يوصفُ التنسيقُ المدني بأنَّه مصلحة وحاجة فلسطينية خالصة لا يمكن الاستغناءُ عنها دون الإشارة إلى المصلحة الإسرائيلية منه أو دراسة الانعكاسات السلبية على الاحتلال عند وقفه، علماً أنَّ وقف التنسيق بأشكاله المختلفة يضع إسرائيل أمام مسؤولياتها كقوة احتلال، ويطالب غالبية الفلسطينيين بوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، ويحاول البعض وضع فواصل بين التنسيق الأمني والمدني رغم أن الاحتلال ينظر إلى القضايا كافة بمنظور أمني دون تمييز، فكل الطلبات الإنسانية المقدَّمة لإدارة الاحتلال تفحص أمنيًا قبل المصادقة عليها أياً كانت الحالة وظروفها الإنسانية وحتى التصاريح والموافقات التي تمنح للفلسطينيين للتخفيف ظاهرياً كتصاريح العمل والتجارة والصلاة يكون لها غايات وأهداف أمنية وسياسية إسرائيلية.
يتولى مَهمات التنسيق المدني والأمني في الجانب الإسرائيلي جنود وضباط جيش الاحتلال ومخابراته، فالإدارة المدنية الإسرائيلية التي تهتم بالشؤون اليومية للفلسطينيين لا يوجد بها شيء مدني باستثناء اسمها وكافة العاملين فيها، عسكريين ينتقلون من وإلى جيش الاحتلال وبالعكس على اعتبار أنها جزء من هيكليته. لذا نراها تعمل على تعزيز الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم بيوت الفلسطينيين.
تلعبُ مكاتب الارتباط الفلسطيني دور "المختار أو الوسيط" بنقل طلبات وحاجات المواطنين من وإلى سلطات الاحتلال في محاولة لاستصدار التصاريح والموافقات المختلفة دون امتلاك أيَّة صلاحية أو سلطة تفرض على الاحتلال الموافقة على ما يقدم له، ما يحول دون توجه أعداد كبيرة من المواطنين إلى مكاتب الاحتلال المنتشرة في المحافظات الفلسطينية المختلفة بواقع مكتب واحد لكل محافظة، وهذا يساعد الاحتلال على العمل بطاقم مقلص خاصة وأنَّ الطلبات تصل إلى الإسرائيليين مفلترة إلى حد ما، لأنَّ البعض في الارتباط الفلسطيني يرفض استلام الطلبات ونقلها للجانب الإسرائيلي لعلمه المسبق بأنَّها سترفض مباشرة ولا داعي لحملها، وهذا يخفف الأعباء على الاحتلال ويزيل عنه المسؤولية.
وقف التنسيق المدني وإغلاق مكاتب الارتباط سيدفع الفلسطينيين إلى التوجه مباشرة إلى مكاتب الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال بأعداد كبيرة وسيضطر الاحتلال إلى فتح مكاتب جديدة وزيادة عدد العاملين فيها وتعزيز الحراسة حولها وسيكون المواطن الفلسطيني على تماس مباشر مع الاحتلال المسبب الرئيس للمشاكل كافة.
يساعد الارتباط الفلسطيني بشكل غير مباشر على حرف الأنظار عن حقيقة وجود احتلال إسرائيلي يتعمد قهر وتعذيب الفلسطينيين يومياً ويعزز وَهم أن السلطة الفلسطينية صاحبة سيادة والفلسطينيين أصحاب قرار، فإذا ما رفض الاحتلال الموافقة على الطلبات المنقولة له يوجه المواطن غضبه وانتقاده إلى السلطة والعاملين في الارتباط لاعتقاده الخاطئ بأنهم أصحاب قرار ويتناسى أنهم لا يتعدَّو مراسلين ينقلون الطلبات ويتلقون الردود، فالسلطة الفلسطينية عاجزة على إرغام إسرائيل على تقديم أي تنازل كان، وبالتالي حلّ مكاتب الارتباط سيُظهر الأمُورَ على حقيقتها.
تمثل مكاتب الارتباط مظهراً سلطوياً فلسطينياً يهدفُ لتذكير المواطنين بوجود سلطة فلسطينية حاكمة؛ لذلك لن يخسرَ الفلسطينيون شيء بإغلاقها وبإزالة المظهر، باستثناء البعض الذي سيفقد جزءاً من هيبته ومكانته الاجتماعية التي اكتسبها نتيجة ارتباط احتياجات المواطنين به وبالتصاريح التي يعمل على استصدارها من دولة الاحتلال،لأنَّ إسرائيل مجبرة على التعامل مع متطلبات اليومية للفلسطينيين للحيلولة دون حدوث انفجار الوضع الأمني في الضفة الغربية وخدمة لمصالحها فمثلاً ما تقدمه إسرائيل في المجال الصحي سيستمر ليس حباً بالفلسطينيين بل خشية انتشار الأمراض وانتقالها لمواطنيها وجنودها.
هناك من يعتقد أن مكاتب الارتباط تقلل الاحتكاك بالإسرائيليين وتقلص من احتمالات تجنيد البعض للعمل في خدمة الاحتلال كعملاء، وهذا غير دقيق فالاحتلال يمكنه الوصول لأي شخص كان بوسائل مختلفة مثل الحواجز أو عند الحصول على بطاقات ممغنطة وحتى في أماكن العمل أو اثناء التنقل من وإلى خارج البلاد. فإذا كان الارتباط الفلسطيني لا يستطيع إرغام ضباط الإدارة المدنية على استصدار تصريح علاج لمواطن بسبب منع أمني إسرائيلي أو يقلل احتمالات التجنيد فما هي الحاجة له.
وقف التنسيق المدني خطوة في إطار المواجهة مع الاحتلال وتطوير أدوات المقاومة الشعبية على طريق العصيان المدني وسيكّلفُ إسرائيل الكثير وقد يفوق ما يكلفها وقف التنسيق الأمني، لذا يجب أن لا نبقى أسرى مقولة التنسيق المدني حاجة ومصلحة فلسطينية دون فحص المصلحة الإسرائيلية منه.