تاريخ النشر: 2022-11-20 | 06:22
تاريخ النشر: 2022-11-20 | 06:22
وهكذا تتضح الحقيقة : التنظيم الدولي موجود وجودا فعليا يتحرك ويعمل وفق لائحة ملزمة. ـ مقره القاهرة , ومرشده هو مرشد الجماعة, وله مكتب إرشاد عام, ومجلس شوري يضم ممثلين للأقطار المختلفة. وهو الحاضنة الكبرى أو بالدقة الخزينة الكبرى لأموال واستثمارات الجماعة.
ولأن الجماعة اختارت لنفسها أن تكمن في ذلك الشق بين الجمعية الدعوية والحزب السياسي كما يقول د. رفعت السعيد, فإن المفارقة الحقيقية تتضح من أن لا ضير من وجود جمعية دعوية ترعي الدعوة الإسلامية وتكون ذات فروع في أقطار أخري, حدث ذلك في جمعية الشبان المسلمين ويحدث الآن في عشرات من التنظيمات الإسلامية ذات الطابع الدولي التي تمارس الأنشطة الدينية أو الاجتماعية أو الخيرية, لكن المأزق يكمن في إصرار الجماعة علي الفعل السياسي والحزبي, هنا يقف القانون عائقا, وتتراكم الشكوك حول التمويل والتدخلات ومدي مسئولية المرشد العام عما يحدث هنا أو هناك, ولهذا يفضل الإخوان أن يتحدثوا عن هذا الأمر حديثا غامضا وغائما، وأحيانا غير معبر عن الواقع .
ومن هنا يمكننا أن نفهم إصرارهم علي الاستمرار في حالة الاختباء الواقعي, فلا هم جمعية أهلية تخضع لقانون الجمعيات ولا هم حزب يخضع لقانون الأحزاب.
وحتى عندما تقول الحركة في مصر إنهم سيعلنون حزبا سياسيا يبادرون علي الفور للقول بأنهم لن يتقدموا إلى لجنة الأحزاب, ذلك أنهم إن تقدموا يتعين عليهم أن يتخلصوا من حاضنتهم وخزينتهم أو بالدقة بنكهم العالمي, حيث استثماراتهم الأساسية وكذلك امتداداتهم التنظيمية التي تمنحهم مرونة في الحركة وقدرة علي المناورة. وهكذا يمكننا أن نفهم لماذا ترتبك الكلمات عندما يأتي الحديث عن التنظيم الدولي (8) د. رفعت السعيد ، الأهرام 14/4/2007 م السنة 131 العدد 43958 ) ؛ وإلا كيف نفهم تدخل مكتب الإرشاد العام في القاهرة في موضوع تفكيك العلاقة التنظيمية بين حركة الإخوان فرع الأردن؛ مع حركة حماس بالاستناد إلى قرار مرجعي أقرب لصيغة الفتوى؛ كان قد وصل لرئيس مجلس الشورى الشيخ عربيات؛ جاء ليحسم خلافا حول تبعية المكاتب الفرعية في الخارج؛ وتحديدا في دول الخليج للتنظيم الإخواني (9)( موقع وكالة سما للأخبار 12/2/ 2010 ) إلا في سياق هذه الوحدة التي تجمع كل فروع الإخوان في تنظيم واحد هو التنظيم الدولي لحركة الإخوان المسلمين .
ومن ثم لا يمكن إلا لمكابر من بعد أن ينفي وجود التنظيم الدولي لحركة الإخوان؛ في حين أنه حقيقة واقعة بلسان وتصرفات بعض رموز الحركة؛ حتى ليبدو وكأن هذا التنظيم في أحد جوانبه عبارة عن سبة يحاول البعض أن يتبرأ منها؛ فيما يحرص الجميع على بقائه والاستفادة منه من جانب آخر.
تاريخية الفكرة
تشير الحقائق التاريخية أن فكرة الإطار السياسي الدولي الذي ينظم الجماعة الإسلامية فكرة قديمة؛ كان قد تم تناولها من قبل العديد من المفكرين؛ وفي أوقات مختلفة وفي مقاربة لامعة يعيد الدكتور رفعت السعيد استحضارها بهدف دحض محاولة التبرؤ من وجود هذا التنظيم بكل الآثار الدموية التي يخلفها في الواقعين العربي والإسلامي؛ والحقيقة أن أصل الفكرة قديم ويسبق نشوء الجماعة بأزمان طويلة.. إلى أن تبلورت ـ في بدايات العصر الحديث ـ عبر تعبير الجماعة الإسلاميةPanislmisim الذي ورد كثيرا في كتابات جمال الدين الأفغاني.. ولعل أشهر صيحاته في هذا الصدد هي دعوته للمسلمين في بلدان العالم بالتوحد, مؤكدا أنه لو بصق كل مسلم بصقة واحدة لأغرق مجملها دولة الطغاة(10) ( راجع: خاطرات جمال الدين) , وكذلك فإن انطلاق الثورة العرابية قد وجد له صدى في تحركات مسلمي الهند وفي الثورة المهدية في السودان, ولكن كان للأمر في ذلك الحين شقه السلبي إذ أصدر الخليفة العثماني بناء علي ضغط من الانجليز فتوى باسم الباب العالي تقول إن العرابيين عصاة, خارجون علي الملة, وكانت تلك الفتوى أحد أسباب هزيمة العرابيين.
