تاريخ النشر: 2021-12-16 | 14:30
تاريخ النشر: 2021-12-16 | 14:30
اين نحن من الصراع الكوني وتدافعاته؟ هل نملك شيئا غير النفط والموقع الاستراتيجي لتقديمه للبشرية؟ وهل نملك غير صفحات تاريخنا لنقدمه لانفسنا لفعل ما يدفع عنا الاذى والشر؟.. في مشاهد التدافع البشري اليوم يكتشف الانسان ان هناك خسارات فادحة حلت بالاسرة البشرية على صعيد الفرد والمجتمع والكون كما يصرخ بذلك كبار المفكرين والادباء والاستراتيجيين فهل يملك الاسلام قدرة على الاسهام في الحل؟ وهل يملك المسلمون القدرة على الخروج من جو التوتر والسلبية للانطلاق في الاجابة على هذه الاسئلة ..؟
من المهم توضيح بعض المعاني بخصوص الاسلام وأمته والبشرية والمجتمعات المدنية والحضارة الغربية.. ومن المهم كذلك تجريد الدين من السلوك البشري قديمه وحديثه والنظر اليها محررا من تراكمات التجارب البشرية عبر الف واربعمائة سنة.. وعندما نقول الدين هنا فجوهر التشريعات السماوية واحد انه الدين المنظم للسلوك ولكن في الشريعة الاسلامية توسع مفهوم الدين ليحمل قيما خاصة بالمجتمع والاسرة والعالم والبيئة والعلاقة بين الانسان والكون والحياة.. ومن هنا يصبح الاسلام هو المعني كلما تكلمنا عن الدين.. وبالدرجة التي نقوم بها لتحرير الاسلام من التراكمات يجب اعادة النظر في المصطلحات والمفاهيم الرائجة عن قصد وعن غير قصد وذلك لتقديم اجابة في مستوى التحديات الكبيرة التي تواجه المصير البشري.
1- الفكرة الاساس في هذه الرؤية تتولد من تساؤل مهم ينبغي ان يطرح على الذين لهم علاقة بالدين: اين نضع الشمال شرقه وغربه بانجازاته المادية العملاقة وبتفتق العقل البشري هناك عن عبقرية لم يبلغها في هذا المجال عبر كل الحضارات السابقة وذلك في مجالات عديدة.. ألايستحق هذا الشمال بما جهد واجتهد أن يأتيه النور الإلهي ومن العدل الالهي أن تتداركه الرحمة الالهية لتكمل له مشهده بما يجعل انجازاته العملاقة في خدمة البشرية.. فكيف يتصرف علماء الاسلام والمفكرون والمثقفون المسلمون في مواجهة هذا المتطلب الانساني الكبير؟
2- العلاقة الصراعية الطويلة بين المسلمين وعواصم الشمال راكمت الاحقاد والدوافع النفسية المرضية على الجانبين وفقد المسلمون وهنا المقصود الخطاب الفكري والسياسي الاسلامي بعده الانساني في اتون الرد على عدوان خططت له قوى شريرة هي في حقيقة الامر ليست فقط ضد شعوب الجنوب بل هي ايضا تمتص دماء الشعوب في الشمال.. وذهب كثير من منظري الاسلام في العهود المتأخرة الى خطاب تحريضي تعميمي شمولي مشحون بالعواطف واحيانا بالتهويش الديماغوجي الذي ليس له علاقة بروح الدين ورسالته.
3- اشتغل كثير من المستشرقين والساسة ومن يسير في ركابهم في عواصم الشمال لشيطنة فكرة الدين والمتدينين مستغلين ما حصل من صراعات تاريخية مع الجنوب ومبررين موقفهم كذلك بصراعهم ضد سيطرة الكنيسة في القرون الوسطى.. فخسر الانسان في دول الشمال جسر التواصل بينه والدين على مكانته الروحية العليا بما تفرضة من جملة قيم وضوابط في السلوك فتحركت المؤسسات العامة والخاصة في دوامة البحث عن الربح مترجما ذلك في جنون الصناعة والانتاج.
