كثيرة هي التطورات السياسية والعسكرية والأمنية التي تمر فيها منطقة الشرق الأوسط الآن ، فمنذ خمس سنوات تقريباً تمر المنطقة العربية بشكل خاص ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام بمجموعة من التطورات السياسية والأمنية والإستراتيجية ، فالبداية كانت من ثورات الربيع العربي التي أطاحت بعدد من الأنظمة الاستبدادية ،والتي أدي الإطاحة بها إلي حدوث نوع من الفوضى والفراغ السياسي والأمني ، مرورا بصعود الإسلام السياسي و سرعة سقوطه !!! ، وما صاحب ذلك من مواجهات عنيفة بين الدولة المصرية والجماعات الإرهابية في كل أرجاء ارض الكنانة , بالإضافة إلي المواجهة المندلعة بين التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ضد التمدد الإيراني في المنطقة .
لذلك يأتي الاتفاق الذي توصلت إليه إيران مع مجموعة الدول الست ( 5+1 ) " و مجموعة(P5+1) : هي مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس أمن الأمم المتحدة، " حول البرنامج النووي الإيراني لكي يكون حلقة من حلقات هذه التطورات السياسية والإستراتجية التي تمر فيها منطقة الشرق الأوسط ، والذي سوف يترك تداعيات سياسية وعسكرية ذات أبعاد إستراتيجية على منطقة الشرق الأوسط بشكل كامل نظراً لتداخل القضايا وتشابك الأمور إلي حد كبير بين مصالح وأطماع عدة دول في هذه المنطقة .
وفي الوقت الذي توصلت إيران والقوى الكبرى الست إلى اتفاق نووي الثلاثاء 14 يوليو 2015 يقضي برفع العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة على إيران مقابل موافقتها على فرض قيود طويلة المدى على برنامجها النووي، فإن السؤال المطروح حاليا، هل سيدفع ذلك الاتفاق المملكة العربية السعودية والدول العربية إلي تطوير قدراتها النووية لمواجهة التحديات الإيرانية ، والإسرائيلية أصحاب البرامج النووية في المنطقة؟.
وفي هذا الصدد، نشر الكاتب "يوئيل جوزانسكي"، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) في جامعة تل أبيب، دراسة في شهر مايو 2015 بعنوان "المارد النووي السعودي خارج السباق"، تناول فيها تداعيات الاتفاق النووي الإيراني مع الدول الكبرى على القدرات النووية السعودية، وإمكانية تطويرها مستقبلا لمجابهة الخطر الإيراني، في ضوء الحسابات الإقليمية المختلفة وفي ظل علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.
يُشير جوانسكي إلى أن ثمة عوامل تدفع السعودية لتطوير برنامجها النووي المدني؛ لعل أبرزها موضوع تحلية المياه، حيث إن 70% من مياه الشرب في المملكة تأتي من مياه البحر المُحلاة، كما أن استخدام الطاقة النووية في تحلية المياه أرخص كثيرًا على المدى البعيد من استخدام البترول. هذا بالإضافة إلى النمو السكاني المتزايد، وتوسع قطاع الصناعة بشكل كبير واحتياجاته الحادة للطاقة، وارتفاع الطلب على مكيِّفات الهواء، خصوصًا في فصول الصيف، وأخيرًا الدعم الكبير الذي تقدمه الحكومة للمواطنين فيما يتعلق بأسعار الكهرباء والذي من غير المرجح إلغاؤه لما قد ينتجه من اضطراب اجتماعي.
وقد أنتجت السعودية 292.2 مليار كيلووات في الساعة من الكهرباء في عام 2013، وهو ما يعد ضِعف ما أنتجته في عام 2000، ومن المتوقع أن يزداد إنتاجها في عام 2032 إلى 120 جيجاوات، كذلك من المتوقع أن يزداد الطلب على الكهرباء بنسبة 7-8% في المتوسط كل عام، وهو ما دفع القيادة السعودية إلى التفكير في بديل عن الوقود الذي يعد المصدر الأساسي لدخلها؛ حيث تستهلك المملكة ما يزيد عن ربع إنتاجها من الوقود، ومن ثم، ومع الاستهلاك المتزايد، فإن هذا سيؤثر بشكل حاد على دخلها القومي، بما دفعها في النهاية إلى التفكير في البديل النووي المدني.
