تاريخ النشر: 2016-07-18 | 08:55
تاريخ النشر: 2016-07-18 | 08:55
لم يكن ما حدث في تركيا من محاولة الانقلاب عسكرياً على الرئيس التركي أردوغان ونظام حكمه مفاجئاً في ظل سوء إدارته للبلاد حيث زج بتركيا في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل باستثناء أطماعه وأحلامه لتحقيق أمجاد دولة الخلافة العثمانية البائدة والتي تمثلت في أن تلعب تركيا دوراً إقليمياً محورياً في الإقليم كما تمثلت أطماعه في سعيه إلى أن يصنع من تركيا دولة إسلامية تحاكي أطماعه التوسعية وسعيه إلى التمدد إلى الشمال السوري باقتطاعه من الأراضي السورية وفق أيّ صيغة وبذريعة حماية الشعب السوري من أتون الحرب الدائرة في سوريا والذي كان له الدور الأساسي في دعم المعارضة وتنظيم داعش والنصرة وفتح جميع الممرات التركية لإدخال السلاح والمقاتلين للأراضي السورية عبر تلك الممرات مع شراء البترول السوري والعراقي والذي يستولى عليه تنظيم داعش بأثمان بخسة ومن ثم قيامه ببيعه للدول الأوروبية بأثمان مرتفعة تحاكى الأسعار في سوق البترول العالمي ما يحقق له أرباح كبيرة.
ومن جانب آخر سعى أردوغان إلى العمل بدعم الحراكات الإسلامية في كل الدول العربية التي نشطت فيها تلك الحركات بعد أن ركبت موجة الربيع العربي وسيطرت على مقاليد الحكم فيها، ساعياً لأن يكن الخليفة الإسلامي الإخونجي الجديد في الساحة الإقليمية والدولية.
وبهذه السياسة الرعناء التي اتبعها أردوغان والتي وضعته وبلاده في مواقف دولية وإقليمية لا يحسد عليها فناصب العداء لروسيا ومصر وسوريا والعراق وتونس وليبيا وغيرها من الدول العربية في ظل قصر نظره وعدم تمكنه من الخروج من كل أزماته التي صنعتها سياسته الرعناء مما أثر بشكل سلبي على علاقاته الخارجية مع تلك الدول خاصة بعد اندحار حكم الإخوان المسلمين فيها وانحساره ومع استمرار أردوغان بدعم تلك الحركات بالمال والسلاح وتبني مواقفها نتج عن ذلك قطيعة تلك الدول له وللدولة التركية التي بات اقتصادها يصيبه الإرهاق وبدأ يترنح في بعض جوانبه كسوق السياحة وغيرها.
كما أن أردوغان اختتم سياسته الخرقاء باتفاق مهين مع إسرائيل ضارباً عرض الحائط بكل وعوده التي قطعها على نفسه لسكان قطاع غزة وحركة حماس.
كل ذلك وكثيراً من السلوكيات التي قام بها أردوغان على صعيد السياسة الداخلية فهو يضرب عرض الحائط بكل اتفاقاته مع حلفائه في محاولة منه بالإمساك بزمام الحكم في تركيا من خلال سعيه لتغيير الدستور التركي ليتمكن من تغيير بعض المواد فيه تمكنه من الإمساك والتفرد بكافة شؤون الحكم والجيش وهذا ما يعارضه أقرب المقربين له وعلى رأسهم رئيس حزب العدالة والتنمية داوود أوغلوا الذي استقال من رئاسة الحزب وغيرها من المناصب بسبب سياسة أردوغان الخرقاء والتفردية.
لم تكن قيادة الجيش التركي بعيدة عما يدور في الساحة الداخلية التركية وما يجرى من سلوك أردوغاني في الساحة الخارجية التي بموجبها تدهورت كل العلاقات التركية مع دول الجوار وتصاعد الدعم الأمريكي والروسي للأكراد مما بات يهدد الكيان السياسي التركي، ومن هنا كان للجهة الأكثر فاعلية في الجيش التركي وهي القوات الجوية بالتحرك لإزاحة الخليفة الدكتاتور فقرروا الانقلاب عليه وعلى نظامه بشكل يضمن أقل الخسائر البشرية والمادية فسيطروا على جميع مفاصل الدولة وأصدروا بيان تولي الجيش السلطة في تركيا وأعلنوا عن نجاح حركتهم.
