تاريخ النشر: 2023-04-17 | 10:26
تاريخ النشر: 2023-04-17 | 10:26
أي مخطط هذا الذي يتم تنفيذه لتحطيم مستقبلنا؟ وكيف يمكننا مواجهة الكارثة؟ إنه ليس موسم الهجرة إلى الشمال كما رصدها الأديب السوداني المبدع الطيب صالح، وما تحويه من معاناة التناقض النفسي بين معيشتين بقيم متناقضة.. إنما هي هجرة أشبه بالطرد من الأوطان للانخراط في عجلة الشمال المادية والعلمية وإحداث الفراغ في جسم الأمة بتقديمنا أغلى ما لدينا مجانا للفراغ.. إنها عملية ضخمة يشترك فيها أكثر من طرف لقتل فرصتنا للاستقلال والسيادة والنهضة والمساهمة بكرامة في المسيرة الإنسانية.. فبعد استعمار دولنا عشرات السنين ومحاولة تدمير مجتمعاتنا رجعوا لنهب ثرواتنا و امتصاص عقولنا و كفاءاتنا العلمية.. إنها عملية لسحب كل عناصر الحياة من المجتمعات العربية وجعلها هياكل بلا قيمة تعيش على أمصال يتحكمون بها.
تواجه النخبة العلمية العربية –وحيدة عزلاء- الإغتيالات من قبل أجهزة المخابرات الاستعمارية والصهيونية كما حصل في العراق ومصر أو التجويع في بلدانها كما كل الدول العربية تقريبا أو هجرة إلى دول الشمال حيث اللاجدوى.. و تظل هذه النخب العلمية من غير المسموح لها أن تقترب من صناعة القرار أو صياغة الواقع في بلدانها فضلا عن انه غير مسموح لها بالحياة الكريمة...فمن نلوم؟
نزوح الأدمغة العربية:
وطننا العربي أكثر المناطق التي يضطر علماؤها وكفاءاتها العلمية إلى الهجرة نحو دول الشمال وهم من المهندسين والأطباء وعلماء الذرة والفضاء، وبالنظر إلى نسبة هجرة الكفاءات إلى الشمال نرى ان الوطن العربي يقدم ثلث الكفاءات المهاجرة من البلدان النامية، و تذكر بعض التقارير أن 54% من الطلاب العرب، الذين يدرسون في الخارج لا يعودون لأوطانهم وهكذا تبدو البلدان العربية بيئات طاردة للكفاءات، فما هي الأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة الخطرة؟ يبدو أن أولها يتمثل في غياب رؤية نهضوية مسئولة من قبل النظام السياسي العربي وانغماسه في مشاريع بهلوانية أو تضييع لثروة البلاد في أبواب صرف فوضوية الأمر الذي ينشأ عنه ضعف أو إنعدام القدرة على استيعاب أصحاب الكفاءات الذين يجدون أنفسهم عاطلين عن العمل او العمل في ظروف قاسية، وكذا بسبب الحروب والصراعات الداخلية الدامية التي ضربت المجتمعات العربية مؤخرا كما والتعقيدات الإدارية التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى شعور ذوي الكفاءات والخبرات بالغربة في أوطانهم، مما يضطرهم الى الهجرة سعيا وراء ظروف أكثر حرية وأيسر ماديا وأكثر استقرارا.
