تعيش معظم الدول العربية وبعض الدول الغربية منذ فترة حالة من فقدان الأمن بجميع أشكاله سواء الأمن النفسي أو الأمن الغذائي أو الأمن الاقتصادي والسياسي والمن الفكري ونتطرق اليوم عن الأمن الديني في ظل تسارع وازدياد وثيرة الفكر المتطرف و ظهور الغلو في الدين حيث يقول الله عز وجل: "الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ" (الأنعام:82) لقد وعد الله عز وجل المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ولا يظلمون الناس، بنعمة الأمن والأمان في الدنيا وفي الآخرة، أي توفير الطمأنينة والسكينة لهم.
تعريف معني الأمن: للأمن عدِة معانٍ في لغة العرب: ذكر ابن منظور، أن الأمن بمعنى الأمان والأمانة؛ وقد آمنتُ، فأنا آمن، وآمّنتُ غيري من الأمن، والأمان ضد الخوف، والأمانة ضد الخيانة، وورد مصطلح كلمة الآمن ومشتقاته في سياق آيات القرآن الكريم، على أكثر من عشرين صيغة وهي كما يلي: "أمان- أمانة – آمن- الإيمان- أؤتمن- استأمن- الأمين- والمأمون- ومنها كلمة أمين في الدعاء- أمنتكم- أمنتم- أمنوا- أمنكم- تأمنا- تأمنه- يأمن- يأمنوا- يأمنوكم- آمناً- آمنةً - آمنون- آمنين- أمناً- مأمنُه- أَمِنهُم. وذلك في أربعٍ وعشرين سورة من سور القرآن الكريم. وورد في المعجم الوسيط: أن الأمن بمعني الاطمئنان، فهو آمن إذا أطمأن ولم يخف، وذكر أيضاً بأن الأمن بمعني التصديق، والمعني(آمن) إيماناً صار ذا أمن وصِدق؛ ومنه قوله سبحانه وتعالي:" وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ "(يوسف:17)، وأما في مختار الصحاح: فذكر إن الأمن ضد الخوف، والأمنةُ هي (الأمن) ومنه قول الله تعالي:" ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا، (أل عمران:154) واشتق من لفظ (أمن) عدة ألفاظ نورد منها: الأمن يعني:( طمأنينة النفس وزوال الخوف، والطمأنينة والأمان)، ومنها كلمة آمن، وآمنوا، ومؤمن وهو نقيض الخوف، والأمن في الاصطلاح: هي حالة الاطمئنان التي يشعر بها الأفراد والمجتمع والدولة نتيجة زوال الخوف من التهديدات والاعتداءات عن طريق عدد من الإجراءات التي تتخذها السلطة وبتعاون أفراد المجتمع. والأمن من منظور علماء الاجتماع:" هو حاجة أساسية للفرد، لضرورة بقاء الفرد وممارسته لنشاطه، وهو حالة شعورية أو ذهنية تظهر في غياب الخوف والقلق والتوتر. ويعرف الأمن بأنهُ:" القدرة على المحافظة على الأمة وكرامتها، وأراضيها واقتصادها، وحماية مواردها الطبيعية من أي اعتداء خارجي. ويعرف الأمن آخرون بأنه: الجهود التي تبذلها الدولة لتثبيت الشعور بالأمن لدى المواطنين بالعمل على منع وتقليل فرص ارتكاب الجريمة وتتبع مرتكبيها وضبطهم.
ولا يقتصر الأمن الوطني على البعد السياسي أو العسكري، بل يمتد ليشمل البعد الإنساني كذلك، ويغطي الأمن الحماية والرفاهية والرخاء الاقتصادي، والأمن النفسي والغذائي، والثقافي. "وقد أضحى الأمن ضرورة من ضروريات الحياة، لأن استتباب الأمن يؤدي إلي تحقيق متطلبات التقدم والبناء، ويقضي على الفوضى والشغب والعنف والجريمة، ويقلل منها. وفي ظل الأمن والأمان تحلو العبادة ويصير النوم ثباتاً، والطعام هنيئاً والشراب مريئاً، وهو مطلب الشعوب كافة، والأمن هبة من الله لعباده ونعمة يغبط عليها كل من وهبها الله عز وجل لهُ. والأمن: مشتق من كلمة المؤمن، والإيمان، والأمان؛ فمن آمن فقد أمن. أي صار مطمئن البال، ساكن الحال والنفس؛ (ومن أمن فقد آمِن). يقوم الأمن في التصور الإسلامي: على مجموعة من الأسس الرئيسية ومنها: هو الإيمان بالله عز وجل وإعمار الأرض وفق منهج الله جل جلالهُ: إن لم تؤمنوا؛ فلن تأمنوا، "إن تحقيق الصلاح الفردي والمجتمعي والعمراني، بضبط نظام العالم؛ واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه؛ وهو الإنسان" وهذا يحتاج لتحقيق الإيمان بالله عز وجل وعمل الصالحات عبر ترقية الأرض واستصلاحها وفق إرادة وشرع الله عز وجل، قال تعالي: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِك فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (النور:55).
وتكمن أهمية التصور الإسلامي للأمن من خلال خروج أُسسها من رحم الشريعة الإسلامية ومقاصدها العظيمة؛ حيث دلت الآية على أن الله عز وجل سيمكن لرسوله صلي الله عليه وسلم، وسيجعل أمته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس وشهداء عليهم بالوسطية، والعدل، وذلك من خلال: العمل الصالح، والإيمان بالله؛ حيث لم يلتحق الرسول عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى؛ حتى خضعت له البلاد والعباد، وساد الدين والأمن والأمان، للمؤمنين بسبب إيمانهم بالله وإتباع ذلك بالعمل. إن نظرة الأمن في التصور الإسلامي تعني اعتماداً علي الإيمان بالله وعمل الصالحات؛ وعلى مسلك التيسير ورفع الضرر وتساوقها مع الفطرة الإنسانية، و انبعاثها وولادتها من قلب مقاصد الشريعة الإسلامية يعُطيها بُعداً وطنياً وإسلامياً أخلاقياً، لأنه بغير الأمن النابع من الشريعة ومقاصدها الُكبرى؛ تفقد المُجتمعات الإنسانية استقرارها وسلامتها وطمأنينتها الحقيقية، وتتحول حياتها إلى كَبّدٍ وهمٍ، وغّم لا يطاق، والأمن في التصور الإسلامي من موجبات عبادة الله وحده، فالأمن من الخوف يعني الاستقرار الاجتماعي، والإطعام من الجوع يعني الأمن الغذائي، ويقدم الإسلام الأمن على أنه أوسع من أن يختزل في نطاق الحياة الدنيا، ليشمل حياة الإنسان فيما بعد هذه الحياة، أي حياته في الدار الآخرة، مما يعني أن مفهوم الأمن في معناه الإسلامي يقوم على قاعدة: الإيمان بالله، وعمل الصالحات؛ قال تعالى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ" (الأنعام:82).