منذ انطلاق عملية السلام في المنطقة وتوقيع اتفاق أوسلو في 1993م، كان واضحاً أن أجندة الاتفاق والاختلاف "العقبات" تتركز حول عدة محاور رئيسية وهي الأمن والحدود و القدس واللاجئين و المياه، وكان من المفترض أن تنتهي مفاوضات الوضع النهائي لكي ترسخ الاتفاق على الأرض وتتحول السلطة الفلسطينية إلى دولة فلسطينية، ولكن ما حدث هو أن الولايات المتحدة الأمريكية قد انحازت للروايات الإسرائيلية وبقيت كما هي دوما منحازة إلى الاحتلال بكل عنجهيته وممارساته وانتهاكاته المرفوضة حتى من المجتمع الدولي.
الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر أن القضية الفلسطينية ملف في المنطقة بحاجة دائما إلى أن تفتح أوراقه وتنبش في أجزاؤه وتعرضه بالصورة التي تضمن معها بقاء تأييدها وحمايتها المطلقة للاحتلال، ورفضها أي تطور إيجابي تجاه من هم تحت الاحتلال، فكان دوما قرار الفيتو أهم من أن تمارس دورها المطلوب والرسمي .
اليوم تعود الإدارة الأمريكية لممارسة نفس النهج السلبي وتضع نفسها كجهة مدمرة لأي نجاح للعملية السلمية بالرغم من كل الجهود والتصريحات التي يطلقها وزير الخارجية كيري، وجل مساعيها اليوم هو للتوصل إلى اتفاق على إطار يسمح باستمرار المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعد الموعد النهائي المحدد في 29 أبريل المقبل.
مرة أخرى تصنع أمريكا فيتو خاص في وجه الحق الفلسطيني وتتنصل من دورها الذي فرضته على نفسها، وذلك بتمسكها بقضية لم تورد في اتفاقية أوسلو ويعتبر قضية معنوية شكل الأساس في الرؤية الإسرائيلية وموافقة عليها من الإدارة الأمريكية ، " الاعتراف الفلسطيني بالدولة اليهودية"، وهذه القضية لا مجال لتسييسها أو إجبار الفلسطيني على التماشي معها أو الموافقة عليها، فهي تختص بالتاريخ والتباينات في الاستناد والشهادات وبالتالي تتحول الى قضية تخص "إسرائيل" وحدها غير ملزمة للفلسطيني ولا يمكن أن تشكل عقبة أساسية، وحتى المؤرخين والكتاب الإسرائيليون مختلفون فيما بينهم حول مفهوم (الدولة اليهودية)، ولدى الفلسطينيون أيضا الدراسات والكتابات والوثائق التي تدحض الروايات الإسرائيلية وتنكرها، لذلك الأجدر بأمريكا ووزير خارجيتها ان تعمل على إنهاء القضايا الرئيسية التي وردت في الاتفاق أوسلو، ومن ثم تبقى (الدولة اليهودية) في جانب (إسرائيل) يفكرون كيفما شاءوا ويقولون ويدرسون ويختلف مؤرخيهم كيفما شاءوا، نحن نتطلع إلى حقنا الكريم والمشروع في الحياة لنا ولأجيالنا ولمستقبلنا في دولة فلسطينية وعاصمتها القدس معترف بها في الأمم المتحدة وكاملة السيادة .
ان التسليم بالدولة اليهودية يعني وبإختصار تهديد حقوق العرب في (اسرائيل)، وتخلي الفلسطينيين عن حق عودة اللاجئين، وبالتالي عدم اعتراف (اسرائيل) بمسؤوليتها الإنسانية والأخلاقية عن ذلك، لهذا فالقيادة الفلسطينية وعلى رأسها الأخ الرئيس محمود عباس "أبومازن" ثابتون حول رفض الاعتراف بالدولة اليهودية، وبالتالي يرفضون الموقف الاسرائيلي الذي يعتبر ان الفلسطينيين لم يكونوا موجودين لمئات وآلاف السنين وأن هذه كانت تاريخياً أرضاً يهودية.
ان توقع انهيار محادثات واشنطن القادمة في 17 مارس الجاري، يعتبر قراءة واضحة من خلال متابعة كل ما يصدر عن الاسرائيليون ونتنياهو وكذلك التأييد الأمريكي للموقف الاسرائيلي وتحديدا فيما يخص الدولة اليهودية.
ان عقبة " الدولة اليهودية" ستكون عامل إيجابي في حال تخلي أمريكا عنها، وإجبار (أسرائيل) للتعامل مع القضايا الأساسية، وستكون عامل سلبي يؤسس لما بعده، وهنا نعود الى سيناريو تفشيل الادارة الأمريكية و (اسرائيل) لمباحثات كامب ديفيد في العام 2000 مع الرئيس الشهيد الخالد ياسر عرفات "أبوعمار" .
إن تنكر إسرائيل للحق الفلسطيني لن يقابله الفلسطينيون بمنح مكافآت في واشنطن، بل سيكون هناك ثبات، فنحن لا نملك إلا أن نخوض معركتنا، ونتمترس خلف قضيتنا وموقفنا المستند الى كل القرارات الدولية والتي على أساسها أيضا تم تسمية (إسرائيل) كدولة في الأمم المتحدة.
إن معادلة القوة للقيادة الفلسطينية رسمت واضحة في كل تصريحات ومواقف الرئيس الفلسطيني، ورفضه المطلق للموقف الاسرائيلي وبما يخص "الدولة اليهودية"، ونحن نثق في أن هذه المعادلة ستبقى في جانب الحق الفلسطيني حتى لم تكن هناك نتائج ملموسة في قمة واشنطن القادمة .
ملاحظة / أنصح بقراءة مقال / فلسطين ويهودية الدولة للأخ بكر أبو بكر