تاريخ النشر: 2015-01-16 | 07:16
تاريخ النشر: 2015-01-16 | 07:16
امد/ واشنطن: قدمت كريستين لاغارد مدير عام صندوق النقد الدولي رؤيتها لالاقتصاد العالمي خلال العام الجاري في محاضرة بالعامصة الاميركية جاء فيها:
إن المجلس والصندوق يشتركان في سمات عديدة: فكلاهما يعتمد منظورا عالميا؛ وكلاهما أنشئ بعد صراعات عالمية – الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية؛ وكلاهما انضم إلى صفوف الساعين الدائمين إلى عالم أكثر سلما ورخاء. ويسرني أن أقول إننا لا نزال في فريق واحد!
وسيكون العمل بروح الفريق والقيادة القوية أمرين مطلوبين هذا العام. وسيُعرض رسميا في الأسبوع القادم آخر تحديث لتقريرنا عن آفاق الاقتصاد العالمي – مع كل الأرقام المحددة ذات الصلة. لكن ما أستطيع قوله الآن هو أنه رغم الدفعة الناتجة عن انخفاض أسعار النفط وارتفاع النمو في الولايات المتحدة، فإننا نتوقع استمرار التعافي العالمي لمواجهة رياح عاتية معاكسة.
ولكن قبل الاستفاضة في تفاصيل الآفاق المتوقعة، أود أن أروي لكم قصة وجيزة لمست وتراً عندي.
في أواخر العام الماضي، وبالتحديد في الثاني عشر من نوفمبر، هبطت على أحد المذنبات لأول مرة مركبة فضائية صغيرة تديرها وكالة الفضاء الأوروبية بعد رحلة استغرقت عشر سنوات قطعت فيها نصف مليار ميل. وعلى غرار الملايين غيري، شعرت بانبهار شديد إزاء الجسارة التي تنم عنها هذه المغامرة.
وكان الهبوط على سطح المذنب المعروف باسم 67P جزءا من مهمة "روزيتا" المستمرة التي يقودها فريق من العلماء ينتمي إلى جنسيات متعددة. هؤلاء العلماء استطاعوا معاً مد جسر عبرت عليه الإنسانية إلى الفضاء الخارجي، ومن ثم تعزيز فهمنا للكوكب الذي نعيش فيه. وهكذا، تجسدت فيهم روح علماء القرن التاسع عشر الذي استخدموا حجر رشيد الأصلي لفك شفرة الحروف الهيروغليفية المصرية.
لماذا تهمنا هذه القصة الآن؟ لأن الاقتصاد العالمي سيواجه هذا العام ما يمكن أن نسميه ثلاث لحظات حاسمة على غرار "لحظات روزيتا"، وهي التحديات الكبرى التي تتطلب قرارات تنطلق من شجاعة سياسية، وتحرك حاسم، وتفكير متعدد الأطراف – باختصار، قيادة عالمية بحق.
وأول لحظة حاسمة تشبه "لحظات روزيتا" تتعلق بتعزيز النمو وتوظيف العمالة في الاثني عشر شهرا القادمة – التغلب على هذه "الرياح العاتية" التي أشرت إليها. وتتعلق اللحظة الثانية بتحقيق نمو مشترك أكثر احتواء لكل شرائح السكان، بينما تتعلق اللحظة الثالثة بالتوصل إلى نمو أكثر توازنا واستمرارية.
ولا شك أن هذه اللحظات الثلاث شديدة الترابط والتعاضد. فكلها مهمة، وكلها يقتضي التعاون، وكلها يتطلب قيادة قوية، وكلها يستدعي التعاون. ولكن – بالتأكيد – إذا كنا تستطيع الإمساك بمذنب في الفضاء، فلم لا نستطيع معالجة تحديات السياسة هنا على الأرض؟
أولا – الآفاق العالمية، والمخاطر، وإجراءات السياسة – بث زخم جديد
وسأبدأ بالتحدي الآني عن كيفية بث زخم أكبر في هذا التعافي. وكما أسلفت، نحن لا نزال بصدد الانتهاء من وضع الأرقام الدقيقة لتنبؤاتنا المحدَّثة. ولذلك فسوف أركز على الاتجاهات العامة الرئيسية والتوصيات ذات الصلة بالسياسات.
