تكشف الأرقام الاقتصادية المتداولة داخل إيران أن الأزمة تجاوزت منذ وقت طويل حدود الغلاء الموسمي أو الاضطراب المؤقت في الأسواق. فالتضخم السنوي بلغ مستويات غير مسبوقة، بينما دخلت أسعار المواد الغذائية الأساسية نطاق الزيادات الثلاثية، وأصبحت الأسرة الإيرانية مطالبة بدفع أكثر من ضعف ما كانت تدفعه قبل عام للحصول على السلة نفسها. الأخطر أن هذه القفزات تشمل الخبز والحبوب والزيوت واللحوم والألبان، أي السلع التي لا تستطيع العائلات الفقيرة حذفها من احتياجاتها اليومية.
المشكلة هنا ليست اقتصادية فقط. فالغلاء في إيران يعمل كآلية متواصلة لنقل كلفة سياسات النظام إلى المواطنين. عجز الموازنة، وتراجع قيمة العملة، والإنفاق العسكري، وتمويل الأجهزة القمعية والميليشيات التابعة للنظام، كلها تتحول في النهاية إلى أسعار مرتفعة ورواتب متآكلة وبطالة متزايدة. وبذلك يدفع العامل والموظف والمتقاعد ثمن خيارات لم يشاركوا في اتخاذها، بينما تحتفظ شبكات النفوذ والفساد بامتيازاتها وقدرتها على تحويل الأموال إلى الخارج.
وتكشف أزمة الأجور والسكن حجم هذا الاختلال. فملايين العمال لا يستطيعون شراء منزل حتى بعد عقود من العمل، بينما تستهلك الإيجارات الجزء الأكبر من دخولهم. أما الخطط الحكومية المتكررة لبناء مساكن للعمال، فقد تحولت إلى سلسلة من الوعود التي تعاد صياغتها مع كل حكومة من دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ. والسبب ليس نقص القوانين أو الأراضي أو المؤسسات، بل غياب دولة مسؤولة تخضع للمحاسبة، وهيمنة الرشوة والوساطة والاحتكارات على موارد البلاد.
كما أن تراجع مشاركة النساء في سوق العمل يكشف وجهاً آخر للأزمة. فالاقتصاد الذي يفشل في خلق فرص عمل للنساء والشباب والخريجين لا يفقد فقط جزءاً من طاقته الإنتاجية، بل يوسع أيضاً دائرة الغضب الاجتماعي. كثير من النساء يدخلن سوق العمل تحت ضغط الفقر وتراجع دخل الأسرة، لكنهن يواجهن بطالة أعلى وأجوراً أقل وفرصاً محدودة، في ظل نظام يضيف التمييز القانوني والاجتماعي إلى الاستغلال الاقتصادي.
ولا تستطيع السلطة معالجة هذه الأزمات لأنها ترفض الاقتراب من أسبابها الحقيقية. فهي تتحدث عن الدعم النقدي والبطاقات التموينية، لكنها تمول هذه الإجراءات من خلال طباعة النقود أو إعادة توزيع موارد محدودة، فتعود المساعدات نفسها لتغذي التضخم. كما تلقي باللوم على العقوبات، متجاهلة أن الفساد المؤسسي، واقتصاد الحرس، وتهريب الأموال، والإنفاق على الحرب، تشكل عناصر داخلية رئيسية في انهيار المعيشة.
لهذا تخشى السلطة أن تنتقل المطالب الاقتصادية إلى الشارع. فالعامل الذي لا يتقاضى أجره، والأم التي تعجز عن شراء الغذاء، والشاب العاطل عن العمل، لا يحتاجون إلى تقارير اقتصادية لفهم المسؤول عن معاناتهم. ومع تراجع الخوف واتساع نشاط وحدات المقاومة، يمكن لأي احتجاج على الرواتب أو الأسعار أن يتحول سريعاً إلى مواجهة سياسية مع النظام.
إن الأزمة المعيشية ليست حادثاً جانبياً في مسار النظام، بل إحدى نقاط ضعفه البنيوية. وكلما استمر في تمويل القمع والحرب على حساب حياة الناس، اقترب الغضب الاجتماعي من لحظة الانفجار. والحل لا يكمن في تبديل الوزراء أو إطلاق وعود جديدة، بل في إنهاء نظام جعل الفقر أداة للحكم، واستعادة ثروات إيران لمصلحة شعبها.