من داخل كل أسرة مصرية، هناك فرد ينتظر في صمت رسالة على هاتفه في أول كل شهر، رسالة لا تحمل خبراً ساراً ولا موعداً سعيداً، بل تطلب منه مبلغاً شهرياً لسداد قسط التمويل الاستهلاكي، ذلك المبلغ الذي أصبح جزءاً من ميزانية البيت مثل الخبز والكهرباء، لكنه يختلف عنهما بأنه لا يشبع جوعاً ولا يضيء ظلاماً، بل يفتح باباً لالتزام جديد مثل الدواء الذي تحول إلى داء.
في الماضي، كنا نسمع عن القروض الشخصية كشيء يخص الموظف الكبير أو التاجر الغني، أما اليوم فنجد الإعلانات عن "قسط شهري بسيط" تغزو كل مكان، من وسائل النقل العام إلى صفحات التواصل. هذا التحول لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة لضغوط اقتصادية متراكمة، حيث لم تعد الزيادة في الأجور قادرة على ملاحقة زيادة الأسعار، فكان اللجوء إلى الائتمان كحل سريع، ودائماً، الحلول السريعة تأتي بالمشاكل أسرع.
تشير آخر الإحصائيات إلى أن محفظة التمويل الاستهلاكي في مصر قد قفزت في ثلاث سنوات فقط من حوالي ٩٠ مليار جنيه إلى ما يزيد على ١٨٠ مليار جنيه الآن، وهذا الرقم مع إضافة تمويل شركات التقسيط غير المصرفية قد يصل فعلياً إلى أكثر من ٢٢٠ ملياراً. في المقابل، لا تتجاوز نسبة هذا التمويل إلى الناتج المحلي الإجمالي ٢٪، وهي نسبة قد تبدو مطمئنة للمتخصص، لكنها تخفي حقيقة مزعجة، وهي أن هذه التمويلات تتركز في شريحة الدخول المتوسطة والمنخفضة، حيث يذهب أكثر من ٦٠٪ منها لشراء سلع معمرة مثل التليفزيونات والثلاجات وأجهزة التكييف، التي غالباً ما تكون مستوردة أو تعتمد على مكونات من الخارج. نحن نقترض بالجنيه لشراء منتجات تستهلك الدولار، وهذه معادلة لا تصب في صالحنا أبداً.
لو نظرنا إلى تجارب دول سبقتنا في هذا الطريق، نجد أن التوسع في الائتمان الاستهلاكي من دون وجود قاعدة إنتاجية صلبة، كان دائماً مقدمة لأزمات. في أمريكا قبل ٢٠٠٨، كان المواطن العادي يقترض لشراء منزل لا يملك قيمته الحقيقية، وفي كوريا الجنوبية في التسعينيات، وصل دين الأسرة إلى نسب خيالية قاربت الـ ١٥٠٪ من الدخل المتاح، وعندما جاءت الأزمة انهارت الشركات بسبب طرح ملايين البطاقات الائتمانية في الشوارع. أما الدرس الأقرب لنا فهو ما حدث في تركيا قبل خمس سنوات، حيث استخدمت الحكومة التمويل الاستهلاكي كوسيلة لتحفيز الطلب في فترات انتخابية، مما أدى إلى زيادة الواردات بشكل غير مسبوق، وعجز في الميزان التجاري تجاوز حاجز الـ ٥٠ مليار دولار، وهو ما انعكس مباشرة على قيمة الليرة التركية التي فقدت أكثر من ٤٠٪ من قيمتها خلال أشهر.
لكن الخطر في مصر له طابع خاص، لأن البنية التحتية للاقتصاد لا تزال تعتمد على الاستيراد لتلبية جزء كبير من الطلب المحلي، فنحن نستورد سنوياً سلعاً استهلاكية بقيمة تتجاوز الـ ٣٠ مليار دولار، وعندما يتم تمويل جزء من هذه الواردات عبر ائتمان استهلاكي محلي، فإننا بذلك نضاعف الضغط على العملة الصعبة من اتجاهين: الأول هو قيمة السلعة نفسها، والثاني هو أقساط الفائدة التي تذهب للبنوك المحلية ولكنها في النهاية تتحول إلى أرباح يتم توزيعها أو تتحول للخارج في حال كانت البنوك لها ارتباطات عالمية. وهذا يعني أن الدين الاستهلاكي المحلي يتحول إلى عبء على الميزان التجاري والدولاري في آن واحد.