والسؤال الواضح هو الآتي: هل ينبغي أن نكون أكثر تفاؤلا بمستقبل الاقتصاد العالمي بسبب انخفاض أسعار النفط وزيادة قوة التعافي في الولايات المتحدة؟ الإجابة الأرجح هي "لا"، لأن هناك عوامل مؤثرة لا تزال ترجح كفة التطورات السلبية.
لا شك أن هبوط أسعار النفط يمثل علامة مشجعة جديرة بالترحيب بالنسبة للاقتصاد العالمي. فانخفاض الأسعار يؤدي إلى زيادة القوة الشرائية للمستهلكين وارتفاع طلب القطاع الخاص في البلدان المستوردة للنفط. وتبعا لفترة استمرار المستويات المنخفضة لأسعار النفط، يمكن أن يساهم ذلك في النمو العالمي بشكل إيجابي يستمر لبعض الوقت.
وبالنسبة للاقتصاد الأمريكي، كان الأداء جيدا في عام 2014 ومن المتوقع أن يزداد قوة هذا العام – وهو ما يرجع في الأساس إلى زيادة إنفاق الأسر. وتواصل البطالة انخفاضها في الولايات المتحدة؛ ويؤدي انخفاض أسعار النفط إلى زيادة الدخول الحقيقية وتحسن مزاج المستهلكين؛ وهناك دعم مستمر تقدمه السياسة النقدية التيسيرية للاقتصاد.
ما هي المشكلة إذن؟ إن سعر النفط والنمو في الولايات المتحدة ليسا علاجا لأوجه الضعف العميقة في أماكن أخرى. فالعديد من البلدان لا يزال مثقلا بتركات الأزمة المالية، بما في ذلك مستويات الدين والبطالة المرتفعة. والعديد من الشركات والأسر يواصل تخفيض الاستثمار والاستهلاك اليوم لأنه يشعر بالقلق إزاء النمو المنخفض في المستقبل.
والواقع أن الولايات المتحدة هي الوحيدة بين الاقتصادات الكبرى التي يرجح أن تتميز عن الآخرين هذا العام، بينما تظل اقتصادات أخرى متعثرة – لا سيما من جراء الأداء الاستثماري الباهت. وفي حين يستمر التعافي الواعد في المملكة المتحدة لا يزال النمو شديد الانخفاض في منطقة اليورو واليابان، بينما تشهد الاقتصادات الصاعدة، بقيادة الصين، تباطؤا نسبيا.
المخاطر
وعلى وجه الإجمال، نرى أن النمو العالمي لا يزال شديد الانخفاض وشديد الهشاشة وشديد الميل لجانب واحد. وبالإضافة إلى ذلك، هناك مخاطر كبيرة تهدد مسيرة التعافي. فما هي هذه المخاطر؟
• أولا، عودة السياسات النقدية الطبيعية على نحو غير متزامن في الاقتصادات المتقدمة، وهي مسألة كثر الحديث عنها، ولكننا نتوقع أن تبدأ بالفعل هذا العام. ويمكن أن تشهد الولايات المتحدة أول صعود لأسعار الفائدة قصيرة الأجل منذ عام 2006 – وهي لحظة مهمة. وحتى إذا حَسُنت إدارة هذه العملة والتعريف بها – وأعتقد أن هذا قد حدث وسيستمر – فقد تكون الآثار سلبية على اقتصادات الأسواق الصاعدة والاستقرار المالي العالمي.
• ثانيا، يمكن أن تتعرض الاقتصادات الصاعدة والنامية لضربة ثلاثية من ارتفاع سعر الدولار وارتفاع أسعار الفائدة وزيادة تقلب التدفقات الرأسمالية. وسيكون لزيادة قوة الدولار تأثير كبير على النظم المالية في الأسواق الصاعدة، لأن كثيرا من البنوك والشركات قامت بزيادة اقتراضها بالدولار في السنوات الخمس الماضية. وقد زادت هذه المخاطر بسبب هبوط أسعار النفط – وتراجع أسعار السلع الأولية بشكل أعم – حيث تواجه بعض البلدان مثل نيجيريا وروسيا وفنزويلا ضغوطا شديدة على العملة. ونظرا لحجم هذه الاقتصادات، يمكن أن تكون للتطورات الأخيرة آثار إقليمية كبيرة.