4- فكرة الدين الجوهرية لم يعد ظاهر منها الا البصيص وقد غطتها اقوال البشر واجتهاداتهم واراؤهم وامزجتهم في احيان كثيرة وفي مرحلة السكون والغياب عن مسرح الحياة تحولت كلمات البشر التي عالجت ازمنة مختلفة بتحديات مختلفة الى اصنام مقدسة تمثل في حركية المتعاملين بالدعوة والسياسة.. واصبحنا كأننا ازاء دين اخر غير ذلك الذي انزل على محمد.. ولعل المفكر الايراني المبدع علي شريعتي اجاد في ذلك عندما وصف الحالة بان الموضوع الان هو صراع الدين ضد الدين.
5- طغيان حضور الرواية التاريخية عبر حقب زمنية متتالية بطريقة الاستحضار القصصي لتزيين المجالس على حساب النص الجوهري " القران والسنة الصحيحة" أو لي حقيقة الآية والسنة بما يتناسب مع المزاج والتأويل الفاسد.. وهنا تظهر حالة موغلة في التعقيد انها حالة الاستنجاد بالتاريخ ووقائعه امام هزائم الواقع وتحدياته، ولعله مفهوم انه من العبث استعادة الوقائع التاريخية وابطالها فلن ياتي صلاح الدين ولا عمر ولا الشافعي ولا ابو حنيفة.. قد تحضر أرواحهم المنهجية في التعامل مع النص المقدس وردهم على التحدي ولكن انتاجهما لن يكون هو المحصن اليوم في مواجهة اسئلة مختلفة وكل تشتبث باراء السابقين تجاه النفس والاخر انما هو في حقيقته اغراق في التيه والغيبوبة.
6- من أخطر ما شوه الدين هو وجود نمط من الفهم يحشر الدين الالهي في قوم او وطن او فئة او طائفة او حزب فيصبح الدين انتاج بشري ممزوج بمشاعر قومية او فئوية مثله كذلك الذي يعزله عن الحياة والعقل والسلوك من العلمانيين المسلمين بظنه انه دين للعبادة والتهجد والتبرك فهؤلاء كلهم سواء في حجب الدين عن دوره فهم اما عنصريون او جهلة.. ومن الضروري منذ البداية التركيز على مفهوم الدين والفرق بينه والفقه والاجتهاد حيث يمثل الدين جملة الضوابط القيمية والسلوكية والمنهجية للفرد والمجتمع والكون فالدين الالهي ليس مزاجا لاحد انما هو رحمة وكرامة وحنو وسلام لكل البشر وعندما لايكون الدين كذلك فهو ليس دين الله.
7- من الخطأ بل والخطر الشديد ان نظن ان مثل هذا التفكير يأتي من باب الترف لاننا نعيش حياة بائسة واحد اسبابها طغيان المنهج البشري المنفلت من الدين والذي طور اسلحة الابادة البشرية وهتك ستر البيئة والاسرة وارهق الانسان بعالم الاستهلاك والاشياء.. وكل هذا يتحرك لتحطيم الجميع ولن يسلم أحد فالاثار السلبية لاختراق مقدس البيئة وتماسك الاسرة وسلامة النفس ينتشر بشروره في كل اتجاه ولن ينجو منه أحد.. ولعل هذه وظيفة اضافية ملحة تلقى مهماتها على الدين في هذا الزمن الذي اصبح العالم كانه يعيش في قرية يتأثر ببعضه بطريقة سريعة وتبادلية... ومن هنا فان التفكير بالحياة البشرية على هذا النحو يجعلنا نقترب من الدين الالهي المرسل للبشرية كافة.