فيما حاول عبدالرحمن الكواكبي من جانبه أن يوضح صورة الأمر في كتابه أم القرى الذي تخيل فيه اجتماعا تم في موسم الحج حضر فيه السيد الفراتي, والفاضل الشامي والكامل الاسكندري والعلامة المصري والمتحدث اليمني والحكم التونسي والسعيد الانجليزي والإمام الصيني..الخ, وسماه مؤتمر النهضة الإسلامية لبحث هموم المسلمين وكيفية إصلاح أحوالهم , وفي ذات الوقت تقريبا كان الحزب الوطني ( القديم) يتعرض لانقسام حاد بين اتجاه يرفع شعار مصر للمصريين، وشعار يرفعه الشيخ عبدالعزيز جاويش مؤكدا أن مصر جزء من دولة الخلافة العثمانية بزعم أن إضاعة الخلافة إضاعة للذات.
غير أن الكثير من الباحثين يتفقون على أن النواة الحقيقية للتنظيم الدولي للجماعة , أتت عقب فشلهم في احتواء الثورة المصرية ؛ ثم محاولتهم اغتيال عبد الناصر عام (1954) ؛ عندما هاجر العديد من قادة حركة الإخوان إلى بلدان عدة ؛ وتمركز الكثير منهم في السعودية , ومن السعودية سافر سعيد رمضان إلي ميونيخ بألمانيا ؛ حيث أقام بتمويل مثير للدهشة المركز الإسلامي الذي أصبح النواة التنظيمية بل والميلاد الفعلي للتنظيم الدولي للإخوان .
وهذا الميلاد للتنظيم الدولي لحركة الإخوان وجد فرصته عندما اشتعلت الحرب الأفغانية بأن كان هناك.. فنشط الكثير من أعضائه في أفغانستان من أمثال الاخواني كمال السنانيري ود. عبدالله عزام, الذي أسس هناك عرين الأسد وأطلقوا عليه المأسدة ؛ وهناك تتلمذ علي يديه أيمن الظواهري الذي أكد أنه توجه إلي أفغانستان بإيعاز من الإخوان (11) ( راجع: فرسان تحت راية النبي ـ الإنترنت).
وليتعاظم دور التنظيم الدولي للجماعة ويستمر في نشاط عارم يحرك فرقا في أنحاء عدة من العالم ويدير ويدبر أموالا طائلة.. إلا أن التنظيم الدولي مع ذلك ظل دوما بأمواله واتصالاته تحت قبضة الجهاز السري للجماعة , إلي أن تفجرت خلافات حادة بين مرشد الجماعة وبين إخوان الكويت بعد مساندة الإخوان لغزو صدام للكويت, ثم تمرد حسن الترابي الذي كان لفترة طويلة واحدا من أبرز حكام السودان , علي هيمنة الجماعة , وانتهي الأمر بأن لوحت قيادة الجماعة بفكرة أهل مكة أدري بشعابها.
ورغم كل ذلك ؛ هناك محاولة متعمدة أن يظل الحديث عن التنظيم الدولي ـ وكما اعتادت الجماعة غائما وحمال أوجه ـ نلمس ذلك في تصريح مأمون الهضيبي عندما كان مرشدا للجماعة يقول فيه " ليس هناك شيء اسمه التنظيم الدولي يحرك الناس في بلادهم , هذا أبعد شيء عن الحقيقة وعن الواقع وليس من فكرنا , وأهل مكة أدري بشعابها " (12) ( الحياة ـ لندن ـ15/4/1995 )
بداية القصة
إذن التنظيم الدولي موجود وجودا فعليا؛ يؤكد هذا الوجود المعطيات الملموسة؛ والسؤال الذي يلح هنا هو؛ كيف بدأت القصة؛ وهي القصة التي من شأنها أن تعيدنا إلى البداية؛ تلك البداية التي تروي حكاية نشأة جمعية الإخوان المسلمين؛ إذ أنه من غير العلمي أن نحيط بدور وممارسات وفكر التنظيم الدولي؛ دون البحث في الحركة التي خلقت هذا التنظيم؛ كشرط علمي بهدف الإحاطة بدور وأهداف التنظيم الدولي؛ هنا تحضر البدايات الأولي لتشكيل حركة الإخوان المسلمين في مصر أواخر العقد الثاني من القرن العشرين.
ففي حين تتحدث بعض المراجع أن فكرة تكوين حركة الإخوان تعود إلى حسن البنا الذي أنشأ " جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية عام 1928م كجمعية دينية تهدف إلى التمسك بالدين وأخلاقياته؛ ثم انتقال نشاط الجماعة في عام 1932 إلى القاهرة؛ في حين أن نشاطها السياسي لم يبدأ إلا في عام 1938. حين عرضت الجماعة حلا إسلاميا لكافة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تعانى منها البلاد في ذلك الوقت؛ فكان أن رفضت الدستور والنظام النيابي على أساس أن دستور الأمة هو القرآن؛ كما أبرزت الجماعة مفهوم القومية الإسلامية كبديل لمقولة (القومية المصرية) التي كانت تنادي بها الأحزاب الأخرى. وحددت الجماعة أهدافها السياسية آنذاك في الآتي:
• أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي وذلك حق طبيعي لا ينكره إلا ظالم جائر ومستبد قاهر.
• أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي وتعلن دعوته الحكيمة للناس.( 13 ) . (الأهرام ، العدد 43958 ، السنة 131 ، السبت 14/4/2007 )
إلا أن هناك مقاربة أخرى في نشأة جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 ؛ يقدمها الشيخ الدكتور أحمد صبحي منصور ؛ الذي أعاد موضوع إنشائها إلى رعاية رشيد رضا وتوجيهاته. وأن رشيد رضا هو الذي قام بتقديم الشاب حسن البنا إلى أعيان السعودية وأعمدة الدعوة الوهابية، ومنهم حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز، ومحمد نصيف أشهر أعيان جدة. وابنه عبد الله نصيف الذي كان يتزعم رابطة العالم الإسلامى، التي يتغلغل من خلالها النفوذ السعودي إلى العالم الإسلامي، وهى التي لعبت دوراً في تجنيد الشبان للذهاب إلى أفغانستان.
ووفقا لهذه لمقاربة فإن حركة الإخوان المسلمين بهذا المعنى هي عبارة عن امتداد لدور الشيخ رشيد رضا؛ الذي كان قد بدأه بتأسيس مدرسة الدعوة والإرشاد لتخريج الدعاة في جزيرة الروضة (مصر) سنة 1912، التي كانت تجاورها مؤسسة الزهراء للسلفي الشامي محيى الدين الخطيب، في نفس المنطقة، كما كانت مجلته "المنار" ذائعة الصيت متخصصة في الدعوة الوهابية والسعودية، هذا بالإضافة إلى مؤلفاته المتخصصة كـ "الخلافة" والسنة والشيعة، وفيها كان يدعو إلى الخلافة الإسلامية ويرى في ابن سعود المؤهل الوحيد للخلافة. وعن طريق مطبعة المنار نشر رشيد رضا الكثير من مؤلفات ابن حنبل وابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب. وتوفى رشيد رضا بعد أن قام بتوديع الأمير سعود ولى العهد فى ميناء السويس سنة 1935 وترك الراية يحملها من بعده تلميذه حسن البنا مؤسس الإخوان .
و حسن البنا اعترف فى مذكراته "الدعوة والداعية"، بصلته بالشيخ حافظ وهبة والدوائر السعودية، و جمال البنا شقيق حسن البنا يعترف بتلك الصلة بين شقيقه الأكبر، ووالده والسلطات السعودية فى كتابه " خطابات حسن البنا الشاب إلى أبيه " والدكتور محمد حسين هيكل في مذكراته عن السياسة المصرية يشير إلى معرفته بالشاب حسن البنا في موسم الحج سنة 1936، وكيف أن حسن البنا وثيق الصلة بالسعودية ويتلقى منها المعونة، وكان البنا يمسك بيد من حديد بميزانية الجماعة، ولذلك فإن الانشقاقات عن الإخوان ارتبطت باتهام حسن البنا بالتلاعب المالي وإخفاء مصادر تمويل الجماعة عن الأعضاء الكبار في مجلس الإرشاد؛ وعن طريق الدعم السعودي استطاع البنا، وهو المدرس الإلزامي البسيط، أن ينشئ خمسين ألف شعبة للإخوان في العمران المصري من الإسكندرية إلى أسوان (14) ( أحمد صبحي منصور ـ موقع مكتبة الحوار المتمدن )
والأمر الجدير بالملاحظة ارتباطا بطبيعة المنابع الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين؛ هو ما الذي تسعى إليه كهدف نهائي؛ وهي التي لا تخفي ذلك؛ بل إنها تجاهر بالقول والفعل أنها تعمل على أقامة نظام حكم ديني؛ أي دولة دينية؛ بديلا عن الأنظمة القائمة؛ وعلى ضوء ذلك يمكن القول إن الإخوان المسلمين هم مجموعة ذات أهداف سياسية؛ تسعى نظام حكم عقائدي (ديني) وإضفاء هالة وقدسية على أشخاصهم وطروحاتهم التي تأتي بشكل أوامر لا تقبل النقاش والحوار، ليسكتوا أي رأي أو اجتهاد مخالف لهم؛ حتى من أعضاء الإخوان أنفسهم؛ ممن لهم رأي آخر في هذه المسألة أو تلك، حيث يطغي على هذا الاتجاه طابع التكفير؛ (15) الرأي الأردنية الأربعاء 09 شعبان 1428هـ - 22 أغسطس 2007م ) ؛ للآخر وإن كان يتم اللجوء للتقية من قبلهم؛ ارتباطا بظروف المكان والزمان التي قد لا تكون مواتية لهم في حينها .