تاريخ النشر: 2018-06-05 | 18:22
تاريخ النشر: 2018-06-05 | 18:22
عند الحديث عن العدالة وانتصاب الحق في المجتمع اليوم، نتحدث عن واقع اجتماعي لا يبعث على الاطمئنان، ويثير القلق على حياة تكاد تخلو من أي مقومات الصمود والاستمرار، وتنتهج المجاملات طريقاً للتعبير عن الشكر أو الرضا المصطنع، الذي لا يسمن ولا يغني عن تذمر أو جوع.
ولعل الحديث عن العدالة الاجتماعية يستوجب الحديث عن حقوق الإنسان التي تنتهك خلسة وصراحة تحت مسميات (قوانين التنظيم – المصلحة العامة) في مجتمعات لا تقبل الإنسان إلا بما يملك، وليس بما يستحق، مسميات أرغمت الكثير ممن يستحقون على الشعور بالاغتراب وإلى تمني السفر بلا عودة إلى بلاد يلتمسون فيها العدالة الاجتماعية والحريات الأساسية، ويستشعرون فيها إنسانيتهم التي انتهكت.
إن أهم مظهر من مظاهر أزمة العدالة الاجتماعية نشوء ظاهرة الاستلاب الفكري الذي يمثل صورة من صور اللامعيارية التي تعني ضعف القواعد التي تجمع بين الأفراد في المجتمع أو عدم التوافق بين هذه القواعد وبين طموحات الأفراد، فيضطرون إلى البحث عن بدائل لسد الفراغ الناجم عن الشعور بالخذلان. ولما كان الاستبداد عدواً للتغيير لأنه يكرس الوضع القائم ويكرر اللحظة التي جثم فيها على صدر المجتمع أنماط الاستعمار البائدة، فهو- الاستبداد- عامل رئيس من عوامل انتشار ظواهر الهروب الثقافي، والاستلاب الفكري .
إن الدول التي لا تعني بحصانة أفرادها وحفظ مقومات هويتهم الوطنية، وتركز على تعزيز الانتماء الحزبي، وتعنى بحصانة الحاكم وحفظ السلطة للحزب، إنما تجعل مواطنيها عرضة لأبشع أنواع الاستلاب، ولا أعتقد أن هناك أكثر من الكفاءات تعرضاً للاستلاب، ولا أكثر منهم تفكيراً في الهجرة، وترك الجمل بما حمل في سبيل تحقيق الذات وحفظ ماء الوجه، والتمتع بالحد الأدنى من التقدير والحريات.
وأقولها وليس آسفاً، إن الجامعات من أكثر العوامل التي ساعدت على الاستلاب الفكري، فمن آفة الجامعات في عمومها ضعف استقلالها، وخضوعها لقبضة التنظيمات السياسية والتجاذبات الضاغطة وهيمنة المتنفذين، فيتحول كثير منها إلى محاضن للصراع التنظيمي، والاستحواذ على الفرص والمناصب، وتوزيع الهبات على ذوي القربى، بدلاً من أن تكون منشأ الإبداع والبحث والتغيير نحو الأفضل، فغدا بعضها لخدمة أغراض السلطة السياسية، وبعضها مرتعاً لتوظيف شركاء المصلحة، وبعضها شركة تجارية ربحية بغطاء وطني منمق.
وعودة إلى مجال هذا المقال المرتبط بالاستلاب الفكري فإني أرى أن سعي الكثير من الكفاءات للتفكير في الهجرة ناجم عن اختلال توازن العلاقة بين أنظمة التعليم (بجهازها الحكومي) ومشاريع التنمية الاقتصادية، والاستناد إلى معايير الولاء في تصدير الخبرة على حساب الكفاءات، وعدم إسناد العمل المناسب للمتخرج المتخصص واستعمال الكفاءات في غير ما تخصصوا فيه ودرسوا لأجله.
ولو افترضنا أن هذه الأسباب وليدة الفساد الذي يعم أغلب المجتمعات العربية، فثمة سبب مهم للاستلاب الفكري، والمتعلق بتهميش الطاقات، واستحواذ حفنة من المتنفذين على مراكز الاختصاص، رغم فشلهم في ترجمة رسالة المؤسسة التي يعملون فيها، فيمارسون الحجر على حرية الفكر والأفكار الجديدة التي يجهلون كنهها، متمسكين برتبهم العلمية أو الإدارية المهترئة.
لا أعتقد أن كلامي لا زال مبهماً، فكل الذين فكروا بالهجرة وعانوا من الاستلاب الثقافي والاغتراب تحسسوا عن قرب، ولا زالوا يعانون التهميش والإقصاء المتعمد لا لشيء، بل لأن وجودهم سيكشف عورات الكثير ممن اختلسوا ألقابهم في زمن الندرة، ولمعت أسماءهم في مجالات غير الكفاءة، فانعكاس ذلك كلعنة ترافق الأجيال .