كشفت دراسة لمؤسسة فلسطين الدولية للأبحاث عن أن عشرة آلاف عربي من العلماء والأطباء والمهندسين والفنيين ذوي المهارات العالية من ثمان أقطار عربية يهاجرون سنوياً إلى الغرب، نصفهم يهاجر إلى الولايات المتحدة، ويقدر عدد العلماء العرب الذين استقطبتهم الولايات المتحدة الأميركية منذ عام 1977م بثلاثة أرباع المليون، أي أن حوالي مليون ونصف المليون عالم عربي يعيشون في الغرب، وتفيد الإحصائيات التي قامت بها جامعة الدول العربية واليونسكو ان هجرة النخبة العربية تمثل ثلث الهجرة العالمية نحو أوربا وكندا وأمريكا.. وأن الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا تصطاد 75 في المائة من المهاجرين العرب، وأنه من مجمل الأطباء العرب يهاجر 50 بالمائة، كما يهاجر ربع المهندسين العرب و15 بالمائة من الكفاءات العربية المتخرجة.. ويكفي ان نلاحظ ان الأطباء العرب في بلد أوربي كبريطانيا يمثلون ثلث الأطباء ومنهم من يشغل مواقع علمية متقدمة.. وتجد نسبة كبيرة من الكوادر العلمية الطبية وسواها من التخصصات العملية قادمة من بلدان المغرب العربي لاسيما الجزائر في مستشفيات فرنسا وكذا كندا والولايات المتحدة ولكي نرى حجم النزف في النخبة العربية يكفي الإشارة إلى أن 862 عالم مصري يقيمون بالخارج منهم 180 عالما نوويا.. ، وإن قرابة 42 ألف جزائري هاجروا إلى كندا خلال ال15 سنة الأخيرة، أما الأطباء الجزائريين الموجودين بفرنسا فيمثلون نسبة 25% من مجموعة الكفاءات الطبية الأجنبية العاملة بهذا البلد، في مختلف التخصصات الطبية وبين التقرير ذاته أن نحو ثلث هؤلاء تخرجوا في المعاهد الطبية الجزائرية.. وهناك ما يشبه ذلك في بقية البلدان العربية فقد أشارت دراسات قدمتها جامعة الدول العربية واليونسكو الى واقع كارثي حيث تتحدث الأرقام عن فاجعة حقيقة تلحق بالوطن العربي في اخطر حلقات حياته وان 200مليار دولار خسائر العرب بسبب هجرة العقول إلى الخارج.. هذه خسارة مالية مباشرة ظاهرة أما الخسائر غير المرئية المادية والمعنوية فهي أكثر فداحة.
وهناك مئات العلماء ذوي الخبرة من العراقيين الذين نزحوا إلى دول الشمال بعد ان قتلت قوات الاحتلال الأمريكي و عملاؤه الآلاف منهم في العراق لأنهم رفضوا الرحيل على متن الطائرات الأمريكية.. وكذلك يمكن القول عن الطاقات السورية التي اضطرت للرحيل جراء الصراع الدامي في سورية.
الاستقطاب الغربي:
تفتح الدوائر الغربية الآفاق أمام النخبة العربية العلمية بعناوين يرى فيها المهاجر العربي نقلة نوعية في شتى المجالات المعيشية والإدارية عما كان يعانيه في بلده العربي.. وهنا ينبغي أن لا يصاب أحدنا بالبله لذا لابد من الإسراع بالقول إن المسألة تخضع لإدارة صراع منهجية لدى صانع القرار في الغرب تأخذ كل شيء في الحسبان فهم إن استطاعوا بالإغراء جلب علمائنا كان بها وإلا فإن سبيلهم سيكون توجيه الرصاص مباشرة لرؤوس الأدمغة العربية كما حصل لعلماء العراق وسورية ومصر وإيران.. وهذا ما يجعل عملية الاستقطاب غير بريئة أبدا.
تمثل جاذبية الوسط العلمي في الغرب وتطوّره عنصرا جذابا للكفاءات العربية، ويصبح ما تلقوه في المراكز العلمية الغربية من علوم وأساليب بحث وتكوين وتحقيق لطموحهم رابطا وثيقا بالدول التي تحتضنهم.. وكذلك يما يوفر لهم من مقابل مادي مجز بالإضافة لشروط الحياة الأخرى العديدة فلك أن تقارن بين دخل الطبيب في بلد عربي مع ما يحققه في بلد غربي مع توفير ظروف العمل الأخرى التي تفتح آفاق التطور وتحسين الشروط بالنسبة للمهاجر العربي الأمر الذي يوسع الهوة بين ما يعيشه وما عليه زميله الذي يعيش في البلد الأصلي.. ومن ناحية الحريات تبدو المقارنة محزنة فإن المسموح له في الدول الغربية بالتصدي لسياسات الغرب الاستعمارية غير متاح له على الإطلاق في وطنه وهذا يبرز الفرق بين ما يتوفر للمفكر والمثقف العربي في دول الشمال وما يتوفر له في بلده ومن هنا نلاحظ تكون القامات العربية العلمية الفكرية والسياسية السامقة في الغرب بعيدا عن سلطان الحاكم العربي وسطوة الأحزاب العربية.. وهذا ما يجعل الرحيل نحو الغرب سبيلا لمئات آلاف الكفاءات العربية.