لكن ماذا جرى في الربع ساعة الأخيرة بعد أن قرر أردوغان أن يترك البلاد والهروب والنجاة ببدنه؟
لقد كان الحدث مفاجئاً لأردوغان والسياسيين الأتراك بل شكل صدمة قوية لهم بعد أن علموا بأن قيادة أركان القوات المسلحة التركية وخاصة القوات الجوية هي من تقف وراء الانقلاب مما وضع أردوغان أمام خيار واحد لا غير له وهو الهروب من البلاد قبل أن يعتقل من قبل الانقلابين خاصة بعد أن فشل في عدة محاولات منه، الاتصال بالرئيس الأمريكي أوباما الذي لم يرغب بالرد عليه وهنا أعلن أردوغان بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي من تقف وراء الانقلاب وتدعم الإرهابيين في محاولة منه لاستعطاف الشعب، وهنا قرر المغادرة بعد إجرائه عدة مكالمات مع قادة بعض الدول الأوروبية وعلى رأسهم المستشارة الألمانية ( ميركل)، ومن ثم أقلع بطائرته محاولاً استئذان بعض الدول المجاورة بالهبوط في أراضيها أو السماح لطائرته بالمرور عبر مجالها الجوي وجميعها رفض ذلك ورفضت لجوئه إليها ومنها ألمانيا وأذربيجان وإيران ومن ثم عادت الطائرة أدراجها إلى الأجواء التركية بعد أن وافقت الإدارة الأمريكية بهبوطها في قاعدة انجرلك الأمريكية في الجنوب التركي بعد أن تمكن من الاتصال مع الرئيس الأمريكي أوباما عبر الهاتف الموجود في الطائرة، وهذا ما أكدته صحيفة (الواشنطن بوست) وبعض المتابعين للحدث؟
نجحت المستشارة الألمانية ( ميركل) في إقناع الرئيس الأمريكي أوباما بالتدخل لصالح بقاء أردوغان في سدة الحكم والتصدي للانقلاب وقادته الذين تربطهم علاقة وطيدة مع أجهزة الأمن والمخابرات الأمريكية مقابل ثمن يدفعه أردوغان وبلاده ولم يعلن عنه بالمطلق ولكن ستكشفه الأيام والأشهر القادمة وهذا الثمن مقابل التدخل العسكري الأمريكي ضد الانقلابين بعد أن أقنعت ميركل بأن ذلك التدخل يجب أن يكون سريعاً بل فورياً تخوفاً من قيام الروس بالتدخل في الشأن التركي تحت ذريعة حماية أمنها القومي خاصة وأن حالة الاستنفار القصوى كانت قد أعلنت سراً من قبل القيادة الروسية وتحرك بعض الوحدات العسكرية والبحرية الروسية بما يتناسب واحتمالية لزوم تدخلها لحماية أمنها.
ماذا حدث بعد ذلك وأكدت عليه ونشرته ( صحيفة الواشنطن بوست) وبعض كتاب الرأي المهتمين بالحدث أنه: ( بعدها بلحظات تدخلت 12 طائرة f16 مجهولة في سماء أنقرة وأسقطت مروحيات الجيش التركي وكان عددها 25 مروحية تقل جنوداً أتراك وبعض القادة كانوا متوجهين للسيطرة على مراكز حيوية أخرى في البلاد... دارت حرب حقيقية في الجو بين القوات الجوية الأمريكية ومروحيات الجيش التركي قتل من فيها وأسقطت كل المروحيات التركية وقتل الجنود والضباط ممن كانوا عليها وبلغ عددهم أكثر من 800 جندي و50 ضابط . تلقى قائد القوات الجوية اتصالاً من المخابرات الأمريكية CIA تطالبه بالاستسلام ووقف الانقلاب أو سيتم سحق كل الجنود الأتراك على الحدود وفي الشوارع عبر الجو. لم يكن لقادة الانقلاب خيار غير وقف الانقلاب وأمر الجنود بالانسحاب من الشوارع وإنهاء الانقلاب... منقول).
خرج أردوغان إلى الشعب عبر وسائل الإعلام يدعوهم للنزول للشوارع لحماية نظام حكمه وطلب من ميليشيات حزبه والقوة التنفيذية التابعة له باعتقال كل من تطاله يدهم من الجيش والضباط التابعين والمؤيدين للانقلاب حيث مارسوا عمليات القتل والذبح وطرق بشعة بحق من تعتقلهم وبطرق تماثل ما يقوم به تنظيم داعش من إعدامات وكان الدرويش والملتحين والمتكرشين منهم دوراً أساسياً في ممارسة الذبح.
أدت السلوكيات الإجرامية للميليشيات الأردوغانية والاعتقالات الواسعة في صفوف الجيش والمؤيدين للانقلاب أن أثار حفيظة الرأي العام واستياء المجتمع الدولي من ذلك السلوك مطالبين أردوغان بوقف كل مظاهر الانتقام الذي تقوم به ميليشياته وأنصاره ضد المعارضة خاصة بعد أن كان قد صرح أنه سينظف الجيش وتركيا من كل المؤيدين للانقلاب والمعارضين له.
لم يسدل الستار على الأحداث التي دارت في تركيا وإن كانت بعض جيوب المتمردين ترفض الاستسلام، وهنا يبرز سؤالاً مهماً وهو هل سيعود الاستقرار إلى تركيا أم أنها تدخل من الآن في بداية نفق مظلم عنوانه الانتقام والانتقام المضاد الذي قد يأخذ شكل الأعمال الإرهابية أم هل أن أردوغان سيستغل ما حدث في تركيا لإعادة تقييم الوضع السياسي الداخلي والخارجي كأن يضرب على وتر تعاطف الشعب التركي معه ومن ثم يدعو إلى انتخابات مبكرة تمكنه وحلفائه من الحصول على نسبة الثلثين من عدد مقاعد البرلمان التركي وبالتالي يستطيع إجراء التعديلات على مواد الدستور لتغيير نظام الحكم في تركيا من نظام برلماني إلى نظام رئاسي وبذلك يصبح ممسكاً بزمام الحكم منفرداً في ظل توجهه أن يكن هو القائد الأعلى للجيش وقد أعلن ذلك بعد انتهاء الانقلاب عن نفسه بأنه القائد الأعلى للجيش.
وهنا ننهى المقال بسؤال هل سيكون هناك تداعيات أخرى للانقلاب سيدركها أردوغان لاحقاً وبالتالي يسعى إلى إجراء تغييرات شاملة على سياساته الداخلية والخارجية وإعادة صياغة إستراتيجية تحالفاته الداخلية والخارجية؟
وهذا ما ستجيب عليه الأيام القادمة