يؤكد جوزانسكي أنه برغم أن السعودية ليست الدولة الوحيدة من دول مجلس التعاون الخليجي التي لديها برنامج نووي سلمي، حيث إن الإمارات هي الأخرى تطور برنامجها الخاص، فإنها، أي السعودية، تعد الدولة الوحيدة التي طوَّرت من برنامجها السلمي، نتيجة احتياجات الطاقة المتزايدة؛ إذ بدأت في السنوات الأخيرة في تطوير قدراتها، خاصة بعد أن أعلنت الرياض في القمة السنوية لمجلس التعاون الخليجي عام 2006 نيتها امتلاك قدرات نووية مدنية، ثم في عام 2010 أسس الملك عبدالله "مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة K.A.CARE" والتي تختص بتنسيق قضايا السياسات والتشريعات والبحوث الخاصة بمجال الطاقة.
ولدي مصر أيضا مشروع نووي للطاقة السلمية ، ففي عام 1957م تم إنشاء مؤسسة الطاقة الذرية واشتركت مصر كعضو مؤسساً بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحصلت في العام نفسه على معمل للنظائر المشعة من الدنمارك. وفي عام 1961م، تم توقيع اتفاق تعاون نووي مع المعهد النرويجي للطاقة الذرية، وبدأ تشغيل المفاعل النووي البحثي الأول، بعد افتتاح جمال عبد الناصر له في أنشاص بمحافظة الشرقية ، هو مفاعل نووي مجمع متعدد الأغراض، يقع في أنشاص، على بعد 60 كيلومتر من القاهرة. بُني وأُسس هندسيًا بواسطة شركة “INVAP”، ويعمل المفاعل بالماء الخفيف، وقد أوقف العمل به للأبحاث العلمية النووية عام 1986م بعد حادثة انفجار مفاعل “تشرنوبل”، وكانت مصر قد وقعت على اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية عام 1969م
في أوائل عام 1992، تم التوصل إلى اتفاق مع الأرجنتين لتقديم أكثر من مفاعل بقدرة 22 ميجاوات لمصر. وكانت مصر منذ عام 1990، عضوًا في المنظمة العربية لهندسة الطاقة التي تضم نحو 11 دولة، ويجري تنفيذ عدد من المشاريع العلمية المصرية تحت إشراف الوكالة، وهناك اتفاقيات ثنائية في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية مع ألمانيا والولايات المتحدة وروسيا والهند والصين والأرجنتين، وعلاوة على ذلك هناك اتفاقات مع بريطانيا العظمى والهند لتقديم المساعدة في تدريب كوادر وطنية للبحث العلمي والعمل على المشاريع النووية للبلاد، لكن لا جديد كما يظهر!
وكانت مصر قد شاركت في معاهدة عدم انتشار النووي عام 1974. ثمّ في عام 1990 اتخذت مصر المبادرة للتحدث باسم معاهدة عدم الانتشار في الشرق الأوسط. وفي عام 1991، أنشأ مؤتمر مدريد للسلام، آلية متعددة الجنسيات للعمل على جعل منطقة الشرق الأوسط، منطقة خالية تمامًا من الأسلحة النووية. كان الإصرار العالمي على دفع منطقة الشرق الأوسط لأن تخلو من أسلحة الدمار الشامل مثار ريبة، أو قل إنه عجيب، بخاصة إذا علمت أن الآلية التي أنشأها مؤتمر مدريد توقفت منذ سنوات؛ نتيجة للموقف الإسرائيلي الرافض للانضمام لمعاهدة عدم الانتشار، وهي الآن من أكبر الدول امتلاكًا لرؤوس نووية.
واستمرارًا في مبادرتها لمنع انتشار النووي في المنطقة، استضافت مصر في أبريل 1996، مؤتمرًا لتوقيع إعلانٍ بشأن جعل إفريقيا منطقة خالية من السلاح النووي.
في عام 2002 أعلن حسني مبارك نيته في إنشاء محطة للطاقة النووية السلمية خلال 8 أعوام بالتعاون مع كوريا الجنوبية والصين، لكن هذا الإعلان لم تتبعه خطوة فعلية على الأرض طيلة هذه الأعوام.
,في أواخر عام 2004م وأوائل عام 2005م حققت الوكالة التجارب التي لم يُكشف عنها مسبقاً، والتي يقوم بها العلماء المصريين التي يدخل فيها معدن اليورانيوم، ومع ذلك انتهت الوكالة إلى أن التجارب التي أُجريت في مصر ولم يكشف عنها كانت بسيطة في طبيعتها وليست كبيرة بما يكفي لتستدعي الوكالة لاتخاذ إجراءات ضد مصر.