أشارت دراسة صادرة عن إدارة السياسات السكانية والهجرة بجامعة الدول العربية خلال السنوات الأخيرة إلى أن مجموع عدد الكفاءات العلمية العربية في الخارج يصل إلى مليون و91 ألفا و282 كفاءة علمية، وجاءت الجزائر في مقدمة أكثر الدول هجرة لعقولها البشرية بعدد 215 ألفًا و347 كفاءة، يليها المغرب بـ207 آلاف و117 كفاءة، ثم مصر بـ147 ألف كفاءة و835، فلبنان بـ110 آلاف و960 كفاءة، والعراق بـ83 ألفًا و465 كفاءة، وتونس بـ68 ألفًا و190 كفاءة.
كما تتجلى الأهمية في أن عددًا من المهاجرين العرب في الدول الغربية يعملون في أهم التخصّـصات الإستراتيجية، مثل الطب النووي والجراحات الدقيقة والهندسة الإلكترونية والميكروإلكترونية والعلاج بالإشعاع والهندسة النووية وعلوم الليزر وتكنولوجيا الأنسجة والفيزياء النووية وعلوم الفضاء والميكروبيولوجيا والهندسة الوراثية.
أثبتت الدراسات أن 90% من زيادة النمو الاقتصادي في الدول المتقدمة يرجع الفضل في تحقيقها إلى التقدم العلمي والتقني، ولذلك فإن الدول المتقدمة تستحوذ على 95% من علماء العالم، وعلى 97% من براءات الاختراع في العالم، في حين أن عدد سكان هذه الدول لا يتجاوز 12% من عدد سكان العالم،
وحسب مؤسسة فلسطين للدراسات الدولية فأن العلماء العرب في الخارج يقدمون للولايات المتحدة الأميركية دخلا لا يقل عن 40 مليار دولار سنويا، أما حان الأوان أن تخصص نسبة عالية من الموازنة للإنفاق على البحث العلمي؟ فالتعليم والبحث العلمي هو الطريق الآمن للنهضة والتنمية الاقتصادية أيضا.
إنها المعركة:
إن استرداد الأدمغة العربية من الأهمية بما يوازي استرداد فلسطين، ولا معنى للاستقلال الوطني والسيادة الوطنية لأي بلد دون التحكم في طاقات المجتمع وعلى رأسها الثروة العقلية، ويجب ان لا يغيب عن البال أن الدوائر الاستعمارية اتخذت قرارها الاستراتيجي بجعل منطقتنا مستهلكة غير مؤهلة للنهضة محكومة بالتبعية، وان تبقى نواصي العلوم بيد الغرب و أن تتحكم في كل خيراتنا وطاقاتنا والعقلية منها.. ويجب أن لا ينخدعن أحد بطبيعة العلاقات في الجانب العلمي فإن ما يجري حاليا ليس تبادلا علميا او تقنيا إنما هو تجريف لنخبتنا العربية بشكل مأساوي بالضبط كما يتم نهب ثرواتنا المادية وتحويلنا إلى جسد بلا عقل ولا روح.. ولهذا فلن تكون عملية الاسترداد سهلة أو آمنة.. إنها تفتح المعركة الحقيقية ضد الجشع والطغيان الاستعماري.. فالأمر حساس وخطير ويحتاج إلى قرارات سياسية شجاعة توفر العناية بثروتنا العقلية وتوفر ظروف النجاح والحماية لها.. إن النجاح في هذه المعركة هو أحد أهم عناوين استردادنا لاستقلالنا وسيادتنا..