من يكسر احتكار الاسلام ومحاصرته:
.. المتمسك بالروايات التاريخية وانتاج الاثر والمأثور وكذلك المحدد للدين مكانا قصيا عن حركة الحياة..هذا وذاك احكما غلق البوابات على الاسلام وجعلاه شيئا كما لو كان تمثالا او مجوهرات او اي شيء بلا روح حية متحركة ففقد الاسلام سمته الالهية وخصوصية صلاحيته الدائمة لمواجهة المستحدثات " الصالح لكل زمان ومكان".. ويصبح الدين في مثل هذه الحالة طقوس وتقاليد للحفاظ على الهوية والانتماء لقبيلة او لأمة هي اشبه بالقبيلة مهما كبرت اي تحول الدين الى بعد سياسي لقوم او شعب.. ومن قراءة اولية للقرأن وسلوك محمد صلى الله عليه وسلم وخط الانبيا عليهم السلام وتامل للجيل القراني الفريد نكتشف بسهولة أن الاسلام شيء آخر تماما انه رسالة متجددة الهية بكل النبل والسمو والرحمة والسلامة والامان لانارة الدرب امام البشرية وهدايتها لانجع السبل من اجل حياة كريمة بغض النظر عن الاعتقاد به او عدمه.. فما هي بوابة العالمية للاسلام والتي تفسر قوله سبحانه وتعالى "وما ارسلناك الا رحمة للعالمين."
بعض المتحدثين باسم الاسلام يظن انه بدعواته وترنيماته بقصص السابقين او يتحريضه ضد "الكفار" وانزاله الايات في غير مواضعها انما يكون قد ادى الواجب.. ومن المضحك ان يتوجه بعض المتحدثين باسم الاسلام الى التفنن في ايجاد الحدود والحواجز بين المسلمين وغيرهم بنظرة لا تخلو من سطحية وعنصرية وربما نرجسية خاوية..
تماما كما يحصل في الجانب الاخر الذي يغلق اذنيه ويمعن في الاذى والاستحواذ والهيمنة على ثروات الجنوب واستغلالها استغلال انانيا بشعا.. وهكذا تتساوى مفردات وخطابات الشمال والجنوب مشحونة بالشر بغض النظر عن الشعارات الفارغة.
الاسلام لن يكون حاضرا بالكيفية التي هو عليها الان.. ولن تكون له حجة على الاخرين لانه لم يصلهم الا من خلال اقوال وتصرفات اتباع بعضهم خارج الحياة وتطورها والاخر اتجه الى القتل والعنف وهكذا فلا تقم على شعوب الشمال ومثقفيه أي حجة.. ثم انه ليس مطلوبا من مسيحي او يهودي او بوذي ان يصبح مسلما اكراها.. انما المطلوب وهذا هو الدين التفكير بالانسان والمجتمع البشري والكون وما فيه من تحديات يشترك في الوقوع تحت اثرها الجميع اما مسائل الاعتقاد فتلك متروكة لكل شخص.. المهم الان هل يستطيع المسلمون انطلاقا من الرسالة ودين الله الرحمة والهدى ان يقدموا حلولا انسانية للبشرية من شانها الحفاظ على الجنس البشري.
ميادين التحدي والفشل:
الحفاظ على البيئة وسلامتها، والحرص على المجتمع"العائلة والتجمع" وتماسكه ، وصون النفس البشرية وسلامها الداخلي وتوازنها..بمعنى اخر الانسان في الحياة وعلى ظهر الارض يحتاج بلا شك ضوابط وقيم تحمل قيمة القداسة رادعة ومحببة.. وعندما استبدلت قيادة مجتمعات الشمال قيمة الدين باراء منبثقة عن روح جشعة متفلتة استغلالية ولدتها الحياة الامبريالية الراسمالية حصل الخراب على كل المستويات الاسياسية النفس والمجتمع والبيئة.
هذه العناوين مجتمعة هي المعيار لاي منهج واي نظرية واي نظام واي سياسة.. بمقدار الانجاز على هذه الصعد يكون المنهج والنظام اقرب للصواب والحق أي الى الله بمعنى ان التمسك بالقيم الانسانية العليا المتمثلة بالرحمة واقامة العدل والتسامح واصلاح ذات البين وجعل سعادة الانسان والرحمة به هي اهم مرجعية يستند اليها مجما القوانين والقطاعات العامة في حياة المجتمع. ..
