تاريخ النشر: 2023-03-11 | 13:22
تاريخ النشر: 2023-03-11 | 13:22
مرة أخرى، تعيد لنا الدبلوماسية السعودية، تكرار القول أن السياسة هي فن تحقيق الممكن، وليست فن محاولة بلوغ المستحيل، وأننا قادرين على أمتلاك رؤية تتناسب ومصالحنا، وأن باب الامل بإعادة ضبط إيقاع المنطقة ما زال متاحاً رغم كل التحديات، وأن ما صنعته تضاريس الجغرافية يمكن أن تفتحه سهول العلاقات التاريخية والمصالح السياسة.
عناصر قوتنا هائلة ومتنوعة ، وأن كل ما نحتاجه هو إعادة إنتاجها وتوظيفها في السياق والتوقيت المناسب، وأن الحلول الجذرية لمشكلاتنا الإقليمية ممكنة وليست مستحيلة، وأن العلاقات بين دول المنطقة التي تملك تاريخ مشترك، ليست علاقات صفرية، فكل ما تحتاجه هو فقط اعترافات متبادلة تتعلق بحسن الجوار، وبمصالح كل طرف وبضرورة تفهم وفهم مصالح كل الأطراف.
فالاتفاق السعودي الإيراني الذي اعلن عنه اليوم بواسطة الصين، يمثل خطوة متقدمة واختراقاً سياسياً لكسر حالة الجمود في المنطقة، وأن الصراعات بكل أشكالها ليست قدراً حتمياً، وان اعادة ضبط الأوضاع الإقليمية التي تعيش حالة من الإضطرابات المفتعلة ممكناً ومتاحاً .
فالسعودية اليوم تثبت انها مركز ثقل، تمتلك رؤية ودبلوماسية نشطة ومتحركة وطموح اقليمي وتطلعات جامحة سيترتب عليه دوراً فاعلاً ومتناسقاً سيتجاوز حدودها الجغرافية إلى ما هو أبعد من ذلك، وأن السعودية ليست فقط برميل نفط وناقلات غاز، بل هي قيادة شابة قادمة ودولة وشعب له حضوره في السياسة الإقليمية بأبعادها المتنوعة من سياسة واقتصاد وأمن، وانها احد الأضلاع الرئيسية لأي شكل هندسي تحتاجه المنطقة اليوم وغداً. وأن الاتفاق هو رسالة للولايات المتحدة، بأن كل جهد وسعي لصياغة طبيعة العلاقات والتفاهمات في المنطقة دون ان تكون دول المنطقة وعلى رأسها السعودية حاضرة ومطلعة على ما يدور هو جهد ناقص، وأن بإمكان السعودية الخطو خطوات منفردة دون الولايات المتحدة، بينما إيران هي دولة عتيدة كانت وستبقى ركيزة من ركائز المنطقة بكل ابعادها، وأنها أحد الاركان والدعامات المهمة لتحقيق التوازن والاستقرار في هذه المنطقة، نعم قد تكون إيران مأزومة على المستويين الداخلي والخارجي، ولكنها ستبقى الدولة والحضارة التي شكلت نداً وبصمة تركت أثارها على الجميع، وان هذا الاتفاق سيمثل لها فرصة للاندماج مرة أخرى في السياق الإقليمي، وسيعمل على تبريد الجبهة الخارجية، بيما يتيح لها التركيز على أوضاعها الداخلية.
فالاتفاق اليوم شكل ضربة لما يخطط له في كواليس السياسة الأمريكية الإسرائيلية والغربية، بأن ايران هي العدو الحصري الذي يجب أن يتحالف الجميع للتخلص منه، بينما إسرائيل هي الحليف الجديد الذي يجب الاعنراف بوجوده كركن أساسي يمكن الاعتماد عليه في اعادة تشكيل العلاقات في المنطقة.
وفيما يتعلق بالوسيط القادم بكل ثقة من الشرق، فقد أثبت من خلال الاتفاق، أن الصين تمتلك نموذجاً للحكمة ومد جسور السلام في كل اتجاه، وأن حضورها في ملفات السياسة الدولية هو حضور لم يعد حضوراً باهتاً، أو جاء خلسة، وإنما وجوداً ظاهراً وحتمياً سيكون له تجلياته وآثاره الإيجابية وهو ما بدا واضحاً برعايتها للاتفاق السعودي الإيراني كطرف ضامن.
نملك من الخيارات الكثيرة والممكنة التي يمكن لها أن تعيد ترتيب أولوياتنا وفق مصالحنا بالمنطقة العربية، وبعيداً عن وجود نظريات للمؤامرة قد يهمس ويلمز بها البعض، دعوا باب الامل مفتوحاً ودعوا مفتاحه أن يبقى عربياً خالصاً.