• ثالثا، هناك خطر ينبع من احتمال أن تظل منطقة اليورو واليابان محصورتين في عالم من النمو المنخفض والتضخم المنخفض لفترة طويلة قادمة. وهذه "البيئة ذات الانخفاضين" من شأنها أن تجعل تخفيض البطالة والدين العام والخاص المفرط مهمة أصعب في كثير من بلدان منطقة اليورو، ومن ثم تزيد من مخاطر الركود والانكماش.
• رابعا، هناك زيادة في المخاطر الجغرافية-السياسية. ففي أوكرانيا، على سبيل المثال، من الضروري زيادة المساندة الدولية لتعزيز الدعم الذي يقدمه الصندوق. وفي نفس الوقت، هناك شعور ملموس بأن قوى التعصب والتشرذم تكتسب قوة متزايدة. وما الفظائع الأخيرة التي شهدتها فرنسا – موطني الأصلي – أو نيجيريا أو باكستان إلا آخر تحركات القوى المناهضة لكل ما نؤمن به نحن الموجودون في هذه القاعة.
كل هذا يشير إلى شيء واحد، وهو الحاجة إلى مزيج قوي من السياسات يمكنه تعزيز التعافي الاقتصادي وتقديم رؤى أفضل بشأن التوظيف للمواطنين في جميع أنحاء العالم. فكيف يمكن أن يكون أداء صناع السياسات في "لحظة روزيتا" الراهنة؟
إجراءات السياسة
وعلى وجه العموم، لا تزال السياسات النقدية التيسيرية ضرورية. ويجب أن يكون تصحيح أوضاع المالية العامة مواتيا للنمو وتوظيف العمالة قدر الإمكان. وفوق ذلك كله، ينبغي أن يقوم صناع السياسات في النهاية بتكثيف الإصلاحات الهيكلية. وليس هناك جديد في هذه الوصفة الاقتصادية – أي دعم الطلب والنمو والإصلاحات الهيكلية – ولكنها تكتسب الآن طابعا ملحا وتحمل تأكيدا أكبر على أهمية القيادة السياسية.
فعلى سبيل المثال، سيكون تأثير انخفاض أسعار النفط بمثابة اختبار فوري لكثير من صناع السياسات. ولا يَصْدُق ذلك كثيرا على البلدان المستوردة للنفط التي تمثل الإيرادات غير المتوقعة فرصة لها حتى تعزز أطرها الاقتصادية الكلية وقد تساعد على تخفيف ضغوط التضخم.
لكن البلدان المصدرة للنفط ينبغي أن تعمل على وقاية اقتصاداتها من أثر الصدمة. وتستعين بعض هذه البلدان بمواردها المحققة في أوقات الرخاء كما تلجأ إلى تسجيل عجز في المالية العامة من أجل تعديل إنفاقها العام بشكل أكثر تدرجا. وهناك بلدان أخرى تلجأ إلى السماح بانخفاض كبير في سعر الصرف، مما يجلب خطر التضخم وقد يتطلب تشديد السياسات النقدية.
وفي منطقة اليورو، يساهم انخفاض سعر النفط في زيادة انخفاض توقعات التضخم، مما يزيد مخاطر الانكماش ويعزز الرأي المؤيد لتقديم دفعة تنشيطية نقدية إضافية، الأمر الذي أشار البنك المركزي الأوروبي إلى استعداده للقيام به على سبيل المساندة عند الحاجة.
غير أن الأهم من ذلك كله هو أن هبوط أسعار النفط يمثل فرصة ذهبية لتخفيض دعم الطاقة واستخدام المدخرات في تقديم تحويلات أكثر استهدافا للمستحقين من أجل حماية الفقراء – وهو ما يحث عليه الصندوق بقوة. وقد رأينا مؤخرا حالات ناجحة تم فيها تخفيض دعم الوقود الأحفوري في بلدان مثل الكاميرون وكوت ديفوار ومصر وهايتي والهند وإندونيسيا وماليزيا. وفي بعض البلدان المتقدمة، ينبغي أن يغتنم صناع السياسات الفرصة السانحة لرفع ضرائب الطاقة بغية بناء هوامش وقائية للمالية العامة أو تخفيض الضرائب الأخرى، وخاصة ضرائب العمل.