ولقد اثبت تطبيق النظريات والمناهج البشرية مجتمعة عدم قدرتها على التوازن وكبح توجهها الجنوني نحو الربح على ارضية الانفلات من البعد الاخلاقي الى احداث الاضطراب في الحياة الانسانية وهانحن نعيش كوراث بيئية وتفسخ اجتماعي وتهتك للاسر وهاهو التمزق النفسي والامراض المستفحلة في المجتمعات.. هذا فضلا عن الحروب الحمقاء التي يذهب ضحيتها ملايين البشر وتريليونات الدولارات.. هاهي صيحات العقلاء في اوربا وامريكا تدق جرس الخطر الذي يهدد الوجود الانساني..
في هذه اللحظة التاريخية الحرجة يلتقت الانسان ليجد ان كل شيء بناه من مجد مادي كان على حساب عناصر الحياة البيئية والاجتماعية والنفسية وليقف وجها لوجه مع التحديات الخطيرة ولن يجد الانسان في جعبة الحضارة الغربية ما يرممم به الانهيارات على الصعد الثلاثة.. ويصبح كل انجازات الانسان في ظل هذا العجز وهذه الغيبوبة مهددة بالدمار او التوقف او التيبس
من هنا يمكن القول ان المسؤولية الاخلاقية تقع على كاهل حملة رسالة الاسلام عن عجزهم عن الارتقاء الى مستوى الرسالة في مخاطبة الخصوم والاعدء.. الرسالة المختصرة في قول ربعي بن عامر ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد الى عبادة رب العباد ومن جور الاديان الى عدل الاسلام.
يجب الخروج من تقوقع الاسلام في دائرة ضيقة كالعبادات والشريعة بمعناها الضيق كما يظنه كثير من الناس انه الدين الى رسالة الدين على تلك الصعد.. لابد من تقديم رؤية منهجية عميقة جدلية مع الحضارة المادية والنهوض بالبشرية مما ارتكست اليه..
ان التعامل مع الاسلام يجب ان يتجاوز اطروحات العنصريين الذين يدعون انهم الفرقة الناجية واطروحات المتنطعين الذين لايفهمون من رسالة الاسلام الاسلام شيئا ولا اولئك السطحيين الذين يظنون انهم بعباداتهم الشكلية يؤدون رسالة الاسلام يتعبدون كما البوذيين او اصحاب الديانات الطقوسية..
كلمة اخيرة:
الاسلام يتقدم اليوم ان تقدم انما للاجابة على تحديات المرحلة التاريخية العالمية الراهنة في منظومة متكاملة لانه يضمن البعد الاخلاقي وولانه يرتوي بنبع الهي كل مافيه مصلحة الانسان...
هل يقتحم الاسلام هذا الميدان بمعنى هل يطور ادوات خطابه ويصبح دينا عالميا دسن سلام واخوة انسانية حتى وهو يواجه الخصوم والظملة وليس حكرا على المسلمين كانما لو كان دينا لهم فقط، هل يصبح الاسلام مرتعا للباحثين عن السعادة والرفاهية والسلام؟ هذا يعني بوضوح اعادة الاسلام الى مصدره وتحريره من اهواء البشر، ولعلنا في قصص الانبياء نكتشف تماما اي روح تعاملت مع المخطئين والعصاة وهذا ماجعل مفكرا فرنسيا كبيرا مثل رينيه قينون والطبيب الجراح الفرنسي موريس بوكاي وهما يتاملان كيف يعالج القران قصة يوسف عليه السلام ان كل هذه القيم لايمكن ان تكون بشرية فكان ذلك سببا للايمان بالقران انه تصد لكل العصبيات بكل اشكالها حتى عصبية الايمان بالدين فالناس اخوة .. بلا شك مثل هذا الطرح هو مايليق بالاسلام الدين الرحمة للعالمين دين البشرية كافة في حماية البيئة والاسرة والنفس بما يلتزمه من منظومة قيم متراكبة.
ان هذا الامر يحتاج مجددين كبار من صنف العلماء العارفين يحيطون بالواقع الدولي والاقليمي والمحلي وعلاقاته ببعضه البعض كما يحيطون بكيفية تصرف المناهج التي قادت الى تدمير البيئة والمجتمعات والنفس... كما لابد ان يكونوا متحررين من الافهام الجزئية للاسلام.. وتكون لهم معرفة بروحية الدين الاسلامي ورسالته.