الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الإبادةُ التعليميةُ في غزَّة: قراءةٌ فلسفيةٌ في صُمودِ الوعي الفلسطينيِّ!

الإبادةُ التعليميةُ في غزَّة: قراءةٌ فلسفيةٌ في صُمودِ الوعي الفلسطينيِّ!

تاريخ النشر: 2025-10-27 | 11:22

لم يعد التعليم في قطاع غزة مجرد حقّ من حقوق الإنسان، بل غدا ميدانًا للصراع بين إرادة الحياة وقوى الفناء. فحرب السابع من أكتوبر 2023، لم تقتصر على إزهاق الأرواح وتدمير البنى التحتية فحسب؛ بل امتدت إلى ما هو أعمق: الإبادة التعليمية التي استهدفت الوعي الإنسان الجمعي الفلسطيني ككل، سعيًا منها لمحو معالم العقل الفلسطيني، وتعطيل ديناميكية العلم والمعرفة، وإخماد جذوة الوعي المستنير الذي طالما حافظ عليه الإنسان الغزي وحفظ له مكانته دائمًا على مر الأزمان في خارطة الحضارة الإنسانية.

حيث لم تكن حرب أكتوبر لمجرد عدوان عسكري من كيان محتل استهدف البشر والشجر والحجر؛ بل كانت حربًا شاملةً طالت مناحي الحياة الإنسانية جمعاء، لتغتال المعرفة العليمة والثقافية من جذورها. فقطاع التعليم في غزة تعرض للإبادة بشكل عام، ولما يمكن وصفه " بالإبادة المعرفية" بشكل خاص، إذ تحولت المدارس والجامعات من نبض للحياة إلى أطلال، والطلبة والمعلمون إلى أرقام في قوائم الشهداء والمصابين وغدا بعضهم مجهولًا بين الركام، كما لم يقرع الجرس معلنًا تباشير رحلة تعليمية يومية، ولم تعد حصة تعقد، ولم يعد الدرس درسًا؛ بل صار صوت القصف بالصورايخ والمدافع هو النغمة الصباحية الوحيدة التي يسمعها طلبتنا.

فالإبادة التعليمية ليست انتهاكًا محليًا، بل ترتقي لمستوى جريمة حرب وفق الاتفاقيات الدولية منها اتفاقيات جنيف والبروتوكلات الإضافية التي حظر استهداف المؤسسات المدنية والتعليمية، وتعد انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني وحقّ الإنسان في تلقيه للتعليم كما نصت عليه المادة ( 26) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، كما أن تدمير المدارس وقتل الطلبة والمعلمين لايقاس بعدد الضحايا فحسب؛ بل يعد انتهاكًا للذاكرة الإنسانية الوطنية، وعلى أحد أهم ركائز السلام الدائم في العالم أجمع، وهو التعليم.

كما لا تعد الإبادة التعليمية مفهومًا ماديًا يقاس بعدد المدارس المدمرة أو المتضررة أو الكتب التي تحت الركام؛ بل هي عملية شاملة تستهدف البنية الرمزية المعنوية والثقافية للإنسان الفلسطيني التي تؤسس له وجوده الإنساني ككل. فهي إبادة للجوهر قبل أن تكون تدميرًا للبناء، إذ إن المدرسة بمفهومها الشامل في الوعي الفلسطيني لم تكن مجرد مؤسسة للتلقين؛ بل البيئة لتشكيل الهوية الفلسطينية التي تتوارث الوعي والعزة عبر الأجيال المتلاحقة.

فمنذ الأيام الأولى لحرب أكتوبر 2023، كان القطاع التعليمي في مرمى نيران الاحتلال، حيث دمرت مئات المدارس كليًا أو جزئيًا، بعضها استخدم ملجأً للنازحين الباحثين عن مأوى كما ككل حرب تحدث في قطاع غزة في سنوات مضت، لم تسلم تلك الملاجئ من القصف المتكرر، حيث اللوحات اختلطت بالغبار، ودفاتر الطلاب احترقت، بينما تبددت الأقلام والكتب تارة بين الركام وتارة الأخرى تحته، وكأن هذه الحرب أرادت أن تمحو أثر الحروف قبل الكلمات من ذاكرة جيل كامل.

إنها " إبادة معرفية" بكل معنى الكلمة، إذ تجاوزت تدمير الأبنية، وتغلغلت إلى كسر إرادة التعليم في نفوس الأطفال، وتشويه علاقتهم بالحياة التعليمية والمعرفية. كما غدا بعض المدرسين الذين كانوا منارات للعلم شهداء واجب، وبعضهم تم استهدافه في بيته، وآخرون أثناء محاولتهم الإخلاء لمناطق آمنة، إن هذه الدماء التي سالت ليست مجرد خسائر بشرية؛ بل خسائر معرفية تجلت في توقف رحى الإبداع والتطور، وتوقف العملية التعليمية التي منها تغذي المجتمع بالعلم والقيم والوعي المستنير.

