في يوم بدا وكأنه حزين ، إجتمعنا صديقات اربعة واتفقنا بأن نعود بيوت عزاء بالبلده . وصلنا الى البيت الأول ، الميت لا اعرفه ولا أعرف أهله ولكني عرفت اخته بعد ان عرفتّني عليها صديقتي ، فقد كانت تكبرني بالمدرسه . وفي غمرة الحزن والكآبة انتابني شعور بالفرح الداخلي أن رأيت كبارا بالسن لم التقيهم منذ عشرات السنين ، قلوع تعبر البرزخ ، فيرحل بصرنا الى شخوص طال غيابهم عن مرافئنا . تعرفت على بعض النسوة اللواتي كن في ريعان الشباب يرخين جدائلهن على صدورهن معقوده بالشبر الأبيض وكأنه الياسمين. لم أكن كما أنا مثل اي بيت عزاء، عيوني ترحل بين الزوايا أبحث عن الماضي في عيون الحاضرين وأغيب في عمق الذاكرة . ذاكرة الماضي وجمال الحاضر الحزين ، صحوت من هذا الواقع الجميل على وخزة في خاصرتي من سيدة بجانبي التفت اليها وأشارت بعينيها بأن رفيقاتي يردن المغادرة .
صعدنا المركبة ولا زال شريط بانوراما الماضي يلف في ذاكرتي كانت صديقاتي يتبادلن الأحاديث وانا سافرت عبر قارب الزمن أتنقل بين بحار ومحيطات الماضي كيف لا ونحن على أعتاب موسم الزيتون . فرحت أقفز مع اترابي من البنات بين الشجر ورائحة الطبخ على الحطب تزكم أنفاسي ، وتسلق شجر الزعرور الشائك كانت إحدى هواياتي ، "أحب نبات الزعرور" كنت ارددها لصديقاتي بالمدرسة من بعض القرى المجاورة فيأتيني باليوم الثاني كمشة منه أستمتع بأكله تحت شجرة زيتون ، بعد ان تضمني بجذعها الأملس فأشعر بحنان الطبيعة وعطف الشجر . الى أن وصلنا البيت الثاني من العزاء .
هذا البيت كان مختلفاً ..أشخاصه حفروا في قلوبنا المحبة والوئام .. قلوب متوحده بالحب والوفاق .. رحنا نطارد الزمن واشخاصه وننتقل بين رياض الماضي ، يلفنا الحنين ويكوينا الفراق . وبين رحلة ذكريات الماضي والحاضر الغائب ، والماضى القريب . كان حديث يشجي القلوب تارة ،وتسعدها تارة أخرى فنتبادل الضحكات المليئة بالألم ..
انتهت الزياره وفي القلب غصه ومن على قمة هضبة نظرت الى سهل يحفه الضريع ، لونه الباهت يحاكي أيلول ، واغصان الشجر تضرب نوافذ السياره فترسل لنا نسائم من عبق أزهار البرتقال والمندرين .
التقط الشارع الفرعي بالشارع الرئيس وما هي الا لحظات اسرعت بالسيارة على خط سريع عادت اليّ ذاكرة الماضي من جديد على أحاديث ووشوشات صديقاتي . محلات تجارية على طرفي الشارع ومحل بيع نباتات زينه تتقدمهم ومن بعيد شاهدت ما كنت احلم به ( الزعرور ) .. يا الهي .. بالأمس كان حديثي مع صديق لي عبر صفحات التواصل الإجتماعي عنه حيث كان يحمل بين كفيه حفنة من الزعرور وفي غمرة دهشتي لمنظر الزعرور اوقفت السياره وقد كنت ابتعدت مسافة عشر مترات عن البائع ، عدت اليه بخطوات سريعه مهرولة وما أن وصلت الى الزعرور اكتشفت انه السراب فوجدت بدلا من الزعرور (بصل صغير للزراعة ) نظرت الى البائع بابتسامة خجله ارسلت له خلالها رسالة اعتذار . وذهبت لصديقاتي اضحك بخجل من نفسي وضحكن وقلن لي (هذا ما جناه عليك الزعرور ) .. عدت للبائع وقلت له ابحث عن زهرة غريبه فوقع نظري على وردة سوداء فقلت له اعطني اياها هذا ما يليق بي .