لا القوانين الوضعية ولا الالهية عبر التاريخ استطاعت أن تلزم الإنسان بقواعد صرف المال العام ، وما دام المرء خارج التركيبة الحكومية تزداد نبرة انتقاداته لآليات الصرف التى على الأغلب تذهب أكثرها هدراً ، فالاستثناء يكاد التاريخ لا يذكره أو أنه يخجل من ندرته بين سجل يعج بالانقضاضين على خزائن الدول ، وهنا يقع الالتباس بين الفساد المالي والإداري بشكله المقصود ليختلط الأمر بينهما عند الجمهور وتصبح الأموال المهدورة حسب معايير جهاز مراقب أموال الدولة ، في أفضل تقدير وعلى الدوام وبعد آليات من الفحص والتدقيق بأنها حاصل سوء تصرف إداري أدى الي إهداره ، وبهذه الطريقة تحول مصطلح سوء ادارة المال شائع بين الشعوب ، هو ، في حقيقة أمره مصطلح اُبتكر كي يلطف الاختلاس والمسروقات .
حتى لا نكون ولا يكون الآخرين بسببنا من هواة التنظير ، فقط ، نقدم حلول جذرية مارسها القدماء وسجلها التاريخ كحلول ناضجة لهذه الآفة التى بها تُجفف مصادر الدولة ، ذلك القين الذي يشير إلى أن سكوت القضاء عن حالات الفساد التى تأن منها الدولة قد يجعل البعض أكثر جراءة وتمادياً بالتلاعب بأموال الشعوب ، وطالما القضاء غير محرر ورهينة السلطة التنفيذية ، وقابل للرضوخ من حين إلى أخر لأي اشارة تأتي عبر هاتف الخط الأحمر ، بالتأكيد ، سيضاعف الصمت حالات الفساد إلى أن يتحول إلى طموح تتطلع له الأغلبية ، كأنه ، الفردوس الأرضي ، وتظل جميع محاولات التجميلية تهدف إلى تضليل الجمهور ، حيث ، أنها لا تتجاوز في حقيقة التغيير سوى مصطلح يعاد انتاجه دولياً مع ادخال بعض التعديلات الضرورية كي يكتمل مشوار الفساد ، لأن ، تحرير القضاء يعني وقوف الجميع بلا استثناء أمام ميزانه ، وهذا إن حصل افتراضياً ، يجعل جميع من يشتغل بالشأن العام ، يحسب ، ألف حساب قبل أن يُفكر أن تستطيل يده في ظلام قنوات العطاءات وغيرها من دهاليز مردودها ملايين الدولارات ، تحتاج إلى كاشف من نوع قمري ، بل ، أن تفعيل استقلالية القضاء يعزز الشفافية ، التي بالطبع تعكس ، خدمات أفضل للمواطنين وتحفز المنافسة عند الموظفين بتقديم خدمات أفضل للجمهور الذي يعاني الأمرين من الابتزاز .
القوانين والدساتير متوفرة وهي اشبه بصرخات بلا أصداء ، والقضاء من حيث الشكل ، ايضاً متوفر ، لكن ، ما نفقده بالفعل ، تفعيلهم ، وهذا ، بحد ذاته لن يحصل ولن نلامسه واقعاً ، حياً ، كعرب ، إلا اذا ، كان هناك نوايا جادة في فصل ورفع يد السلطة التنفيذية عن القضاء وتشكيل حماية دستورية وبرلمانية تراقب المساس أو الاقتراب من سلطته وقراراته كي يستطيع مواجهة الفساد والفاسدين