ليس دفاعًا عن الاحتلال الغاشم، ولكنها الحقيقة المُّرة التي يجب أن تُقال؛ لقد عشنا في زمن الاحتلال المُجرم سنوات طويلة، لكننا لم نسمع في تلك السنوات عن أي مواطنٍ فلسطيني أقدم على الانتحار وشنق نفسهُ؛ من شّدةِ الفقر والحاجة والفقر والضغط النفسي على الشعب، في زمن من يسيطرون ويحكمون قبضتهم الأمنية على قطاع غزة لا هم لهم إلا أنفُسهم وحركتهم وتنظيمهم، وكأنهم يعيشون في كوكبٍ آخر!!؛ لقد أصبح الوضع في فلسطين وخصوصًا في قطاع غزة لا يُطاق؛ فقرُ مُدقع، غلاٌء في الأسعار تُجار أكثرُهم فُجار!! إلا من اتقي وبّر واصلح وقليلٌ ما هم، كما جاء في الحديث الشريف الصحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" : إِنَّ التُجَّارَ يُبعَثُونَ يَومَ القِيَامَةِ فُجَّارًا ، إِلَّا مَن اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ"- إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللَّهَ، بأن لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة ، مِن غِشٍّ وخيانة ، وأخرج حق الله في ماله للفقراء والمساكين وأخرج زكاة مالهِ، و أَحسَنَ إلى الناس في تجارته، ولم يحتكر ويرفع أسعار السلع لأن المُحتكر ملعون كما جاء في الحديث الشريف، وكذلك من قام بطاعة الله وعبادته، وَصَدَقَ في بيعهِ وشرائهِ وفي يمينه وسائر كلامه قال القاضي : لمَّا كان من دَيدَنِ التجار التدليس في المعاملات ، والتهالُكُ على ترويج السلع بما تيسر لهم من الأيمان الكاذبة ونحوها ، حكم عليهم بالفجور ، واستثنى منهم من اتقى المحارم ، وبرَّ في يمينه ، وصدق في حديثه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم frown رمز تعبيري إِنَّ التُجَّارَ هُمُ الفُجَّارَ ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ أَوَ لَيسَ قَد أَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلِكِنَّهُم يُحَدِّثُونَ فَيَكذِبُونَ ، وَيَحلِفُونَ فَيَأثَمُونَ ) وإلا فإن التجارة من أفضل أنواع المكاسب لمن بَرَّ وصدق ، فإن التاجر الصدوق الأمين له من الأجر الشيء العظيم؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم frown رمز تعبيري التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وحسن أولئك رفيقًا.
لقد ظهرت في فلسطين في الآونة الأخيرة ظاهرة َ الانتحار وهي ظاهرة غريبة عجيبة على شعبنا الفلسطيني المسلم!! ونحن نعلم الحصار والضيق وتقصير العديد من التُجار والأغنياء والفصائل والحكومات المتعاقبة والتنظيمات والأحزاب نحو حقوق المواطنين ومن وصلت بهم الحالة إلا البحث في القمامة عن مصدر رزقٍ أو لقمة عيش مُغمسة بالدم!! لكن كُل ما سبق لن ولم يبرر الانتحار وهو يعُتبر كبيرة عن من كبائر الذنوب ، فلقد حوصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضوان الله عليهم جميعًا وأكلوا ورق الشجر وأعتقد لم يصل بأحدٍ منا بأنهُ أكل من أورق الشجر؛ فلا مُبرر مُطلقًا للانتحار ولا للمُنتحر، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن المنتحر يعاقب بمثل ما قتل نفسه به . فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مَن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ، ومَن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ) رواه البخاري ( 5442 ) ومسلم ( 109 ) . وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ) رواه البخاري، وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات . قال الله تعالى : بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة ) رواه البخاري، وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على المنتحر ، عقوبةً له ، وزجراً لغيره أن يفعل فعله ، وأذن للناس أن يصلوا عليه ، فيسن لأهل العلم والفضل ترك الصلاة على المنتحر تأسيّاً بالنبي صلى الله عليه وسلم . فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : ( أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمَشاقص فلم يصل عليه ) رواه مسلم ، والانتحار ليس كفراً مخرجاً من الملة كما يظن بعض الناس ، بل هو من كبائر الذنوب التي تكون في مشيئة الله يوم القيامة إن شاء غفرها وإن شاء عذَّب بها، وهنا لابد الرجوع إلا أصحاب القرار والتجار والأغنياء والحكومة والتنظيمات؛ فلا مُبرر لأحدٍ على الاطلاق فالمسؤولية تقع على كاهل الجميع، فكُلكم راعٍ وكُلكُم مسئولٌ عن رعيته فيما استرعاه الله؛ هل أدي الأمانة التي عليه أم ضيعّ.
علينا في هذا الشهر الفضيل أن نرجع إلى الله خاصةً الأغنياء والتجار ومن يملكون المال والقرار؛ فلا نريد أن نكون رمضانيين بل أن نكون ربانيين؛ فكثيرًا من الناس ما شاء الله عنه في السطر الأول يصلي التراويح والصولات المكتوبة ويصوم ويُحج، ويقوم الليل وكل هذه العبادات مطلوبة لكنها بينه وبين الله عز وجل والأساس في الدين ليس العبادة فقط بل الدين المُعاملة؛ فنجد البعض من أولئك المُصلين الأغنياء التجار، قد أكلوا ميراث البنات و البعض منهم لا يخرجون زكاة أموالهم وتجد البخل والشُح هو ديدنهم، ورمضان عندهم موسم للربح والكسب والغلاء الفاحش في السلع والاحتكار، وحينما يسمعون في إنسان قد انتحر من شدة الفقر والحاجة والضيق، تجدهم فورًا يقولون المُنتحر الكافر!!! عجبًا لكم يا فُجار العصر!! فلماذا أُنتم لماذا لم تراعوا حق الفقير والسائل والمحروم وابن السبيل والغارمين والمساكين، أرنيّ الدين في أخلاقك وفي معاملاتك لا في صلاتك وعبادتك ومسبحتك فقط!، فهذه العبادة مطلوبة من الجميع وهي بينك وبين الله عز وجل، لكن نريد أن نري رحمتكم بالفقراء والمساكين والجوعى والمحرومين وتفقد أحوالهم ومساعدتهم وكما جاء في الحديث الشريف بأن أحب العمال عند الله سرور تدخله على مسلم أو تقضي عنه دينًا أو حاجة؛ فعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا فِي مَسْجِدِي هَذَا ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَقْضِيَهَا ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ "، وأختم مقالي بهذا الحديث الشريف: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عزّ وجلّ سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة أو يقضي عنه ديناً أو يطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجه أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد - مسجد المدينة - شهراً ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كتم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام".
الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد أبو نحل
أمين سر الأمانة العامة لشبكة كتاب الرأي العرب
نائب رئيس المركز القومي للبحوث