لم تعد الأزمة الاقتصادية في إيران مجرد نتيجة للعقوبات أو لتقلبات الأسواق، بل أصبحت انعكاساً مباشراً لتراكم سنوات من سوء الإدارة والإنفاق العسكري والسياسات التي استنزفت موارد الدولة. واليوم، وبعد التطورات العسكرية الأخيرة وما خلّفته من أعباء إضافية، تكشف الصحف الحكومية نفسها عن مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: التقشف، وتقليص النفقات، والبحث عن موارد مالية لسد العجز المتزايد.
وتشير التحليلات المنشورة في عدد من الصحف الإيرانية إلى أن الحكومة لم تعد تمتلك هامشاً واسعاً للمناورة. فالعجز في الموازنة يتفاقم، والضغوط على العملة الوطنية مستمرة، بينما تتزايد الالتزامات المالية في وقت تتراجع فيه الإيرادات الحقيقية. ولذلك بدأ الحديث بصورة علنية عن إعادة ترتيب الأولويات، وخفض بعض النفقات، وتشديد السياسة المالية، وهي مؤشرات تعكس انتقال الأزمة من مرحلة مؤقتة إلى أزمة هيكلية طويلة الأمد.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن التقشف لا يأتي في اقتصاد يتمتع بالنمو والاستقرار، وإنما في اقتصاد يعاني أصلاً من تضخم مرتفع، وتراجع في القوة الشرائية، وانكماش الاستثمار، وارتفاع معدلات البطالة. ولذلك فإن أي إجراءات إضافية لتقليص الإنفاق ستنعكس مباشرة على حياة المواطنين، سواء من خلال تقليص الخدمات العامة، أو خفض الدعم، أو زيادة الضرائب والرسوم بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وتحاول بعض الصحف الرسمية تقديم هذه الإجراءات باعتبارها ضرورة وطنية فرضتها الظروف، إلا أن القراءة المتأنية تكشف أن جذور الأزمة أقدم بكثير من الحرب الأخيرة. فالاقتصاد الإيراني ظل لسنوات رهينة الإنفاق الأمني والعسكري، والتدخلات الخارجية، وسيطرة المؤسسات المرتبطة بالحكم على قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي، الأمر الذي حدّ من قدرة القطاع الخاص على النمو، وأضعف الإنتاجية، وزاد من اعتماد الدولة على الموارد النفطية.
ومن اللافت أن الحديث عن التقشف يتزامن مع تزايد المخاوف من اتساع الاحتجاجات الاجتماعية. فالفئات الأكثر تضرراً ستكون الموظفين، والمتقاعدين، وأصحاب الدخل المحدود، الذين استنزفتهم موجات التضخم المتلاحقة. كما أن استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية سيجعل أي سياسة مالية أكثر صعوبة من الناحية الاجتماعية، لأن المجتمع يعيش أصلاً تحت ضغط معيشي غير مسبوق.
وفي هذا السياق، يبرز طرح المعارضة الإيرانية بوصفه رؤية مختلفة لمعالجة جذور الأزمة. فقد شددت السيدة مريم رجوي، خلال لقاءاتها الأخيرة في البرلمان الإيطالي ومجلس الشيوخ الإيطالي، على أن الأزمة الاقتصادية في إيران ليست قضية مالية فحسب، بل هي نتيجة مباشرة لبنية سياسية تحتكر السلطة والثروة معاً. وأكدت أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يظل مستحيلاً ما لم يقترن بإقامة نظام ديمقراطي يقوم على سيادة الشعب، وسيادة القانون، والشفافية، وفصل الدين عن الدولة، بما يتيح توجيه موارد البلاد نحو التنمية بدلاً من الصراعات والتوسع الخارجي.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الحكومة ستطبق سياسة التقشف، بل إلى أي مدى تستطيع تحمل نتائجها الاجتماعية والسياسية. فكل المؤشرات تدل على أن قدرة المواطنين على استيعاب مزيد من الأعباء أصبحت محدودة، وأن الفجوة بين المجتمع والسلطة تزداد اتساعاً مع كل أزمة اقتصادية جديدة.
إن ما تنشره الصحف الحكومية اليوم لا يمثل مجرد نقاش اقتصادي، بل اعترافاً غير مباشر بأن النموذج الاقتصادي الذي حكم إيران طوال العقود الماضية وصل إلى حدوده القصوى. وفي ظل استمرار الاحتقان الشعبي وتصاعد نشاط وحدات المقاومة في مختلف المدن، تبدو الأزمة الاقتصادية مرشحة لأن تتحول أكثر فأكثر إلى أزمة سياسية، حيث لم يعد المواطن الإيراني يطالب فقط بتحسين مستوى معيشته، بل أصبح يطرح أسئلة أعمق حول طبيعة النظام الذي أوصل البلاد إلى هذا المأزق.