زيارة قداسة البابا فرنسيس إلى فلسطين المحتلة، ولقاؤه المسؤولين الفلسطينيين و"الإسرائيليين"، يجب التوقف أمامها لما حملته من دلالات في التوقيت، ورسائل سياسية تخطت معها الهدف الرعوي، وهذا ما أعلنه الكاردينال بييترو بارولين؛ أمين سر دولة الفاتيكان "إن الزيارة التي سيقوم بها قداسة البابا فرنسيس إلى الأراضي المقدسة لها أيضاً بطريقة ما طابع سياسي "، ويمكن أن تساعد المسؤولين المحليين على تبني قرارات شجاعة على طريق السلام "، ففي دلالات توقيت الزيارة، هي تأتي بعد وصول المفاوضات بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" إلى طريق مسدود، حيث فشل الوزير كيري في دفع الطرفين نحو تسوية تاريخية حسب قوله، وذلك بسبب إصرار نتنياهو على الإطاحة بالمفاوضات من خلال اشتراطاته في اعتراف أبو مازن بيهودية الدولة، ثم استمراره في فرض وقائعه في التهويد والاستيطان، فهل هذه الزيارة جاءت بطلب من الإدارة الأميركية؟ علّ "دبلوماسية الإيمان" التي قادها البابا فرنسيس تنجح حيث فشلت دبلوماسية كيري، والدعوة التي وجهها البابا لكل من أبو مازن وشمعون بيريز إلى زيارة الفاتيكان والصلاة من أجل السلام، إلاّ تتويج لسياق سياسي أراده بابا الفاتيكان من زيارته للأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالتالي هل الزيارة مصادفة أن تأتي بعد عشرة أيام على الذكرى السادسة والستين لنكبة الشعب الفلسطيني، وقبل أيام ثلاثة على مرور الذكرى السابعة والأربعين على ضم المقدسات الإسلامية والمسيحية في القسم الشرقي من مدينة القدس التي احتلها الكيان الصهيوني العام 1967؟
أما في الرسائل التي أريد لها أن تصل إلى الفلسطيني قبل "الإسرائيلي"، حيث دعانا الحبر الأعظم إلى الاستمرار في طريق المفاوضات، ونهانا عن التوجه نحو اتخاذ أي خطوات أُحادية من خارج سياق المفاوضات، وبالتالي طالبنا عبر أطفالنا أن لا نجعل من الماضي مقرراً في حياتنا، بل علينا التطلع نحو المستقبل، والبابا بذلك قد حدد لنا المسار الواجب علينا السير فيه دون سواه، وهو المفاوضات مهما تكن النتائج والتنازلات والخسائر بالمعنى الوطني والسياسي لقضيتنا الوطنية، ثم علينا نسيان الماضي، أي أن نسقط ونلغي من ذاكرتنا أن وطننا فلسطين اغتصبه الصهاينة قبل 66 عاماً وطردونا منه، وبالتالي علينا أن نُسامح ونصفح، لأن التطلع نحو المستقبل يفترض بنا عدم النظر للوراء أي إلى الماضي بظلمه ومآسيه وقسوته وبشاعته، ولكن عن أي مستقبل يطالبنا البابا فرنسيس أن ننظر إليه ونبني عليه، وقضيتنا بكل عناوينها، تُصفّى على مذبح زيف دعاة حقوق الإنسان والعدالة الدوليين، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد حقق نتنياهو ومعه بيريز ما أراداه من الزيارة، حيث ذهب البابا إلى حائط البراق (حائط المبكى عند الصهاينة)، وصلى بالقرب منه، ثم توجه إلى قبر هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية، ووضع باقة من الزهور عليه، لينتهي المطاف عند زيارته متحف المحرقة، مما دفع بعض الصهاينة إلى التعليق على الزيارة بالقول: "إن ما فشل هرتزل بالحصول عليه من بابا الفاتيكان، جاء به اليوم البابا فرنسيس بعد 110 أعوام"، ونحن نعلق بالقول: "البابا بعد 66 عاماً من عمر النكبة جاء يطالبنا الاعتراف بيهودية الكيان".
رامز مصطفى