من يتفحص الاستراتيجية التي أعلن عنها أوباما لمحاربة داعش ، يكتشف أنها لم تضف جديداً للخطوات التي سبق وأن أعلن عنها، وهي عمليات القصف الجوي الأمريكي لمجاميع داعش ، ودعم القوات البرية العراقية على الأرض ، وتقديم الدعم المالي واللوجستي للقوات العراقية وقوات " البيشمركة الكردية " والتنسيق الاستخباري لمنع تسلل ارهابيي داعش من الحدود المجاورة.
ما يجب أن نشغل عقلنا به ، هو الأهداف غير المعلنة لاستراتيجية أوباما ، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن " داعش " بأكملها - التي دعمت أمريكياً بأموال خليجية - لم تكن سوى سياق تكتيكي ولعبة تكتيكية أمريكية ، لتبرر التدخل الأمريكي مجدداً بحجة حماية الأقليات وإنهاء عمليات داعش الوحشية ، وبحيث تبدو الولايات المتحدة - وكما قال سيد المقاومة حسن نصر الله - بصورة المنقذ للمنطقة من جرائم داعش .
ومن ثم فإن تدخل الولايات المتحدة بصورة المنقذ ، سيكون مدخلاً لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في تقسيم المنطقة مجدداً ، وتحديداً في سوريا والعراق ولبنان على أسس عرقية وإثنية وطائفية.
وفي تقديري وتقدير العديد من المحللين ، أن الهدف الاستراتيجي الرئيسي للتحالف المزعوم هو ضرب سوريا ، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار القرار الأمريكي بقصف مواقع وتجمعات " داعش " في سوريا ، دون إذن أو موافقة من الحكومة السورية ورفض الإدارة الأمريكية المشاركة والتنسيق مع النظام السوري بهذا الصدد. وبالتالي فإنه من المتوقع أن ترسم الادارة الأمريكية سيناريوهاً يبرر عدوانها المتوقع على سوريا ، كأن تدعي بأن طائراتها تعرضت أثناء تحليقها في الأجواء السورية لنيران المضادات السورية ، خاصةً وأن " المستشارة الإعلامية للرئيس السوري بثينة شعبان قد حذّرت ، عبر قناة "سي إن إن" من اختراق المجال الجوي السوري لضرب "داعش"، وقالت إن "دمشق قد تسقط الطائرات الأميركية لأنها أتت من دون إذن واعتدت على سيادة سوريا"، بحسب قولها.
ولعل تصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما لصحيفة نيويورك تايمز في الخامس عشر من شهر أيلول/ سبتمبر الجاري " في أنه أنه سيأمر القوات الأميركية بتدمير نظام الدفاع الجوي السوري ،إذا اعترض الطائرات الحربية الأميركية التي ستدخل المجال الجوي السوري أثناء حربها على تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" - "داعش".... " وتحذيره "" من أنه سيأمر القوات الأميركية بتدمير نظام الدفاع الجوي السوري ،إذا اعترض الطائرات الحربية الأميركية التي ستدخل المجال الجوي السوري أثناء حربها على تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" - "داعش"... ولعل ذلك كله يؤشر إلى حقيقة الهدف الاستراتيجي للتحالف الذي تعمل الولايات المتحدة على إقامته.
لكن كل المعطيات على الأرض المتعلقة :
أولاً : بتماسك النظام العربي السوري ووحدة وتماسك جيشه ، ومخرجات هذا التماسك في إلحاق الهزائم المتتالية بداعش وغيرها في الأراضي السورية.
وثانياً : المتعلقة بمتان تحالف سوريا العروبة مع حزب الله وإيران وأطراف من المقاومة الفلسطينية ...
وثالثاً : المتعلقة بقوة تحالفها الموثوق مع روسيا ، فإن هذه المعطيات جميعاً تؤكد أن الأهداف الاستراتيجية الأمريكية بشأن سورية والمنطقة قابلة للهزيمة والإفشال وأنه إذا كانت الامبريالية الأمريكية مغامرة ، فإن الجيش العربي السوري وحلفاء سوريا يعرفون كيف يروضون الوحش الأمريكي ، وكيف ينهون مغامرته بالهزيمة النكراء.
إن أدنى متابعة وقراءة لإستراتيجية أوباما تؤكد حقيقة ما ذهبنا إليه في أن " داعش " لم تكن سوى سياق تكتيكي أمريكي ، وإن كانت قد تجاوزت بعض الخطوط الحمر
المتعلقة بمصالح أمريكا النفطية والإستراتيجية في شمال العراق.
فبعد طرحها لتلك الإستراتيجية ، واصلت الإدارة الأمريكية مسرحيتها عبر الدعوة للتحشيد والتعبئة ، واشتقاق الآليات اللازمة لتنفيذها ، فكان مؤتمر جدة العتيد في الحادي عشر من شهر سبتمبر / أيلول الجاري ، الذي ضم عشر دول عربية وتركيا ، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية الذي صدر عنه بيان ختامي يؤكد على الاستعداد للمشاركة في التحالف المناهض " لداعش " وقع عليه جميع المشاركين باستثناء تركيا .
وكان مؤتمر باريس ، بمشاركة 30 دولة ، الذي أوكلت إليه عملية توزيع المهام في إطار التحالف المزعوم لاجتثاث داعش.
