالم، ثم يستغربوا عندما يرفض العالم قبولها من دون اعتراض. لقد نُظر إلى المجزرة في بلدات الغلاف، وخصوصاً الوحشية التي مارسها القتلة من حماس، في الجيش الإسرائيلي على أنها حدث بحجم توراتي. كثير من القادة والجنود الذين قاتلوا بعد ذلك في غزة رأوا هذه المشاهد بأعينهم، في البيوت المحترقة في الكيبوتسات، وفي نوفا، وأوفاكيم وسديروت، قبل أن يجف الدم حتى. هذه التجارب دفعت إلى الرغبة في الانتقام، وحتى إلى الاقتناع بأن المطلوب هنا هو رد توراتي، لأن إسرائيل لن تبقى على قيد الحياة إلا بهذه الطريقة، من خلال إعادة ترسيخ الردع تجاه جيرانها.
في الوقت نفسه، غذّى السياسيون والجنرالات والمعلقون الكراهية والانتقام بتصريحات تحريضية. أضيف إلى ذلك، مع بداية المناورة البرية، الحاجة إلى حماية القوات التي عملت داخل منطقة حضرية مكتظة، وواجهت مسلحين اختبأوا خلف السكان المدنيين وتحتهم.
أدت هذه الظروف إلى عدة خطوات: تعليمات إطلاق نار متساهلة إلى حد ما في ضوء الخطر الذي تعرضت له القوات (في حالات كثيرة أُطلق النار على فلسطينيين لأنهم عبروا ــ أحياناً من دون علمهم ــ خطاً وهمياً لم يكن مرسوماً على الأرض)، وتصاريح واسعة للضرر الجانبي (كان يُسمح أحياناً بشن هجوم حتى لو كان هناك اشتباه بأنه سيؤدي إلى مقتل 100 مدني، وإن لم يكن 500 كما زُعم في الفيلم)، وتدمير منهجي للمنازل.
استمر تدمير المنازل والبنى التحتية حتى اليوم. وتوجد وراءه تبريرات تستند إلى استخدام حماس للمجال الحضري، إذ تُستخدم نسبة كبيرة من الشقق لتخزين الأسلحة، ووضع الكاميرات وزرع العبوات الناسفة. لكن لا يغيب هنا أيضاً اعتبار إضافي، هدفه إبعاد إمكانية إعادة البناء الفلسطينية عن خط أولى البلدات الإسرائيلية. في المقابل، أصبحت إجراءات المصادقة على الضرر الجانبي أكثر تشدداً اليوم، وانخفض عدد المدنيين الذين قُتلوا هذا العام في القطاع بشكل ملحوظ. في الأشهر الأولى من الحرب كان هناك انفلات، جزء منه جاء من الأسفل إلى الأعلى، وجزء منه فُرض من الاتجاه المعاكس. وفي أحاديث من دون نسبة أقوال إلى أصحابها، يؤكد ضباط كثيرون ذلك.
الخلاصة لما وُصف هنا واضحة إلى حد كبير: إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، سواء على أيدي جنود تصرفوا بمفردهم، أو كعمليات نفذتها وحدات وفرق، كانت جزءاً من منظومة أوسع. وهناك أوجه تشابه في ذلك مع الطريقة التي عمل بها الأمريكيون في المعارك الحضرية في العراق وسوريا، وخصوصاً في الحملة ضد داعش. إن الطريقة التي تصرفت بها حماس دفعت الجيش الإسرائيلي، إلى حد كبير، إلى الوقوع في هذا الفخ، فيما ظل الفلسطينيون محاصرين في الوسط.
أنا لست خبيراً في الإبادة الجماعية، لكن الادعاءات التي تُطرح بثقة بشأن ارتكاب إبادة جماعية لا تبدو مقنعة. فقد تكبد الجيش الإسرائيلي 472 قتيلاً في المناورة البرية في القطاع، وآلاف الجرحى، إضافة إلى عدد أكبر من المقاتلين الذين يعانون من صدمات نفسية بعد الحرب. هذه ليست نتائج يحققها جيش قوي، يقوم بعمل إبادة متعمدة. وهناك أدلة كافية من مقاتلين وطيارين لم يحصلوا على إذن بإطلاق النار في مواجهة الخطر، بسبب الخوف من إصابة غير المتورطين. كما أن نسبة الخسائر الفلسطينية ــ نحو 74 ألف قتيل، يُرجح أن ثلثهم تقريباً من عناصر حماس والجهاد الإسلامي ــ لا تدل على جهد إبادة منهجي ومخطط له.
ما حدث في القطاع، خلال أجزاء من فترة القتال، صعب ومقلق بما يكفي في حد ذاته. وهذا يفرض التحديق في الواقع وإجراء فحص ذاتي، من أجل منع تكرار الأخطاء والمخالفات في الحروب التي قد تندلع هنا في المستقبل. وبدلاً من ذلك، تنشغل إسرائيل برقصة شياطين، وملاحقة المخرجين في الداخل، واستعراضات من التزمت الأخلاقي تجاه الخارج. كل ذلك قد يساعد نتنياهو على تحريك قاعدته الانتخابية استعداداً للانتخابات، لكن من الصعب الاعتقاد بأن في ذلك أي فائدة أخرى.
عن هآرتس العبرية