لم تعد أزمة هيئة الإذاعة والتلفزيون في إيران خلافاً مهنياً حول ترتيب الأخبار أو اختصار المقابلات، بل أصبحت دليلاً على أن الصراع داخل نظام الملالي انتقل إلى قلب المؤسسة التي يفترض أن تنتج روايته الموحدة. فعندما تُحذف أجزاء من تصريحات رئيس الجمهورية، ويُقطع حديث رئيس مجلس الشورى، ولا تُبث مواقف رئيس السلطة القضائية أو وزير الخارجية كاملة، فإن القضية تتجاوز التحرير الإعلامي إلى سؤال أكثر خطورة: من يملك القرار الفعلي داخل النظام، ومن يحدد ما يجوز حتى لمسؤوليه أن يقولوه؟
المعالجات المتعددة في صحف «آرمان ملي» و«دنياي اقتصاد» و«جهان صنعت» و«توسعه إيراني» و«سازندگي» تكشف أن التوتر ليس عابراً. فاتهامات الحذف والانتقاء تركزت بصورة خاصة على المواقف المرتبطة بالمفاوضات والسياسة الخارجية، أي على أكثر الملفات حساسية في مرحلة الحرب والهدنة الهشة. وهذا يعني أن التلفزيون الرسمي لم يعد مجرد ناقل للصراع بين الأجنحة، بل تحول إلى أداة بيد جناح يسعى إلى فرض قراءته على بقية مؤسسات الحكم.
محاولة بعض الصحف القريبة من السلطة، مثل «كيهان» و«جوان»، الدفاع عن الهيئة واعتبار الانتقادات حملة حكومية، لا تنفي الأزمة بل تؤكدها. فكل طرف يتحدث باسم «الوحدة الوطنية»، بينما يستخدم هذا الشعار لإسكات الطرف الآخر. وما يسمى وحدة داخل النظام ليس توافقاً على استراتيجية مشتركة، بل هدنة قسرية بين مراكز قوة تخشى أن يتحول خلافها إلى انكشاف كامل أمام مجتمع فقد ثقته بالخطاب الرسمي.
الدلالة الأعمق أن النظام الذي أمضى عقوداً في مراقبة المجتمع، بات اليوم يراقب نفسه. إنه لا يخشى فقط ما يقوله المواطنون، بل يخشى أيضاً أن تكشف تصريحات مسؤوليه حجم التناقض في سياساته: فريق يراهن على التفاوض لتخفيف الضغوط، وآخر يرى في استمرار المواجهة وسيلة لحماية نفوذه، فيما تعجز القيادة عن إنتاج قرار موحد. ولذلك يصبح حذف الكلمات بديلاً عن حل الخلاف، ويصبح التحكم بالشاشة محاولة لترميم سلطة متصدعة.
هذه الأزمة الإعلامية لا تنفصل عن الوضع الداخلي. فالتدهور المعيشي، واتساع الغضب الشعبي، وتصاعد الإعدامات والاعتقالات، كلها تجعل أي اعتراف رسمي بالفشل أو الانقسام مادة قابلة للتحول إلى احتجاج. ومن هنا يأتي خوف النظام من وصول الرواية الكاملة إلى الناس، لأن المجتمع لا يحتاج اليوم إلى كثير من الأدلة كي يرى أن السلطة عاجزة عن إدارة الحرب والسلام والاقتصاد في وقت واحد.
في المقابل، تستفيد المقاومة الإيرانية المنظمة ووحدات المقاومة من هذا التآكل المتسارع في هيبة النظام. فهي لا تصنع الانقسام داخل السلطة، لكنها تكشفه وتحوله إلى وعي سياسي منظم، وتؤكد أن الصراع الحقيقي ليس بين جناحين حول طريقة إدارة النظام، بل بين مجتمع يريد التغيير وسلطة تحاول تأجيل سقوطها بالرقابة والقمع.
إن معركة التلفزيون الرسمي ليست خلافاً على دقائق محذوفة، بل علامة على مرحلة صار فيها النظام عاجزاً حتى عن إخفاء تناقضاته. وعندما تتحول الشاشة التي أُنشئت لحماية السلطة إلى مرآة لانقسامها، يصبح السؤال المطروح ليس كيف تستعيد الهيئة صدقيتها، بل إلى متى يستطيع النظام كله الاستمرار في إنتاج رواية لم يعد المجتمع يصدقها.