بيان مؤتمر جدة أكد على "وقف تدفق المقاتلين الأجانب عبر الدول المجاورة ومواجهة تمويل الدولة الإسلامية وباقي المتطرفين، ومكافحة إيديولوجيتها التي تتسم بالكراهية، ووضع حد للإفلات من العقاب وجلب المرتكبين أمام العدالة والمساهمة في عمليات الإغاثة الإنسانية والمساعدة في إعادة بناء وتأهيل مناطق الجماعات التي تعرضت لبطش تنظيم الدولة الإسلامية ودعم الدول التي تواجه الخطر الأكبر من ارهاب التنظيم".
من يقرأ بنود هذا البيان والبنود الإجرائية الواردة فيه ، يتبين حجم المهزلة لأن هذه الدول التي أخذت على عاتقها محاربة داعش وفق ما تقدم من إجراءات ، هي التي وفرت بشكل متضامن كل سبل الدعم للإرهاب الداعشي في كل من سورية والعراق تنفيذاً لإملاءات العراب الأمريكي ، كما أن بيان جدة هو دليل إدانة صارخ للحكومات المشاركة في المؤتمر المذكور من الزوايا التالية :
أولاً : أنه دليل إدانة للدولة المستضيفة للمؤتمر " السعودية " كونها هي الجذر الأيديولوجي للإرهاب الوهابي الذي تنتسب إليه داعش .
ثانياً :أنه دليل إدانة للسعودية ، ولمعظم دول الخليج المشاركة في المؤتمر والموقعة على البيان ، كونها الممول الرئيسي والداعم اللوجستي لتنظيم داعش وبقية الفصائل الارهابية في سوريا والمنطقة.
ثالثاً :أنه دليل إدانة لتركيا أردوغان – الحضن الدافيء للارهاب والملاذ الآمن له- وهي التي فتحت حدودها البرية ومطاراتها لمجاميع الارهاب الداعشي وغيره ، وهي التي صمتت على فتح مساجد في العاصمة أنقرة ، لتجنيد ارهابيين جدد لصالح داعش ، وهي التي سهلت دخول هذه المجاميع الارهابية إلى سورية ، وهي التي عملت على شراء وتسويق النفط الذي تسرقه داعش من حقول النفط السورية .
رابعاً : أنه إدانة كبيرة جداً للإدارة الأمريكية - بوصفها العراب الرئيسي للإرهاب- الذي نسق ودعم داعش وغيرها في سورية على مدى ثلاث سنوات .
وجاء مؤتمر مؤتمر باريس ، في الخامس عشر من شهر سبتمبر/ أيلول الجاري لتوسيع دائرة التحالف المزعوم ليضم 30 دولة من بينها دول أوروبية وغربية وليوزع الأدوار بين الدول المشاركة فيه ، بشأن تحمل الدعم التمويلي واللوجستي والاستخباري والمشاركة البرية ، وعمليات القصف الجوي ألخ ، وذلك وفق صحوة ساذجة ورخيصة ومكشوفة تقول " أن تنظيم داعش يمثل خطرا يهدد العراق والمجتمع الدولي برمته" ما يستوجب دعمه بالوسائل الضرورية بما فيها المساعدات العسكرية ، وحيث تتولى القوات العراقية مهمات القتال على الأرض ضد داعش .
يضاف إلى ذلك تضمين البيان بند " بأن المشاركين يؤكدون عزمهم على تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2170 من أجل اجتثاث تنظيم داعش من خلال اتخاذ التدابير الكفيلة بالوقاية من التطرف ، وتنسيق العمل بين جميع المؤسسات الأمنية الرسمية وتعزيز الرقابة على الحدود .
وبخصوص عقد هذا المؤتمر ، لا بد من الإشارة إلى ثلاث قضايا رئيسية هي : -
1-أن الولايات المتحدة تريد أن توسع دائرة التحالف حتى تحمل مجموع هذه الدول فاتورة الحرب وبشكل مضاعف ، ولتمنحه الصبغة الدولية والإقليمية.
2-أن مجرد ذكر قرار مجلس الأمن المذكور ، لا يعدو كونه تكتيكاً لتصوير بأن التحالف المذكور مغطى بالشرعية الدولية ، وذلك في محاولة بائسة للرد على الطرح الروسي الموزون والقائل " بأن التحالف الدولي ضد داعش في سورية والعراق يجب أن يصدر بتفويض من مجلس الأمن ، وأن أي قصف جوي لمواقع داعش في سورية يجب أن يكون بموافقة الحكومة السورية وبمشاركتها ، وإلا فإنه سيكون انتقاصاً للسيادة السورية ومناقضاً للقانون الدولي".
3-أن عقد هذا المؤتمر في باريس وإعلان باريس استعدادها للمشاركة في قصف داعش في العراق ، له خلفية اقتصادية تتصل بحصة شركة " توتال الفرنسية " من النفط في العراق وخاصةً نفط حقل كركوك ، حتى لا تخرج فرنسا من مولد التحالف بدون حمص ، كما حصل معها في التحالف الدولي الإمبريالي " العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991 ".
ما تقدم من مؤامرات على سوريا والعراق وعموم المنطقة ، في إطار الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ، تحت عنوان ومبرر " داعش " ، التي تحتاج لثلاث سنوات لتنفيذها وفقاً لبرنامجها الزمني المحدد ، يقتضي تشكيل أوسع تحالف شعبي عربي متخندق فيي خندق سوريا العروبة ، لإنهاء واجتثاث داعش والاستراتيجية الأمريكية بالاستناد إلى التحالفات الوطنية والاقليمية والدولية المجربة... وهذا حديث آخر .