تاريخ النشر: 2019-03-01 | 17:21
تاريخ النشر: 2019-03-01 | 17:21
قلَّبَ شيخُ القبيلةِ الأمرَ فيما يفعلُه بالحالِ الذي أصبحتْ عليه قبيلته ، لم يكن الأمرُ من السهولةِ حتى يتخذَ القرارَ ، فقد شُحَّ الماءُ وقلَّ الزادُ وضَعُفَ الناسُ ، فما العملُ ؟ جمعَ شبابَ القبيلةِ وشيبَتَها ، هذا حالُ القبيلةِ نعيشَه سوءاً بعدَ سوء ، فالسَّماءُ منعتْ عنا ماءها ، والأرضُ جفتْ ينابيعَها ، فما أخضرَّ زرعٌ وما امتلأ ضرعٌ ، وعن أرضِنا لن نرحلَ ، فأشيروا عليَّ يا ربعي ماذا نفعل ، لم تعلُ الدهشَةُ وجوهَ القومِ ، لكنَّ الحيرةَ بانت في عيونِهم ، التمسكُ بالأرضِ مع الصبرِ على ظلفِ العيشِ ، أم الرحيلُ عن الأرضِ والخوضُ مع المجهولِ ، ما بكمْ أيها القومُ ، أجنّ عليكم الهمُّ فأطبقَ على عقولِكم ، فكرّوا معي لعلنا نهتدي سبيلَ الرحمةِ ، صمتٌ غريبٌ أمامَ حالٍ كئيب ، إذاً دعوني أعملُ فالصمتُ في مثلِ حالِنا لا يوْلِّدُ سوى القهرَ ، ولنا مع طلوعِ الفجرِ أملاً يشقُ لنا طريقَ الخلاصِ من هذا الألم .
عندَ الفجرِ جهَّزَ راحلَتَهُ ، وساقَ بعضَ النّوقِ معه ، مصطحباً أحدَ أولادِهِ ليكونَ عونَهُ في الطريق ، انبلجتْ الشَّمسُ تعلنُ ولادةَ نهارٍ جديد ، فأشرقتْ من صدرِهِ تنهيدةٌ ملأتْ وجهَه بهجةً وسروراً ، كأنّ أشعةَ الشَّمسِ رسمتْ له مسيرَه ، فكانَ شروقُ الشَّمسِ كلمةَ السَّرِ في رحلتِهِ ، موقٍنَاً بذلك الوصولُ إلى غايتِهِ ، فقد يمَمَّ شطرَهُ نحو وادٍ غيرِ ذي زرعٍ وكلأٍ ، لكنَ النوقَ حنتْ لِمَا رأتْ وسمِعَتْ ، خريرَ ماءٍ وخُضَرةَ كلأٍ ، فاتسعتْ لشيخِ القبيلةِ حدقاتُ عينيهِ ، فاندهشَ محدثاً نفسَه ، من ضربَ عصاهُ في أرضِ الوادي فانشقتْ خيراً وعطاءً ، حَمِدَ اللهَ على هذا الخيرِ الوفيرِ ، فأبركَ راحلته وأسقى نوقَه حتى ارتوتْ ، ثم جمعَ وولدُه من خيرِ الأرضِ ما يكفي زاداً لقبيلتِهِ ، وآبَ إلى أهلِه بوجهٍ ضاحكٍ مستبشرٍ ، فهو المسؤولُ عن رعيتِه فكان نعمَ الشيخَ لقبيلتهِ ، لم يضنيَه التعبُ في رحلةِ البحثِ عن زادِ القبيلةِ ، فهو يخطُّ لقبيلتهِ معالمَ مستقبلهَا .
مع فرحةٍ تملأُ القلوبَ وترتسمُ على الوجوه ، خيمتْ الدهشةُ على القبيلةِ ، وانطلقَ السؤالُ الحائرُ على كلِّ لسان ، من أينَ أتى شيخُ القبيلةِ بكلِّ هذا الخير، وكلُّ ما حولنَا أرضٌ جرداءٌ قاحلةٌ ،
فشيخُ القبيلةِ أخفى السَّرَ عن الجميعِ ، لعلّ ما حدثَ معه مكرمةً له من الله القادرِ على كلِّ شيء ، وكانَ همّهُ أن تشتدَّ الأجساد التي وهنتْ ، وهذا يحتاجُ إلى المزيدِ من الطعامِ والماءِ ، فراحَ يجهزُ قافلَتَه من النوقِ والأبلِ ، ومضى مع طلوعِ الفجرِ إلى ذاك الوادي ، وهو يحمدُ اللهَ ويشكرهُ على ما أعطاهُ في المرةِ الماضيةِ ، فما أن اقتربَ من الوادي حتى انشقتْ الأرضُ عن خضرة وفيرةٍ وماءٍ زلالٍ غزيرَ النبعِ ، فحملَّ قافلَتَهُ ما طابَ من الخُضَرِ وما أعذبَ من الماءِ ، وعادَ إلى قبيلتِهِ ليجدَهَا تنتظرُ عودتِهِ ، فما خيَّبَ ظنَّهم بما حملَ إليهم من طيبِ الطعامِ ، فاستبشروا الخيرَ الدائمَ مع شيخِ القبيلةِ .