لابد من المواجهة:
مما سبق نستطيع القول انه لا يمكن مواجهة المشكلة منفردين كل بلد بمفرده لأن الكفاءات العربية تحتاج إلى مناخ أوسع من البلد، وإن المشاريع الحقيقية لتوظيف القدرات تحتاج سوقا أكبر من البلد، ولذا لا بد من رفع مستوى التعامل معها الى مستوى التعامل مع المخاطر الأمنية الإستراتيجية التي تهدد مستقبل وطننا العربي بأقاليمه، مما يدفعنا إلى تدارس إستراتيجية عربية تكاملية لاسترداد ثروتنا العقلية ولتنهض بالمستوى العلمي و تهيئ له فرص العطاء والتطور في أحسن الظروف وذلك من خلال رؤية نهضوية شاملة.. إننا بلا شك نستطيع الجزم بأنها من اخطر قضايا أمتنا بل لعلها الأخطر على الإطلاق وتزداد الخطورة في غياب الإحساس بها لدى المنشغلين في الأحزاب السياسية والناشطين السياسيين الذين لا يلتفتون إلى حجم آثارها الخطيرة.. لذا لابد من خطة عربية تضع نصب عينيها:
= الانطلاق بزيادة ميزانية البحث العلمي في كل دولة عربية، وضمن رؤية تكاملية للباحث العربي والعالم العربي، وإنشاء مراكز للبحوث التنموية والعلمية منفتحة، بما يحقق ربط عضوي بين مراكز البحث العلمي والمجتمع من خلال مشاريع قابلة للانجاز ضمن خطة وبرنامج بما يوفر المناخ المناسب للكفاءات وأصحاب المواهب للعمل في هذه الدول والإنتاج العلمي والإبداع بدلاً من الهجرة.
= إعادة النظر جذريًا في سلم الأجور والرواتب التي تمنح للكفاءات العلمية العربية، وتقديم حوافز مادية ترتبط بالبحث والإنتاج، ورفع الحدود العليا للأجور لمكافأة البارزين من ذوي الكفاءات وتقديم الحوافز التشجيعية والتسهيلات.. وان يتحلى البارزون بوضعيات استثنائية من الحماية والرعاية والحصانة.. والارتقاء بالجامعات المعاهد العلمية ومراكز البحوث و تخصيص الموازنات الكافية لتطويرها والوصول بها إلى مصاف الجامعات العالمية.. ورفع الفيتو عن التوظيف في البلدان العربية بدواعي إقليمية.
= تشجيع الحكومات للمستثمرين لإقامة مشروعات ومراكز علمية من جامعات ومراكز بحث ومستشفيات تخصصية كافية في البلدان العربية واجتذاب العقول العربية والكفاءات المتخصصة المهاجرة لإدارة هذه المراكز والإسهام المباشر في أعمالها وأنشطتها.
= ضرورة وضع آليات للاستفادة من العقول العربية المهاجرة بدعوتهم للمشاركة من مواقعهم في بعض البرامج القائمة في مراكز البحث والجامعات العربية، ومنحهم الحوافز المادية وتسهيل إجراءات عودتهم إلى أوطانهم للمشاركة في عملية التنمية والتحديث.
إننا ندرك أن الضغوط على كل بلد عربي تحاول إن تفقده القدرة على التفكير الاستراتيجي للاستفادة من ثرواته من جهة و أن تفقده إرادة الاقتراب من البلدان العربية.. وفي المقابل ندرك أنه لا يمكن لأي بلد عربي امتلاك قوته دونما علاقات عميقة تكاملية بالبلدان العربية الأخرى، ومن حسن حظ وحدة العرب أن ثرواتهم موزعة فيما بينهم، فإما نهضة أمة أو تخلف كل بلد على حده.