في عام 2007 أعلن حسني مبارك خططًا لإعادة إطلاق برنامج مدني للطاقة النووية في مصر، مع بناء 4 محطات للطاقة النووية تحت إشراف الوكالة. وفي 25 أغسطس عام 2010 أعلن مبارك أن الوكالة وافقت على موقع “الضبعة” على ساحل البحر المتوسط كموقع مقبول لمصر لبناء أول محطة للطاقة النووية، وفي عام 2011 ومع الثورة المصرية وإسقاط مبارك تم وضع هذه الخطط على قائمة الانتظار،،،
أما على المستوي الإسرائيلي ، فيبدو أن إسرائيل هي المستفيدة الأكبر من تلك الصفقة ، والتي تحاول من خلالها دولة الاحتلال الإسرائيلي الحصول علي اكبر قدر من المساعدات العسكرية الأمريكية بهدف إسكات الصراخ الإسرائيلي وسهولة تمرير الاتفاق في الكونجرس الأمريكي ، والذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري المعارض للاتفاق حتى الآن ، فقد ذكرت تقارير إعلامية أن رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، إيهود أولمرت، كان قد وقع في العام 2007 على اتفاق مع الإدارة الأميركية يصل أمده إلى 10 سنوات، بموجبه تقدم واشنطن خطة مساعدة عسكرية بقيمة 30 مليار دولار. وفي حينه كان إسرائيل تأمل، في عهد إيهود باراك في وزارة الأمن، أن تحصل على مصادقة الأميركيين على امتلاك منظومات قتالية متطورة وصواريخ وذخيرة على حساب المساعدات المستقبلية.
وكان الرئيس الأميركي، باراك أوباما، قد صادق مبدئيا على بيع منظومات أسلحة متطورة، بما فيها صواريخ من نوع جديد، وطائرات من طراز "V-22" وطائرات تزود بالوقود في الجو ورادارات. ومع ذلك فإن القرار لم يتحول إلى صفقة أو إلى زيادة في الميزانية.
وفي آب/ أغسطس من العام 2013 تجدد المحادثات بهذا الشأن مرة أخرى بين الطرفين. وكانت إسرائيل تنوي أن تطلب من الإدارة الأميركية تقديم استخدام الميزانية قبل العام 2018، وذلك بهدف تنفيذ عملية شراء ضخمة في الولايات المتحدة بواسطتها، ولكن لم يتوصل الطرفان إلى تفاهمات.
وكتب أمير بوحبوط في موقع "واللا" العبري الإلكتروني، اليوم الأربعاء، أنه على ما يبدو فإن الاتفاق التاريخي الذي تم التوصل إليه، يوم أمس، قد غير قواعد اللعبة. فالاتفاق الذي يتيح لإيران مواصلة مشروعها النووي، يغير الميزان الإستراتيجي في الشرق الأوسط. وبناء على ذلك، فإن مسؤولين كبار في أجهزة الأمن يشعرون بأن الولايات المتحدة ملتزمة بالحفاظ على تفوق إسرائيل، وبالنتيجة تعزيز قوتها من الناحية العسكرية..
وبحسب الكاتب فمن المتوقع أن تطلب إسرائيل من الولايات المتحدة مساعدات كبيرة تشتمل على طائرات قتالية من طراز "F-35"، وبطاريات "قبة حديدية" ومنظومة "العصا السحرية" لاعتراض الصواريخ.
كما تشتمل على مساعدات في الميزانيات بما يسمح بالاستثمار في البحث والتطوير في عدة مشاريع، بينها منظومة "حيتس 3"، وطائرات "V-22"، ومساعدة في إنتاج دبابات "مركفاه" ومدرعات، والتي ينتج بعضها في الولايات المتحدة، وصواريخ ذكية، ورادارات، وطائرات تزود بالوقود، وغيرها من المعدات العسكرية الإستراتجية التي تسعي من خلالها إسرائيل ضمان التفوق العسكري على جميع دول المنطقة .
لذلك في ظل هذه التطورات الكثيرة ، وبعد أن تم توقيع الاتفاق ، و الذي آثار حفيظة الدول العربية ، بعد أن تخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن ربط الاتفاق النووي مع إيران بتسوية القضايا العالقة في المنطقة ، يجب أن يكون الرد العربي المناسب على الاتفاق الإيراني مع مجموعة الدول الست حول البرنامج النووي الإيراني ، والمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل ، يكون من خلال إطلاق برنامج نووي عربي مشترك ، يكون قادر على توفير الطاقة المستدامة للدول العربية ، ويساهم في رفع معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، ويكون قادر على حفظ الأمن القومي العربي من التهديدات الإسرائيلية والإيرانية على حد السواء ، لأنه الدول تبحث عن مصالحها بالطرق التي تراها مناسبة ، وبالتالي إيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية والدول الكبرى تبحث عن مصالحها القومية ، ويجب على العرب والدول العربية الكف عن الصراخ والعويل ، والبدء بالعمل الجاد من اجل تحقيق التكامل العربي المشترك الذي يعتبر البرنامج النووي المشترك هو أحد أهم ومرتكزاته السياسية والإستراتجية في مواجهة التحديات الكثيرة التي تواجه الوطن العربي في هذه الأثناء .