لكنّ الشَّرَ لا يدعُ الخيرَ يغشى الناسَ ، فتحركَ في بعضِ ضعافِ النفسِ ليطغوا على فعلِ شيخِ القبيلةِ، فكادوا كيداً ، فمضوا يقتصونَ أثرَ شيخِ القبيلةِ ، فما وجدوا سوى وادٍ غيرَ ذي زرعٍ ، فارتسمتْ الدَّهشَةُ على وجوههم ، من أين أتى شيخُ القبيلةِ بكلِّ ذاكَ الزادِ والماءِ ؟ فعادوا يحملون خيبتَهم في وجوههم ، لكنَّ شيطانَ شرِهِم ما استكانَ في داخلهِم ، دعونا نترقبُ ذهابَ شيخُ القبيلةِ في المرةِ القادمةِ فنتبَعَه .
وبعدَ أن ساقَ شيخُ القبيلةِ قافلتَهُ انطلقوا خلفه دون أن يراهم ، وما أن وصلَ شيخُ القبيلةِ الوادي حتى انشقتْ الأرضُ عن الزرعِ والماء ، اندهشَ الأشرارُ بما رأوا ، فالوادي كان بالأمسِ يباباً ، فما تركوا حيرتَهم تسيطرُ عليهم ، فسارعوا بالظهور أمام شيخِ القبيلةِ الذي ما أوجسَ خيفةً منهم ، لكنه رحبَّ بهم ولاطفَهم ، وحمَّلوا جميعاً رحالَهم بما لذَّ وطابَ من الزرعِ والكلأِ والماء ، وعادوا معاً إلى مضربِ القبيلةِ ، فرحين جميعاً بما حملوا ، راحَ شيخُ القبيلةِ يوزع حملَه على الناسِ ، وعندما فتحَ شرارُ القومِ رحالَهم فما وجدوا إلا هشيماً مصفراً فضربوا به وجوهَ بعضَهم ، وشرَبُوا ما حملوا من ماءِ فإذا هو ماءٌ أجاج .
ما العملُ وقد انقلبَ كيدُهم إلى نحورِهم ؟ ، لنذهبَ مع شيخِ القبيلةِ في المرةِ القادمةِ ونأخذُ منه الزادَ والماءَ ، فلما وصلوا الوادي انشقتْ الأرضُ لشيخِ القبيلةِ عن خيرها ، فأشربوا أبلهم ونوقهم ، وتزودوا من هذا العطاءِ السخيِّ من الله، وشدوا رحالَهم عائدين إلى قبيلتهم ، وفي الطريقِ سولتْ لهم أنفسُهم أمراً ، أشاروا على شيخِ القبيلةِ بالاستراحةِ قليلاً ، فوافقَ رأيَهم ، وما كادوا يستريحونَ حتى أوثقوا الشيخَ وولدَه ، سألوا الشيخَ سرَّ انشقاقُ الأرضِ عن الزرعِ والماءِ ، فردَ الشيخُ أنها مكرمةٌ من الله لي فماذا أنتم فاعلون بي ، فلم يزدْهُم جوابَ الشيخِ إلا اصراراً على ما سيفعلون ، فقتلوا الشيخَ وولدَه ، كما قتلوا أضعفَهُم ، وحينَ وصلوا القبيلةَ أشاعوا أن قطَّاعَ الطرقِ اعترضوا سبيلَهُم فاقتتلوا معهم وهزَموهم، لكنّ الشيخَ وولدَه وواحدٌ منا قد قتلوا ، فصدقَ القومُ الروايةَ ، وقالوا إنّ لنا لأجراً على حفاظِنا على ما أتينا به من زادٍ وماءٍ ، ففتحوا رحالَهم فإذا هي مليئة بهشيمٍ محتظرْ ، وفتحوا رحالَ شيخِ القبيلةِ فإذا هي كذلك هشيمٌ محتظرْ ، فلطموا وجوهَهم بأيديِهم على ما فعلوه بقبيلتِهم ، فانكشفَ أمرَهم أمام القبيلة ، فهم من قتلوا شيخهم وحرموا قبيلتهم الزادَ والماءَ وأسالوا بينهم الدماءَ وتكالبَ عليهم قطّاعُ الطرقِ فجعلوهم إرباً إربا .
٢٠١٩/٣/١ صلاح صبحية