كل هذا يتطلب شجاعة سياسية بالطبع – على غرار "لحظة روزيتا" الثانية التي تتمثل في كيفية تحقيق نمو احتوائي يصل إلى شرائح أوسع من السكان على المدى المتوسط.
2- الإصلاحات الهيكلية، والبنية التحتية، والتجارة – توليد نمو أكثر شمولا لمختلف شرائح السكان
ولنكن صرحاء: فبعد انقضاء أكثر من ست سنوات على بدء "الركود الكبير"، لا يزال هناك عدد كبير من الناس لا يشعر بتأثير التعافي. ففي عدد هائل من البلدان، لا تزال البطالة مرتفعة بينما زاد عدم المساواة. ولذلك نحتاج إلى دفعة حاسمة للإصلاحات الهيكلية من أجل تعزيز النمو الحالي بالإضافة إلى النمو الممكن على المدى المتوسط.
إن عام 2015 يجب أن يكون عام الحراك. ويعني هذا إزالة التشوهات عميقة الجذور في أسواق العمل والمنتجات؛ ويعني إعادة تأهيل البنى التحتية المتداعية وبناء بنى تحتية جديدة؛ ويعني تحرير التجارة والمضي قدما في إصلاحات التعليم، والصحة وشبكات الأمان الاجتماعي. ويعني أيضا إطلاق القوة الاقتصادية لدى المرأة.
وأود الاستفاضة في عاملين يمكن أن يغيرا قواعد اللعبة.
الاستثمار في البنية التحتية
أحدهما الاستثمار في البنية التحتية – حيث يتسم الاستثمار بالكفاءة ودقة الاختيار. وسأكون واضحة في هذا الصدد: أنا لا أقصد الإشارة إلى "جسور نحو المجهول"، كما يقول المثل السائر. فبحوث الصندوق توضح أن زيادة الاستثمار العام في البنية التحتية يرفع الناتج على المدى القصير عن طريق رفع الطلب؛ وعلى المدى الطويل عن طريق رفع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد. وبالفعل، تمثل زيادة الاستثمار عالي الجودة في البنية التحتية بندا رئيسيا في جدول أعمال النمو الذي وضعته مجموعة العشرين، وهو ما يُقَدّر أن يضيف أكثر من 2 تريليون دولار للاقتصاد العالمي على مدار الأربع سنوات القادمة.
ويتباين نطاق هذه الاستثمارات عبر البلدان، تبعا للحيز المالي وثغرات البنية التحتية في كل منها. ففي الهند والبرازيل، على سبيل المثال، ينبغي التركيز على إزالة الاختناقات التي تقيد النمو – في قطاعي النقل والطاقة. وفي الولايات المتحدة وألمانيا، تتركز الحاجة في إصلاح البنية التحتية القائمة بعد عقود من نقص الاستثمار.
وأيا كان احتياج كل بلد، فإن الوقت ملائم لإبداء العزم والتصميم – عن طريق العمل على إتمام خطة الاستثمار الطموحة التي وضعتها المفوضية الأوروبية بقيمة 315 مليار يورو، على سبيل المثال، وهي خطة تبشر بتحقيق نمو أقوى وخلق المزيد من فرص العمل.
السياسات الجنسانية
وهناك عامل آخر قد يغير قواعد اللعبة، وهو إطلاق القوة الاقتصادية لملايين النساء اللاتي المحرومات من دخول سوق العمل. إن استبعاد هؤلاء النساء ليس خطأ أخلاقيا فحسب، وإنما هو من قبيل الفكر الاقتصادي المعيب. وهناك فجوات بين الجنسين من حيث المشاركة في سوق العمل على مستوى العالم كله، وهي تتراوح بين 12% في اقتصادات "منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي" و 50% في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وهناك بلدان مثل شيلي وهولندا، مثلا، أثبتت إمكانية زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل عن طريق السياسات الذكية التي تركز على خدمات رعاية الطفل بمقابل في المتناول، وإجازات الأمومة، ومرونة مكان العمل. وهنا أيضا، يتمثل الهدف الرئيسي لاستراتيجية مجموعة العشرين من أجل النمو في سد الفجوة بين الجنسين بنسبة 25% على مدار العقد القادم. وسيؤدي هذا إلى إشراك أكثر من 100 مليون امرأة في سوق العمل، ومن ثم زيادة النمو العالمي وتخفيض الفقر وعدم المساواة.
