تعيش الأمة العربية والإسلامية اليوم حالة من الضعف والذلة والهوان، وغياب نعمة الأمن عنهم، وبرزت ثقافة غريبة وجماعات متقلبة الفكر، متشددة في الدين متأثرة بفكر دخيل غريب على مجتمعنا المسلم الوسطي، وذلك بسبب انعدام التربية السليمة عمومًا، والتربية الأمنية والفكرية الإيمانية عامةً؛ وعلى ضوء ذلك يجب ايضاح الأمن الفكري في مجتمعاتنا العربية عمومًا وفي فلسطين خصوصًا، والتعرف على الأمن الفكري والثقافي والتطرق إليهما على ضوء نظرة الإسلام الوسطي لهما؛ حيث اتسع مفهوم الأمن الإنساني وتشعبت أنواعه في زماننا الذي نعيشهُ اليوم؛ وسنتطرق لبعضٍ من أنواع الأمن، لأن تلك الأنواع تُعتبر من متطلبات التربية الأمنية والوطنية الوسطية السليمة، الواجب التعريف بها لشبابنا عامةً؛ ولنتطرق لمفهوم الأمن الشامل بإيجاز: ويتضمن الأمن الاجتماعي، لأن أمن المجتمع من متطلبات التربية الأمنية والفكرية السليمة، ويندرج إسلاميًا تحت باب حفظ الدين، وحفظ النفس، والعقل، والنسل والمال، لأن مقاصد الشريعة الخمس جاءت لحفظ الدين والنفس،" وحفظ الأمن العقلي والفكري المنشود، وذلك من خلال أن يعيش الناس في بلادهم آمنين على مكونات أصالتهم وثقافتهم النوعية ومنظومتهُ الفكرية المنبثقة من القرآن والسنة، متى اطمأن العرب والمسلمون على خصائص ثقافتهم ومميزات مناهجهم الإسلامية، وأمِنوا على ذلك من ملوثات الفكر الدخيل وغوائل الثقافة المستوردة، فقد تحقق لهم الأمن الفكري، في زمن شوشت كثير من أفكار الناس وأصبحوا خطرا يُتقي شرهم، وهذا مصداق قول النبي الأمين محمد صلي الله عليه واله وصحابته وسلم" إن شر الناس منزلةً يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره".
إن الأمن الفكري يقابلهُ الانحراف الفكري، وهو الخروج عن الحد الشرعي، الذي ورد في القرآن أو السنة، أو أجمع العلماء على حرمته، مثل الإلحاد والتكفير بغير علم، والبغي والمحرمات والابتداع والتعصب، وغير ذلك من الشبهات والشهوات التي تثار بين الحين والآخر.
إن للأمن الشامل، والأمن الفكري مظاهر، ومتطلبات تتمثل في "سلامة المنهج، والالتزام في الوسطية، والاستقرار النفسي والأسري وكمال الشخصية، وسلامة العقل، وعمل الخيرات والصالحات وحسن التعامل مع الآخرين، والقدرة على التمييز بين الخير والشر، لأن العلاقة بين الأمن الفكري والأمن الثقافي علاقة توصف بالوثيقة؛ لأن الأمن الفكري والثقافي يشكل عمقاً استراتيجياً للأمن الوطني، فهو مرتبط في هوية الأمة وعقيدتها، واستقرار قيمها، وشريعتها الإسلامية، ومناهجها التربوية في ضوء التصور الإسلامي الشامل؛ لأن الأمن الفكري محور الارتكاز لأمن الوطن العربي والإسلامي.
إن تعريف "الأمن الفكري" مكون من مجموع كلمتي "الأمن" و" الفكر", وهذا المصطلح المركب، هو: "إحساس المجتمع أن منظومته الفكرية ونظامه الأخلاقي، الذي يرتب العلاقات بين أفراده داخل المجتمع، ليس في موضع تهديد من فكر وافد، بإحلال لا قبل له برده، سواء من خلال غزو فكري منظم، أو سياسات مفروضة".
الأمن والخوف نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، بمعنى أن الإنسان لا تخلو حياته منهما فهو إما في أمن أو خوف , وليس الأمنُ متمثلاً في اطمئنان الإنسان على نفسه وماله فقط , بل يتعدى الأمن بمفهومه الشامل هذا الجانب إلى جوانب أخرى مهمة، في بلادنا العربية، لتحصين الشباب من بعض الأفكار الغربية الهدامة ووسائل الإعلام العديدة المفتوحة ليل نهار أمام أفراد المجتمع، من الفضائيات المرئية، والشبكة العنكبوتية(الإنترنت) وغير ذلك الخ...