فالحرب الأخيرة تجلت فيها ذروة الإبادة. إذ ضحت المدارس والجامعات ساحات دمار، واستشهد بعض المعلمين على عتبات رسالتهم. وهكذا تغيرت العلاقة بين العلم والحياة إلى علاقة العلم والموت، حيث لم تكن خسارة مادية فحسب؛ بل كانت خسارة معرفية وطعنة في لُب المشروع الإنساني للتعليم، الذي يرتكز على بناء المعنى للحياة في وجه العدمية.

ومن ناحية فلسفية فإن الفلسفة الوجودية ترى في التعليم فعلًا لتحرير الإنسان من قيوده، فإن من حدث في غزة تجلى نقيض ذلك: إذ استُعمل العنف والعدوان لشلّ الحرية المعرفية، وكسر الرابط بين الإنسان والعالم المحيط من خلال التخلص من أدوات التفكير والنقد والتساؤل. وغدت الحرب تجربة في " إعدام الوعي"، على قدر ما كانت إعدامًا للحياة والأرواح.

ومنذ بدء الحرب، واشتداد القصف وازدياد الدمار، اضطرت وزارة التربية والتعليم إلى إيقاف العملية التعليمية، ثم أعادت استئنافها بعد 6 أشهر تقريبًا في الجامعات تلتها المدارس. حيث كان التعليم الالكتروني آنذاك وسيلة للحفاظ على البقاء الروحي والمعرفي، رغم عدم توفر الكهرباء إلا من خلال الطاقة الشمسية، ورغم ضعف الإنترنت تارة وقطعه تارة أخرى. حيث استخدم المعلمون هواتفهم، وأرسلوا الدروس المصورة والملاحظات، فيما تفاعل الطلبة من ملاجئهم وخيامهم. لم يكن التعليم الالكتروني بالمفهوم الحديث المعاصر؛ بل كان " تعليم طوق النجاة" ليصبح التواصل يحمل في طياته بريق أمل وتفاؤل بالحياة. حيث كل معلومة تسلك بين أنقاض الشبكات بمثابة نبع حياة.

ورغم ذلك، فإن الوعي الفلسطيني وإرادته لم تنكسر. لقد أظهر الميدان أن ما يتم هدمه من حجر يُبنى بالإرادة، وما يتم اقتلاعه من شجر يُزرع بالعزيمة وينمو بالأمل. وأن الفلسطيني يمكن أن يُحرم من المدرسة لكنه لا يفقد معنى العلم ولا أن يسلك مسالك التعليم. فتنبهوا من أول لحظة إلى تغيير التعليم لفضاء إلكتروني بديل، اعُتمد فيه على وسائل التواصل كجسر بين المعلمين والطلبة. لقد كان التعلم الإلكتروني في تلك الأوقات الصعبة هذه فعلاً من أفعال المقاومة المعرفية والفكرية، وليس مجرد استجابة تقنية في الظروف العادية؛ بل تم إعادة تعريف العلاقة بين التعليم والوجود في سياق حرب الإبادة. تلك المبادرات، وإن بدت بسيطة، جسدت فلسفة تربوية إنسانية عميقة مفادها: أن التعليم في فلسطين ليس وظيفة، بل رسالة وطنية مقدسة تنشد معاني الحياة والإرادة القوية الصلبة.

وبرغم من الواقع المؤلم، لم يستسلم الغزي في مواصلة المسيرة التعليمية. ففي خضم القصف والحصار، بُذلت جهود عظيمة ومذهلة لأداء اختبارات الثانوية العامة في ظل ظروف شبه مستحيلة، بعد عامين من استمرار الإبادة الجماعية، كما تنقل الطلبة بين الدمار والتهجير لأداء اختباراتهم في أماكن مؤقتة للبحث عن أماكن يتواجد بها الانترنت.

حيث لم تكن اختبارات الثانوية العامة حدثًا إداريًا عابرًا، بل تجسدت في مشهدٍ رمزي كثيف الدلالة، فالطلبة الذين أدّوا الاختبارات بين الركام والدمار، كانوا يؤدون شعيرة من شعائر البقاء والإرادة في الحقيقة، مشهرين أن القصف لا يوأد الحلم. تلك اللحظة مثلت أعظم معاني الفلسفة التربوية الإنسانية: أن التعليم ليس ترفًا حضاريًا؛ بل متطلب جوهري للوجود يؤكد معنى الإنسان في مواجهة العدم.