كذلك، مع تباطؤ معدلات التضخم تدريجياً، حيث سجل التضخم الأساسي السنوي ١١.٢٪ في يناير ٢٠٢٦، وارتفع قليلاً ليبلغ ١٤.٣٪ في يونيو ٢٠٢٦، بينما سجل التضخم السنوي العام للحضر ١١.٩٪ في يناير ثم ١٤.٣٪ في يونيو، ورغم هذا التراجع النسبي مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن القيمة الحقيقية للقسط الشهري تقل مع الوقت، لكن العكس هو ما يحدث لأن الفائدة المطبقة على هذه القروض تتعدى ٢٧٪ في البنوك، وتصل إلى أكثر من ٣٥٪ في شركات التقسيط السريع، وهو ما يجعل المدين يدفع ضعف المبلغ المقترض تقريباً على مدى ثلاث أو أربع سنوات. تخيل معي أسرة دخلها الشهري ٦٠٠٠ جنيه، تقترض ١٥ ألف جنيه لشراء ثلاجة، وتسدد قسطاً شهرياً يزيد على ١٥٠٠ جنيه لمدة ١٨ شهراً، هذا يعني أن أكثر من ربع دخلها يذهب لسداد سلعة ربما تكون قد تعطلت قبل انتهاء القسط. تلك ليست مشكلة اقتصاد كلي، لكن مأساة يومية تعيشها ملايين الأسر، وهنا يأتي دور الاقتصادي الذي يجب ألا يكتفي بالتحليل الخارجي، بل أن يضع نفسه مكان رب الأسرة الذي يرى رقم القسط في كشف الحساب فيغلق التلفزيون باكراً ليقلل استهلاك الكهرباء.
الكثير من المواطنين، أكدوا بأن كثيراً من المقترضين لا يدركون أن الفائدة المركبة على القرض الاستهلاكي قد تصل إلى أكثر من ٦٠٪ من قيمة السلعة بعد احتساب رسوم الإدارة والتأمين، وهذا ما تهمله الإعلانات التي تركز على "قسط صغير" دون أن تذكر أن فترة السداد الطويلة هي التي تجعل إجمالي المدفوعات ضعف المبلغ. بعض البنوك بدأت تطرح منتجات تجمع بين التمويل والادخار، لكنها ما زالت محدودة ولا تهم الشريحة الأسرع في الاقتراض، وهي شريحة الشباب التي تمثل أكثر من ٤٠٪ من المتعاملين، والذين غالباً ما يقعون في الخداع من أجل شراء أجهزة حديثة أو سيارات مستعملة دون حساب التكاليف المستقبلية.
لو تمت مقارنة نمو التمويل الاستهلاكي ونمو الإنتاج المحلي، لوجدنا أن معدل نمو الأول يبلغ حوالي ٢٥٪ سنوياً، بينما لا يتجاوز معدل نمو الصناعة التحويلية ٨٪، وهذا يعني أننا نضخ سيولة في الاستهلاك دون أن نضخها في الإنتاج، مما يخلق فجوة يتسع اتساعها مع الوقت. لو تم تحويل ١٠٪ فقط من قيمة التمويل الاستهلاكي السنوي، أي نحو ٢٢ مليار جنيه، إلى قروض إنتاجية صغيرة ومتوسطة، لكان بإمكاننا إضافة أكثر من ٥٠٠ ألف فرصة عمل جديدة في مجالات الصناعات الغذائية والمنسوجات والصناعات المغذية، وهو ما كان سيخفف من الضغط على الطلب المستورد ويحسن الميزان التجاري الذي يعاني عجزاً دائماً.
لذلك الحل لا يكمن في منع التمويل الاستهلاكي، فهذا غير عملي في اقتصاد حديث، بل في إعادة توجيهه وتقنينه بما يتناسب مع قدراتنا الإنتاجية. أقترح أن ترتبط الموافقة على أي قرض استهلاكي بشهادة تفيد بأن السلعة المشتراة لها بديل محلي بنسبة تصنيع لا تقل عن ٤٠٪، وهذا سيحفز المنتجين المحليين على تحسين جودتهم ومنافسة المستورد، كما أن البنك المركزي يستطيع أن يضع نسباً متفاوتة للاحتياطي الإلزامي على قروض السلع المستوردة بحيث تكون أعلى من قروض السلع المحلية، وبذلك نستخدم أدواتنا النقدية لتشجيع الإنتاج دون أن نبدو وكأننا نكبل حرية المستهلك.
من هنا يتضح أن التمويل الاستهلاكي ليس عدواً، لكنه كالدواء إذا أسيء استخدامه تحول إلى سم. الفارق بيننا وبين الدول التي نجحت في إدارته، هو أنهم استخدموه كأداة لتوسيع قاعدتهم الإنتاجية أولاً، ثم كوسيلة لتحسين المعيشة ثانياً، بينما نحن نستخدمه كمسكن للألم الاقتصادي دون علاج سببه. أتمنى أن نصل إلى مرحلة نستطيع فيها أن نقول للمواطن: اقترض لتشتري ما يصنعه مصنعك، لا ما يستورده سفينك، وأن يكون القسط الشهري جزءاً من خطة ادخارية وليس بديلاً عنها.