والأمن الفكري ينبغي أن يتوج بحفظ عنصرين ومتطلبين عظيمين، ألا وهما: عنصر الفكر التعليمي، وعنصر الأمن الإعلامي، إذ يجب على الأمة من خلال هذين العنصرين ألا تقع في مزالق الانحدار والتغريب، والتي هي بدورها تطمس الهوية للمسلم، وتفقده توازنه الأمني والاعتزاز بتمسكه بدينه، إذ إن الأمن على العقول والأوطان، لا يقل أهميته عن أمن الأرواح والأموال، فكما أن للبيوت لصوصاً ومختلسين، وللأموال كذلك؛ فإن للعقول لصوصاً ومختلسين. بل إن لصوص العقول أشد خطراً، وأنكي جُرحاً من سائر اللصوص....
وإن الأمن الفكري الحقيقي هو النابع من الإيمان، فمن آمن فقد أّمِن، وأنت حر ما لم تضُر؛ وهذا كلهُ يدعوننا لنسلط الضوء على الأمن الثقافي بجانب الأمن الفكري لأنه لا يستغني أحدهما عن الآخر، ويقصد بالأمن الثقافي هو: "الإجراءات اللازمة للمحافظة على الهوية الوطنية الإسلامية والثقافية العربية من الغزو الفكري والتغريب، وحفظ البيانات والمعلومات والدراسات والأبحاث الهامة التي يمكن تداولها عبر تقنيات الحاسب الألى وشبكات المعلومات ووسائل الاتصالات المختلفة، من أخطار السرقة والقرصنة، والتزوير والتخريب أو الإتلاف خصوصاً تلك المعلومات الهامة، والتي لها علاقة بالجوانب المقدسة عند الأمة مثل "تحريف القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة" ومسح بعض الآثار الإسلامية، والتراث الإسلامي، وكذلك المعلومات السرية التي تخص الأفراد أو الدول. ونحن في فلسطين لنا أكبر برهان واضح وملموس على أهمية الأمن الفكري والثقافي لأبناء شعبنا الفلسطيني؛ حيث حاول المحتل الصهيوني على مدار سنوات الاحتلال البغيض التي تجاوزت نصف قرن من طمس الهوية الوطنية والإسلامية الفلسطينية؛ وخصوصاً عبر تهويد القدس الشريف، أولي القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين، ومسرى النبي صل الله عليه وسلم، وذلك عبر حفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى وبناء الهيكل وتغير الواقع الثقافي والديمغرافي على الأرض، ومحاولة هدمه المتكررة من قطعان اليهود المستوطنين الصهاينة، ليقيموا الهيكل المزعوم مكانهُ، وعبر تهويد المناهج التعليمية؛ فكل يوم يمضي تُطمس معالم كثيرة من المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف؛ من قبل هذا المحتل البغيض الحاقد، ويحاول كذلك طمس الهوية الثقافية الإسلامية والمسيحية، من خلال تهويد كل شيء وتغير اسماء الشوارع لأسماء عبرية وسرقة الميراث العربي الاسلامي للمدينة المقدسة، فنحن اليوم في أمس الحاجة للأمن الفكري والثقافي الصحيح لأبنائنا ولتوضيح أنواع الأمن في مناهجنا التعليمية، في وقت ظهرت فيه الكثير من غوائل الفكر الدخيل والثقافات المستوردة والدخيلة على ثقافة وحضارة شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية؛ مما يدعونا للوقوف جميعًا أمام تلك التحديات الكثيرة التي تعترض طريقنا في هذا العالم الذى أصبح مثل الكتاب المفتوح أمام الجميع، والكل يحاول أن يسوق لبضاعته وفكره وتفافته ليسيطر بها على عقول وأذهان شبابنا التائه اليوم، في خِضم بحرٍ متلاطم الأمواج من الأعداء يضربهم بلا رحمة، فيضرب عقولهم بسبب مشاكل كثيرة وهموم كبيرة، وفقر مدُقع، وواقع عربي مرير؛ مما دفع الكثير منهم للهجرة، والبعض الأخر للدخول في تنظيمات متطرفة ومنحرفة فكريًا ضالة مُضللة، تفسر الأمور حسب الأهواء والمصالح الخاصة لتلك الجماعات التي تاهت فكرياً وانجرفت في مستنقع القتل والتخريب والغلو، وسلبت عقول بعضهم، وخدموا المحتل من حيث لا يعلمون؛ ولم يصبحوا من أولي الألباب، مما يتوجب علينا أن نقف وقفة تأمل وتدبر، وتفكر، ونظر ورؤية معمقة في واقعنا العربي والفلسطيني المرير، لنعزز ثقافة الحوار والفكر الوطني الإسلامي المبني على العدل والرحمة والوسطية والفضيلة، وكما قال النبي: "إنما بعت لأتمم مكارم الأخلاق" أي أحاسنها .