إصلاح التجارة
والسؤال التالي هو: كيف يمكن تحسين الاستفادة من مكاسب الإصلاحات الهيكلية المختلفة؟ والاحتمال كبير أن يكون تحرير التجارة هو الجواب الصحيح!
فبعد سنوات من تباطؤ نمو التجارة العالمية، يمكن أن يكون 2015 عام الحسم في المفاوضات حول اتفاقية طموحة للتجارة العابرة للمحيط الهادئ – وهي "شراكة المحيط الهادئ" (أو TPP). كذلك ينبغي لصناع السياسات المضي قدما في المفاوضات المعنية باتفاقية عابرة للمحيط الأطلسي، وهي المعروفة باسم "شراكة التجارة والاستثمار عبر المحيط الأطلسي" (أو TTIP)، علما بأنها في مرحلة أقل تقدما ولكنها تستطيع تقديم نفس القدر من المزايا الذي تتيحه نظيرتها المعنية بالمحيط الهادئ.
وفي الولايات المتحدة، تمثل هذه الاتفاقيات التجارية المهمة مجالات للتعاون المحتمل بين الكونغرس الجديد ورئيس الدولة. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، وسيكون التقدم في مجال التجارة مفيدا للغاية في رفع النمو وتعزيز الثقة. وفي اليابان، تحرص الحكومة على استخدام شراكة المحيط الهادئ لضخ مزيد من المنافسة في اقتصادها الذي يتسم بالنمو المنخفض. أما الاقتصادات الصاعدة والنامية فيمكن أن تستفيد من زيادة الاندماج في الاقتصاد العالمي. فهل من عيب في أي مما سبق إذن؟
كل الأطراف لديها حوافز لعقد الصفقات. لكن الإرادة السياسية هي المطلوبة حاليا لبلوغ خط النهاية.
وهنا نصل إلى لحظة روزيتا الثالثة: كيف نحقق نموا أكثر توازنا واستمرارية على المدى الطويل؟ التنظيم المالي والتنمية الدولية والسياسة البيئية عوامل أساسية في هذا الصدد.
3- التنظيم المالي والتنمية الدولية وتغير المناخ – ركائز لتوليد نمو أكثر استمرارية
وإذا كان لنا أن نستخلص درسا واحدا من الركود الكبير، فهو أننا لا نستطيع تحقيق نمو اقتصادي قابل للاستمرار دون قطاع مالي قابل للاستمرار. وعلى ذلك يجب أن نستكمل جدول أعمال الإصلاح في القطاع المالي.
وقد تم تحقيق تقدم، لا سيما في مجال التنظيم المصرفي، وكذلك في معالجة مشكلة المؤسسات المالية الأهم من أن تفشل – وإن كان بدرجة أقل. فالنظام المصرفي العالمي أصبح أقل اعتمادا على الرفع المالي، ومن ثم أقل تعرضا لخطر العدوى. لكن صيرفة الظل لم تتحول بعد إلى مصدر مرن لتمويل الاقتصاد.
أما التحدي الكبير في الوقت الراهن فهو تنفيذ الإصلاحات وتحسين جودة الرقابة. فعلى سبيل المثال، كان هناك تفاوت في تنفيذ إطار بازل 3 بين أهم سوقين ماليين - الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وسيتعين متابعة هذه الاختلافات بعناية. ونحتاج أيضا إلى تحقيق تقدم في وضع قواعد للمعاملات في المشتقات المعقدة العابرة للحدود.
والأهم من ذلك كله أننا في انتظار تغير فارق في ثقافة القطاع المالي. وهناك إجراءات مهمة يتم اتخاذها. فعلى سبيل المثال، ستعقد في هذا العام أول محاكمات المحلفين حول فضيحة التداول عن طريق التلاعب بأسعار فائدة "ليبور". لكن استعادة الثقة الكاملة تحتاج إلى جهد شامل لتشجيع وفرض السلوك الأخلاقي في مختلف مجالات هذه الصناعة.
التنمية القابلة للاستمرار وتغير المناخ
مثال آخر على كيفية توليد النمو القابل للاستمرار هو التنمية الدولية. ففي سبتمبر من هذا العام، تستضيف الأمم المتحدة مؤتمرا كبيرا يسعى إلى إحلال مجموعة جديدة من أهداف التنمية المستدامة محل الأهداف الإنمائية للألفية التي سبق اعتمادها في عام 2000. ونحن في صندوق النقد الدولي سنساهم بدور كبير في مساعدة البلدان على استيفاء أهداف التنمية الجديدة، والبناء على عملنا المستمر منذ وقت طويل في البلدان النامية.
وسيكون عام 2015 أيضا عام الحسم في جهود التوصل إلى اتفاقية دولية بشأن تغير المناخ، الذي يتجه نحو صدام حتمي مع الاقتصاد العالمي. فدرجات الحرارة المتوسطة في ارتفاع مستمر – حيث سجل عام 2014 رقما قياسيا في دفء المناخ – وكذلك مخاطر زيادة تواتر الكوارث الطبيعية وتراجع الأمن الغذائي والمائي.
وهنا أيضا، نحتاج إلى مزيد من الشجاعة السياسية للتوصل إلى اتفاق شامل لتخفيض انبعاثات الكربون في قمة باريس المقررة في ديسمبر القادم. ويمكن أن يكون النجاح في التوصل إلى هذا الاتفاق إيذانا بعهد جديد للطاقة يمكن أن يساعد على إنقاذ كوكب الأرض.
خاتمة
ويعيدني هذا إلى البداية. فبينما كنت أتحدث، كانت مركبة الفضاء روزيتا تواصل الطواف حول جسم مظلم جليدي هو مذنب 67P. ومع اقتراب المذنب من الشمس، قد يتكشف لنا المزيد من الأسرار. ونظرا للتنوع الذي يتسم به أعضاء فريق "مهمة روزيتا" وداعميها، فإن هذه المهمة تقف شاهدا على التعاون العالمي الحقيقي.
وينبغي لصناع القرار أن يجعلوا من ذلك مصدر إلهام لهم. فلا توجد أسرار حول ما يمكن أن يهدد النمو. لكن نجاحهم في اجتياز لحظات روزيتا الثلاث يستلزم توثيق التعاون العالمي. فينبغي لهم اعتناق ما أَطلَقْتُ عليه اسم "الروح الجديدة للعمل متعدد الأطراف". وهذا العام هو الوقت المناسب لوضعها موضع التنفيذ العملي.
وتتطلب هذه الروح الجديدة أيضا وجود مؤسسات تتمتع بالكفاءة والمصداقية وتكون انعكاسا للاقتصاد العالمي المتغير. ولهذا السبب اتفق المجتمع الدولي على إصلاح صندوق النقد الدولي لزيادة تمثيل بلدان الأسواق الصاعدة. ومن شأن إصلاحات نظام الحصص والحوكمة المتفق عليها عام 2010 أن تساعد في الحفاظ على طاقته المالية لمواجهة التحديات القادمة.
وقد أهاب البلدان الأعضاء في الصندوق بالولايات المتحدة أن تصادق على إصلاحات 2010 مع نهاية العام الماضي، وهو ما لم يحدث. ونظرا لكثرة حديثي اليوم عن القيادة، فلا يسعني إلا الإعراب عن خيبة أملي العميقة في القوى السياسية التي أخفقت حتى الآن في استيعاب منافع الإصلاح سواء بالنسبة لبلدها أو للعالم كله. وقد رأينا من الولايات المتحدة ما هو أفضل من ذلك على مدار السبعين عاما الماضية.
وسنعمل الآن على تحديد حلول مؤقتة لمعالجة بعض بواعث القلق لدى بلداننا الأعضاء الأخرى البالغ عددها 187 بلدا. فنظرا للتحديات التي سينطوي عليها عام 2015 والأعوام التالية، لا بديل لاستكمال إصلاحات 2010 – ولازلنا نهيب بالكونغرس أن يوافق عليها دون تأخير.
وأود أن أختتم بمقولة مقتبسة تلخص دعوتي لتعزيز القيادة والتعاون في خدمة الصالح العام العالمي.
وتُنسب مقولتي إلى بريكلس، رجل الدولة والخطيب الأثيني:
"ما تخلفه وراءك ليس المحفور على الآثار الحجرية، وإنما المنسوج في حياة الآخرين."
وأمامنا الكثير من أعمال النسج في هذا العام.