كيف لي ان اكون عربيا فلسطينيا وارى ما يجري في وطننا الكبير دون ان اغضب, لست ببارع أو مبدع ي الوصف لكني ابحث عن حقيقة حلم وطني الضائع: اسرائيل تلعب بالنار ونحن نأخذ بالثأر وكل العار للمتفرجين علينا باليرموك من الدار البيضاء الى تبوك, ومن جيزان الى وهران, ومن نجران الى تيطوان, يشاطرون من يدعون بانهم أبرار أحرار متضامنون متشدقون بحقوق الأنسان وهم ليسوا سوى شايطين العصر.
قبل أن ترجموني بحجارتكم التي قتلتم بها الأبرياء, وقبل أن تأخذكم العزة بالإثم فتقتلوني بلعناتكم التي لا ترحم, أقول لكم وبصريح العبارة, إننا من الأقوام المشلولة المتخلفة المقهورة المدحورة المتخاذلة, وهذا ما أثبته واقعنا المر المعاش بالأرقام والدلائل والشواهد. . .
نحن قوم نصدق الكاذب, ونكذِّب الصادق, نأتمن الخائن ونخوِّن الأمين, نشجع الجبان حتى يتمرد, ونخذل الشجاع حتى ينهار, ونحارب الناجح حتى يفشل, ونستفز الحليم حتى يفقد عقله, نكره التنظيم ونبغض النظام, نرى المنكر فنصفق له, ونؤازر الباطل ونسانده, ونقف مع الطغاة ضد الحق, وضد الخير, وضد الصلاح.
الاختلاف عندنا خلاف, فانقسمنا إلى مجاميع متناحرة متشاجرة متنازعة متقاتلة تميل إلى التفريق والتفرقة, والتمزيق والبهدلة, التطرف عندنا هواية, والتعصب غواية, والتنافر موهبة, والثرثرة منطق, والدين فتوى , هذا سني, وهذا شيعي, وذاك سلفي, وهذا صفوي, وهذا وهابي, وهذا زيدي, وهذا حوثي, وهذا أحمدي, وهذا علماني, وذاك شيوعي, وهذا قومي, وذلك إخواني, وعدناني وقحطاني, وشمالي وجنوبي, وبرشلوني ومدريدي وفتحاوي وحمساوي وجهادي وقيادي.
تخندق بعضنا الآن في خنادق معركة (صفين) ضد خليفة المسلمين, وتجحفل بعضنا مع الحجاج, واختار بعضنا الوقوف مع أبي العباس السفاح, بينما خرج المتمردون مع الخوارج, وسار "البتروليون" خلف سراب "الناتو", وركع المتآمرون تحت أقدام "البنتاغون" في معابد الذل والعبودية والخيانة, هذا يسعى للأمركة, وذاك يسعى للتفريس, وغيره يحلمون بالتتريك, وجماعة تواسي السفارديم عند حائط المبكى. .
نتباهى باستهتارنا وتهورنا على بعضنا البعض, بينما نكون كالقطط الفلبينية البليدة أمام قوافل القوات الغازية أو الفيالق الاستعمارية, نمر مرور الكرام على القواعد الحربية الأجنبية المتمركزة على أرضنا وفي مياهنا لنلوح لها بالتحية والسلام, وشر البلية ما يضحك إن كبارنا تحالفوا مع القوات المتحالفة ضدنا. .
صار شيوخ النفط قادتنا في المرحلة الراهنة, فهم عباقرة الأمة, ومفكروها ونابغتها وملهموها وقواد مسيرتها الظافرة نحو حقول النفط والغاز والألغاز, وهم الذين يملكون الحل والعقد, وهم النماريد الجدد, و"شمشونات" الجبابرة, و"سوبرمانات" اخر الزمان في كل المواسم والمناسبات, زعماؤنا مختصون بالتآمر على أشقائهم وأبناء جلدتهم, متطوعون للتعاون والتنسيق والتفاهم مع أعداء الأمة, بارعون في البطش والإجرام والتعسف, متفانون في حب الدنيا, لا فرق عندهم بين المليون والمليار على موائد "الروليت", خبراء في البذخ والإسراف والتبذير. .
ما الذي نرجوه من أقطار فقدت نزاهتها وتنازلت عن عفتها فتبوأت مراكز الفساد الأولى على كوكب الأرض؟ , وما الذي نتأمله من أقطار جاهلة سارت نحو الأمية بمحض إرادتها, فأحرزت المراكز المتدنية في التعليم الجامعي؟ وما الذي نتوقعه من أقطار خاملة انشغلت بتفسير الأحلام وقراءة الطالع؟ فلم تفلح في الصناعة ولا في التجارة او الزراعة او التعليم او الرياضة ؟, دول تصدر النفط ثم تستورد مشتقاته بأضعاف ما بيع به, دول على الرغم من ترسانتها الحربية الهائلة وجيوشها المليونية الجرارة لم تستعرض قطاعاتها إلا في المناسبات الوطنية, ولم تسجل انتصارا او موقفا واحداً تسترد به ماء وجهها, ولم تنتصر في يوم من الأيام على دولة فتية صغيرة مذعورة مارقة مستهترة. .
تاريخنا مزيف من الغلاف الى الغلاف, وصفحاته ملطخة بدماء الأبرياء والضحايا, راجعوه جيدا, واقرأوا ما حل بالخلفاء الراشدين من الأول إلى الرابع, وما جرى للصحابة وأبنائهم, اقرأوا كيف احرقوا جثمان محمد بن أبي بكر ونثروا رماده في النيل, وكيف ذبحوا الحسين بن علي على شاطئ الفرات وطافوا برأسه في البلدان, وكيف رجموا الكعبة المشرفة بالمنجنيق, وكيف شنقوا عبد الله بن الزبير في مكة, وكيف اضطهدوا أمه أسماء بنت أبي بكر, وكيف صلبوا الصحابي الجليل سعيد بن جبير, واقرأوا كيف استعمرونا باسم الدين, وصادروا حقوقنا باسم الدين, واستباحوا بلادنا طولا وعرضا باسم الدين, ثم باعونا في سوق النخاسة السياسية للإنجليز والفرنسيين, واقرأوا كيف كفّروا علماء الفيزياء والكيمياء والرياضيات والطب والفلك والفلسفة, اشتركوا كلهم بتسليم مفاتيح بغداد للمغول والتتار والفرس والأتراك حتى حكمتنا دولة "الخروف الأسود", ثم سلموها لدولة "الخروف الأبيض", واقرأوا كيف قتل الشقيق شقيقه من اجل العرش, وكيف تآمر أبناء الأمراء على آبائهم, واقرأوا كيف ذبحوا فيصل الثاني ونساء أسرته الهاشميات اللواتي كن يرفعن المصاحف فوق رؤوسهن, وأقرأوا كيف قتلوا العلماء والفلاسفة ابتداءً من ابن المقفع وانتهاءً بالسهرودي, وكيف خذلوا سعد زعلول. .سنموت من القهر كما مات
"زغلول" بعد أن أرهقته المحاولات الحثيثة لإصلاح شأن هذه الأمة, حتى أصابه اليأس والانهيار, فهمس في إذن زوجته قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على فراش الموت: "غطيني يا صفية. . مفيش فايدة."
المدير العام للمنطقه الصحيه الرابعه