تلك الاختبارات التي تم عقدها كانت رمزًا للمقاومة الثقافية والمعرفية، ودليلاً على أن إرادة الحياة أقوى من القصف والدمار بل الموت، لقد أثبتوا الغزيين أن التعليم ليس مجرد درب دراسي؛ بل هو شكل من أشكال الصمود والبقاء على هذه الأرض، كما إن التجربة أعادت صياغة مفهوم " المدرسة" في الوعي الجمعي الفلسطيني؛ فلم تعد ذات جدران بل أضحت إرادة وتحدي، ولم تعد حيزًا مكانياً بل غدت فعلًا معنويًا يقوم على التواصل والوعي. حيث تغير التعليم في غزة ليتجاوز المكان ويستعصى على الإبادة المعرفية، مبرهنًا أن المعرفة يمكن أن تُهجر جسديًا لكنها لا تُفنى روحيًا.

فيما كان المعلم الفلسطيني المثل الأعلى للالتزام الأخلاقي والمعرفي. فبينما اشتد القصف وحمم العدوان تقذف جحيمها على الغزيين، كان المعلم الغزيّ يؤدي رسالته الخالدة بحيث يرسل الدروس عبر هاتفه، ويشرح لطلابه المعارف من قلب الخطر والخوف، ليقول للعالم أجمع: " بأن العلم أقوى من الموت". ليغدو التعليم فعل تضحية، ورسالة خلاص أبدي تتجاوز حدود الزمان والمكان. إن تلك الصورة تختزل الفلسفة التربوية في أنبل صورها.

فالإبادة التعليمية التي استهدفت المدارس والجامعات لم تنجح في طمس الشغف في نفوس الطلبة للتعليم؛ بل ولدت فيهم روح التحدي والمثابرة، كما رسخت بقلوبهم وزادت من إيمانهم بأن العلم هو سلاح المقاومة الأعظم، برغم من أنها تجربة قاسية كشفت جوهر الإنسان الفلسطيني بأنه لا يعرف الانكسار وأن إرادته قوية يتحدى الصعاب.

ومنذ إعلان وقف إطلاق النار، مرحلة " ما بعد حرب الإبادة"، يقف القطاع التعليمي في غزة أمام مهام مضاعفة وصعبة: إعادة البنية التحتية من جهة، وترميم الوعي من جهة أخرى. كما أن الإبادة المعرفية لا تُقاس فقط بالركام؛ بل بما خلفته من آثار نفسية على الطلبة والمعلمين. لذا، فإن إعادة بناء المنظومة التربوية يجب أن يتجاوز إصلاح الأبنية إلى ترميم الإنسان ذاته، وإعادة تشكيل علاقته بالحياة والمعرفة والأمل.

فبينما الحرب لا تنتهي بانتهاء القصف والقتل؛ بل تبدأ مرحلة بعدها أكثر عمقًا تعرف باسم " التربية ما بعد الإبادة"، وهي التربية التي تسعى لإعادة بناء الإنسان قبل البنيان. بحيث يضحى التعليم مشروعًا أخلاقيًا لإنعاش الوعي الجمعي الفلسطيني واستعادة ثقته بذاته، وتمتد إلى تحرير ذاكرة الأطفال من الرعب نحو أفق الأمل والتفاؤل، فالتربية ما بعد الإبادة تتجاوز نقل المعارف؛ بل تُعنى بإعادة صياغة الإنسان لذاته من خلال التجربة القاسية التي مر بها، بحيث يصبح التعليم عملية استشفاء وجودي وتصالح داخلي مع فكرة الحياة، بعدما كانت المعرفة سبيلًا للبقاء في وجه الفناء.

فالإبادة التعليمية ليست شأنًا محليًا كما ذكرت آنفًا؛ بل جريمة عالمية ضد المعرفة والفكر والحرية والضمير. إن ما حدث بغزة هو اختبار عالمي للقيم الإنسانية، ومقدرة البشرية على إحقاق حق التعليم وقداسته بوصفه حقًا وكرامة للجميع. إن غزّة قدمت للعالم أجمع بما حملته من وعي ومقاومة معرفية وفكرية، درسًا جديدًا في فلسفة التعليم: أن المعرفة لا تقصف، وأن الوعي لا يُباد مهما طال زمن العدوان أم قصر، وأن الطفل الغزي سيظل يكتب حروفه الأولى وكلماته فوق أنقاض مدرسته، ليقول للعالم: " إن العلم هو الوجه الآخر للحياة، وأن الغزّيين يكتبون حروف التعليم بمداد من الصمود والعزة والكرامة".

×
أخبار
خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط